التضخم في سوريا وتأثيره على الأمن الغذائي 2026

زمن القراءة: 11 دقائق

حصادٌ وفير ومائدةٌ خاوية: حين تلتهم الأسعارُ القمحَ قبل أن يبلغ الرغيف

بقلم: المهندس الزراعي مراد قره مصطفى  

(خريج جامعة بورصة أولوداغ، اختصاصا المحاصيل الحقلية والتربة الزراعية، كاتب موثّق في منصة ويكي فارمر)

أعطت الحقول السورية هذا الموسم من أوفر محاصيل القمح في سنوات، ومع ذلك يقف 7.2 مليون سوري على حافة انعدام الأمن الغذائي الحاد، ليست المفارقة لغزاً، إنها توقيع التضخم على رغيف الفقراء.

قمحٌ في الحقل وجوعٌ على المائدة

أعطت الأرض السورية هذا الموسم واحداً من أوفر محاصيل القمح في السنوات الأخيرة، ومع ذلك يقف نحو 7.2 مليون سوري عند حافة انعدام الأمن الغذائي الحاد، لا يستغرب هذه المفارقة إلا من لم يدخل السوق مؤخراً.

تقدّر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إنتاج القمح لعام 2026 بنحو 2.7 مليون طن، بعد موسم جفاف لم يتجاوز فيه إنتاج الحبوب 1.2 مليون طن، غير أن الأسرة التي تقف أمام البسطة لا تشتري بالأطنان بل بالليرة، والليرة تلهث خلف أسعار لا تعرف التوقف، وأقولها من موقع الاختصاص في المحاصيل الحقلية والتربة الزراعية: أزمة الغذاء في سوريا لم تعد أزمة إنتاج في المقام الأول، بل أزمة قدرة على الشراء، والتضخم سيّدها هذا العام.

لغة الأرقام: ماذا فعل التضخم بالسوريين؟

بعد عام 2025 الذي شهد تراجعاً في الأسعار، عاد التضخم في 2026 بقوة، سجّل المركز السوري لبحوث السياسات تضخماً سنوياً بلغ 27.5% في نيسان، مع ارتفاع شهري وحده بنسبة 3.5%، ويتوقع البنك الدولي في تقريره الصادر في تشرين الأول أن يبلغ متوسط التضخم هذا العام نحو 21.4%.

27.5 %

التضخم السنوي في نيسان 2026

+19 %

ارتفاع سلة الإنفاق الدنيا عن أيار 2025

7.2 مليون

سوري في انعدام أمن غذائي حاد

أما ما يهم المائدة فهو سلة الإنفاق الدنيا التي يقيسها برنامج الأغذية العالمي: بلغت 26,567 ليرة جديدة في أيار (نحو 2.66 مليون بالعملة القديمة)، أي أعلى بنسبة 19% من أيار 2025، وتشير الفاو إلى أنها تجاوزت في حزيران مستواها قبل عام بأكثر من 30%، وفي نيسان قدّر المركز السوري لبحوث السياسات خط الفقر المدقع للأسرة بـ3.34 مليون ليرة قديمة شهرياً، أي 33.4 ألف ليرة جديدة، وخط الفقر الأعلى بـ7.26 مليون قديمة.

والحصيلة على الأرض موثقة: 18% فقط من الأسر السورية آمنة غذائياً بحسب تقييم برنامج الأغذية العالمي لعام 2025، وهو تحسن عن 11% في 2024 لكنه يبقى متواضعاً إلى حد الفجيعة.

المؤشر القيمة المصدر
متوسط التضخم المتوقع لعام 2026 21.4% البنك الدولي
سلة الإنفاق الدنيا، أيار 2026 26,567 ليرة جديدة برنامج الأغذية العالمي
خط الفقر المدقع للأسرة، نيسان 2026 33.4 ألف ليرة جديدة شهرياً المركز السوري لبحوث السياسات
الأسر الآمنة غذائياً، 2025 18% (كانت 11% في 2024) برنامج الأغذية العالمي
في حالة طوارئ غذائية 1.6 مليون برنامج الأغذية العالمي
إجمالي من يعانون انعدام الأمن الغذائي 13.4 مليون من 24.4 مليون الفاو وبرنامج الأغذية العالمي

جذور النار: من أين يشتعل الغلاء؟

معظمه مستورد، وبعضه من صنع القرارات الداخلية، أرجع صندوق النقد الدولي ارتفاع التضخم في 2026 إلى أسعار الواردات، وفي مقدمتها الوقود والغذاء، إضافة إلى تحسن الطلب المحلي وارتفاع كلفة بعض الخدمات، وهنا تصيب الحرب على إيران سوريا من الباب الخلفي: اقترب برنت من 100 دولار للبرميل في تموز، وجاء رفع أسعار المحروقات في 24 تموز تبعاً لذلك (بنزين أوكتان 95 من 147 إلى 149 ليرة جديدة، والمازوت من 120 إلى 121)، بعد خفض في حزيران بلغ نحو 20% للبنزين.

والمازوت ليس سلعة نقل فحسب، فهو الذي يشغّل المضخة في الحقل والفرن في الحي وشاحنة الخضار على الطريق، لذلك رأينا في نيسان أصحاب أفران في درعا يحتجون على رفع الدعم عن المازوت وعلى زيادة أسعار الطحين والخميرة والأكياس، وفي أيار أضربت أفران في الحسكة بعد رفع سعر مازوتها بنسبة قاربت 300%. كل ليرة تُضاف إلى سعر الوقود تعود بعد أيام في سعر الرغيف والخضار.

وللعملة نصيبها أيضاً، فحذف صفرين من الليرة مطلع 2026 (ربطة الخبز التمويني التي كانت 4000 ليرة قديمة صارت 40 جديدة) غيّر الأرقام على الورق، لكنه لم يغيّر قدرة الأسرة على الشراء شيئاً. هذه القدرة تحددها الأجور والإنتاج والاحتياطي، لا عدد الأصفار.

القمح… نصف الحكاية

المحصول جيد فعلاً، تتحدث وزارة الزراعة عن مساحة مزروعة تقارب 1.4 مليون هكتار وإنتاج متوقع يتجاوز 3 ملايين طن، وتقدّره الفاو بنحو 2.7 مليون طن، وتتصدر الحسكة بنحو 37% من الإنتاج، تليها الرقة وحلب بـ18% لكل منهما، ثم دير الزور بـ11%.

لكن من يتحدث عن اكتفاء ذاتي عليه أن يضع الرقم الآخر بجانبه: يحتاج البلد إلى نحو 4 ملايين طن سنوياً بحسب مسؤول في وزارة الزراعة، وخصوصاً من القمح اللين المخصص للخبز، فيما تقدّر الفاو حاجة الاستيراد للموسم التسويقي الممتد من تموز 2026 إلى حزيران 2027 بنحو مليوني طن، وأي استيراد يعني دفع الثمن بالعملة الصعبة في سوق عالمية ترتفع أسعارها.

والأهم أن القمح في المخزن لا يملأ جيب الأسرة، قدّرت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة في تقريرها عن الفترة من حزيران 2026 إلى كانون الثاني 2027 أن تحسن المحاصيل المتوقع لن يكفي لتحسين الأمن الغذائي على نطاق واسع، لأن الضغوط الاقتصادية وضعف الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة ما زالت قائمة، الحبة التي نحصدها تتحول إلى طحين وخبز بأسعار يحددها الوقود والنقل والكهرباء، لا موسم المطر وحده.

حين انطوت المظلة الدولية

في 13 أيار خفّض برنامج الأغذية العالمي مساعداته الغذائية الطارئة في سورية إلى النصف، من 1.3 مليون مستفيد إلى 650 ألفاً، وأوقف برنامج دعم الخبز على مستوى البلاد الذي كان يصل إلى ملايين الناس يومياً، وقالت مديرته القطرية إن القرار سببه التمويل وحده، لا تراجع الحاجة، ويحتاج البرنامج إلى 189 مليون دولار لستة أشهر (حزيران إلى تشرين الثاني) لإعادة ما قُطع، وفي الأردن توقفت المساعدات النقدية عن 135 ألف لاجئ سوري في المجتمعات المضيفة.

أي أن الأسعار ارتفعت في اللحظة نفسها التي سُحب فيها الدعم عن أضعف الأسر، من كان يعتمد على الخبز المدعوم أو على سلة غذائية صار عليه أن يشتري بسعر السوق، والسوق لا ترحم.

خارطة الخروج: ست خطوات لا تحتمل التأجيل

لا حل واحداً لمشكلة بهذا الحجم، لكن هناك ست خطوات في متناول البلد إذا توفرت الإرادة.

  1. أن يقبض الفلاح ثمن قمحه في موعده: الفلاح الذي يتأخر ماله لن يزرع بالحماس نفسه في الموسم القادم، المطلوب سعر شراء معلن قبل الزراعة، وصرف سريع عبر المصرف الزراعي، ومراكز استلام وتخزين قريبة من الحقل لتوفير كلفة النقل.
  2. سدّ فجوة الري: في موسم 2026 بلغت الزراعة المروية 505 آلاف هكتار من أصل 640 ألفاً مستهدفة (79%)، بينما وصلت البعلية إلى 92% من هدفها، الفرق بين النسبتين هو ما نملك التحكم فيه، الري التكميلي وتأهيل الآبار والمضخات العاملة بالطاقة الشمسية تخفض كلفة المازوت وتحمي المحصول من تقلب المطر.
  3. خفض كلفة المدخلات من الحقل نفسه: البذار المحسّن والسماد والمازوت الزراعي هي ما يحدد سعر الطن عند الحصاد، وللتربة دورها: دورة زراعية تدخل فيها البقوليات تقلل الحاجة إلى السماد الآزوتي، وإبقاء بقايا المحصول وتقليل الحراثة في الأراضي البعلية يحفظان الرطوبة، توفير هذه المدخلات بأسعار مستقرة للفلاح أجدى من دعم الرغيف بعد أن يصبح غالياً.
  4. حماية الخبز بدعم موجّه: بعد خروج برنامج الأغذية العالمي من دعم الخبز، ينبغي أن تُبقي الحكومة سعر الربطة ثابتاً بقدر الإمكان، وأن توجّه الدعم الأكبر إلى الأسر الأشد فقراً عبر تحويلات نقدية أو قسائم غذائية بدل الدعم الشامل الذي يستفيد منه الغني والفقير بالقدر نفسه.
  5. إدارة الاستيراد بعقل التاجر الحذر: ما دمنا سنستورد قمحاً لينّاً، فالأفضل التعاقد مبكراً على شحنات متفرقة وتنويع الموردين، وبناء مخزون استراتيجي من الحبوب يمتص صدمات الأسعار العالمية بدل أن تدفعها الأسرة مباشرة.
  6. تحويل الإغاثة إلى إنتاج: الأسرة الريفية التي تحصل على بذور وأدوات وبعض الدواجن والأغنام الصغيرة تستغني عن سلة المعونة بعد موسمين، على الجهات المانحة أن تنتقل من توزيع الغذاء إلى تمويل الزراعة الأسرية والبستنة المنزلية وسبل العيش، وعلى الحكومة أن تفتح لها الطريق.

وفوق ذلك كله تبقى مسألة الأجور، تفيد وثائق الوكالة الأوروبية للجوء بأن سلة الإنفاق الدنيا تتجاوز بكثير الحد الأدنى للأجور، وأن نحو 90% من الأسر تعاني لتأمين احتياجاتها الأساسية، سياسة غذائية لا تراجع الأجور مع الأسعار تبني سداً من رمل.

رغيفٌ لا يكفيه الحصاد

يمكن لسوريا أن تحصد أكثر من ثلاثة ملايين طن وتبقى أسرها جائعة، إن لم تُكسر الحلقة التي تربط الوقود بالنقل وبالخبز وبالأجر، الحقل أدى ما عليه هذا العام، ومن واجبنا أن نضمن أن ما ينبت فيه يصل إلى المائدة بسعر يتحمله الناس.

———————————–

المصادر:

  1. المركز السوري لبحوث السياسات: النشرة الشهرية لمؤشر أسعار المستهلك، نيسان 2026
  2. البنك الدولي: آفاق الاقتصاد الكلي والفقر في سوريا، تشرين الأول 2026
  3. سانا: صندوق النقد الدولي ونمو الاقتصاد السوري 2026
  4. برنامج الأغذية العالمي: سوريا
  5. الأمم المتحدة: خفض المساعدات الغذائية في سوريا، 13 أيار 2026
  6. سانا: تقييم الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي، آذار 2026
  7. برنامج الأغذية العالمي: نشرة أسعار السوق في سوريا، أيار 2026
  8. الفاو: موجز نظام المعلومات والإنذار المبكر عن سوريا
  9. درعا 24: يوم الأغذية العالمي، 13.4 مليون شخص
  10. الجزيرة نت: أرقام موسم القمح 2026
  11. الجزيرة نت ورويترز: حاجة سوريا من القمح، حزيران 2026
  12. عنب بلدي: تقرير شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة عن سوريا
  13. عنب بلدي: ارتفاع أسعار المحروقات، 24 تموز 2026
  14. عنب بلدي: احتجاج أصحاب الأفران في درعا، نيسان 2026
  15. تلفزيون سوريا: الغلاء في سوريا، إضراب أفران الحسكة، أيار 2026
  16. الوكالة الأوروبية للجوء: تقرير عن سوريا
  17. سانا: 14 رقماً عن موسم القمح 2026
آخر الأخبار