تتحول المهن الرقمية في سوريا تدريجياً إلى مورد اقتصادي رئيس، مستفيدةً من توسع العمل عن بعد وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، وما توفره من فرص لتحويل المعرفة والمهارات المتخصصة إلى دخل وخدمات قابلة للتسويق.
وتشير صفا الجاسم مديرة فريق في إحدى شركات التدريب الرقمية بسوريا، إلى أن الإقبال على التدريب في المهن الرقمية مرتفع جداً وفي تزايد مستمر، موضحةً أن الشباب باتوا أكثر إدراكاً لأهمية هذه المهارات للاستقرار البرمجي والوظيفي، ولا سيما مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي وتوافر خيارات العمل عن بعد.
4 مهن رقمية أكثر طلباً بين الشباب
وتذكر الجاسم خلال حديثها لـ سانا، أن المهن الرقمية الأكثر طلباً على تعلمها والتدرب عليها من قبل الشباب هي أربع:
– التسويق الرقمي وإدارة منصات التواصل الاجتماعي.
- تصميم الجرافيك وواجهات المستخدم وتجربة المستخدم (UI/UX).
- مونتاج الفيديو وصناعة المحتوى الرقمي.
- تطوير المواقع والتطبيقات.
– المهن الرقمية الأعلى دخلاً في سوريا .
أما المهن الأعلى دخلاً، بحسب الجاسم، فهي هندسة الذكاء الاصطناعي، وذلك نتيجة الاستثمارات الكبيرة في الحلول الذكية والتحول الرقمي لدى الشركات والقطاعات الحكومية في المنطقة.
وتأتي مهن الأمن السيبراني، وتطوير البرمجيات والحلول المتكاملة، في المرتبة الثانية، ويليها علم البيانات وتحليلها، وإدارة المنتجات التقنية، التي تحتاج إلى كفاءات تجمع بين المعرفة التقنية والرؤية التجارية والقدرة على إدارة المشاريع.
مفهوم جديد لرأس المال
ويرى الخبير الاقتصادي عبد العظيم المغربل أن المهن الرقمية يمكن أن تخلق نشاطاً اقتصادياً منخفض التكلفة نسبياً، لا يحتاج إلى مصانع أو استثمارات ضخمة، ويتيح العمل من أي منطقة داخل سوريا، بما يوسع الاقتصاد الخدمي، ويزيد الاعتماد على المهارات والمعرفة بدلاً من الاقتصار على رأس المال المادي.
ويشير المغربل إلى أن هذا النشاط يتيح فرصاً في البرمجة والتصميم والتسويق والترجمة وتحليل البيانات وخدمة العملاء، بما فيها للأشخاص الذين يصعب عليهم الوصول إلى وظائف تقليدية، فضلاً عن إتاحة العمل الحر وتعدد مصادر الدخل بدلاً من انتظار وظيفة حكومية أو محلية محدودة الأجر.
تجربة عملية
وتعكس تجربة المونتير وصانع المحتوى يمان الحنش هذا التحول، إذ بدأ اهتمامه بالتصوير والفيديو، ثم تعلم المونتاج باستخدام برنامج «Premiere»، قبل أن يحول المهارة إلى مصدر دخل وينفذ مشاريع من المنزل.
ويشير الحنش إلى أن المهارة الواحدة يمكن توظيفها في مجالات متعددة، وأن معظم الأدوات اللازمة للعمل متوافرة على جهاز الكمبيوتر، ما يلغي الحاجة إلى مكتب خاص للبدء، ويعمل في المونتاج وصناعة المحتوى لمشاريع إنسانية وإعلامية وإعلانية وفعاليات وحملات، فيما يبدأ بعض المشاريع من التصوير وترتيب الفكرة وصولاً إلى إخراج الفيديو النهائي.
الشهادات لم تعد تكفي
كما توضح الجاسم أن عدد الذين تلقوا تدريباً في الشركة الرقمية التي تعمل فيها بلغ نحو 1700 متدرب، خلال عام، بين تدريبات حضورية وأخرى عبر الإنترنت، فيما بلغت نسبة الحاصلين على فرص عمل منهم نحو 20 بالمئة.
وتؤكد الجاسم أن الشهادات وحدها لم تعد تكفي لدخول سوق العمل، بل لا بد من التدريب العملي والقدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، فذلك ما يرفع الإنتاجية ويسرع الإنجاز، مشيرةً إلى أن بناء شبكة علاقات مهنية عبر اللقاءات المتخصصة والمنصات المهنية، ولا سيما «LinkedIn»، لديه أهمية كبرى في دخول سوق العمل أيضاً.
بدوره ينصح الحنش الشباب بعدم انتظار الوصول إلى مستوى الاحتراف الكامل قبل البدء، وإنما تطوير المهارات وإنشاء نماذج أعمال والبدء بمشاريع بسيطة لبناء الخبرة والسمعة، مؤكداً أن الالتزام وحسن التعامل مع العميل وتسليم العمل في الموعد لا تقل أهمية عن المهارة التقنية.
المهن الرقمية.. مرونة ومنافسة
ويوضح الحنش أن العمل من المنزل يمنحه مرونة أكبر في تنظيم الوقت مقارنة بالوظيفة الحكومية، رغم أن الجمع بين العملين يتطلب ترتيب الأولويات وإدارة ضغط المشاريع ومواعيد التسليم.
ويؤكد أن العمل الرقمي ساعده على زيادة دخله وفتح أمامه مصدراً إضافياً غير مرتبط بمكان جغرافي محدد، وأتاح له التعامل مع جهات وأشخاص من أماكن مختلفة، والوصول إلى مشاريع خارج المدينة وحتى خارج البلاد، مع استمرار تطوير المهارة وبناء السمعة المهنية والالتزام بالمواعيد.
ويرى المغربل أن خفض تكاليف التشغيل وفتح السوق العالمية أمام السوريين يمكن أن يجعلا الخدمات الرقمية أكثر قدرة على المنافسة، ولا سيما عند التركيز على الجودة واللغة والمهارات المتخصصة.
ويضيف، أن تعامل السوريين مع شركات وعملاء في الخارج يعني دخول إيرادات بالقطع الأجنبي إلى السوق المحلية، ما يرفع القدرة الشرائية ويدعم الطلب الداخلي ويخفف جزئياً الضغط عن سوق الصرف، فيما يعزز دخول هذه العوائد عبر القنوات المصرفية الرسمية الأثر الأكبر في الاقتصاد.
المهن الرقمية في سوريا.. 4 شروط أساسية
ويشير المغربل إلى أن تحول المهن الرقمية إلى مورد رافع للاقتصاد الوطني في سوريا يحتاج إلى؛
-كهرباء وإنترنت مستقرين.
-وسائل دفع دولية.
-تشريعات واضحة للعمل الحر والشركات الرقمية.
-تدريب وتعليم تقني.
ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أهمية تسهيل استقبال المدفوعات من الخارج وحماية العقود والحقوق الرقمية، باعتبارها عوامل تساعد على توفير البيئة اللازمة لنمو العمل الرقمي وتحوله إلى نشاط اقتصادي أوسع.
المصدر: سانا
