قد يبدو مستقبل الاقتصاد العالمي وكأنه معادلة ديموغرافية صعبة: عدد أكبر من كبار السن، وعدد أقل من الشباب، وقوة عمل يُفترض أن تنكمش تدريجياً. لكن هذه الصورة تخفي مفارقة مهمة؛ فالأشخاص الذين يصلون إلى أعمار متقدمة اليوم ليسوا بالضرورة كما كان كبار السن في الأجيال السابقة. فالعمر يزداد، لكن سنوات الصحة والنشاط والعمل أيضاً تتسع.
للمرة الأولى في التاريخ الحديث، يواجه العالم واقعاً لا توجد له سابقة واضحة: مجتمعات تضم أعداداً متزايدة من كبار السن، فيما تتراجع معدلات المواليد ويعيش الناس لفترات أطول. والسؤال لم يعد فقط: كم شخصاً سيعمل في المستقبل؟ بل: هل يستطيع الاقتصاد الاستفادة من سنوات العمر الإضافية بدلاً من التعامل معها باعتبارها عبئاً؟

تسارع الشيخوخة
تشير الأدلة العلمية إلى أن الإحساس بمرور الزمن وتسارع الشيخوخة يزداد مع تقدم الإنسان في العمر؛ فكلما تراكمت السنوات وتقلصت السنوات المقبلة، يبدو الأمر أشبه بانهيار جليدي يزداد سرعة على سفح جبل،ة لكن وفقاً لتقرير حديث، لم يعد تسارع الشيخوخة مجرد إحساس.
فالعالم بالفعل يتقدم في العمر بوتيرة أسرع من المتوقع، وفقاً لمكتب الإحصاء السكاني الأمريكي، بعدما “لم تسر الأمور كلها كما كان متوقعاً”. وأسهم تراجع المواليد الناجم عن جائحة “كوفيد-19” في تسريع هذا الاتجاه، خصوصاً في دول مثل الصين. وفي الوقت نفسه، يعيش عدد أكبر من الناس لفترات أطول، ويمضون سنوات إضافية في مرحلة كانت تُصنف تقليدياً ضمن “الشيخوخة”.
وأصبحت هذه المرحلة أقرب إلى القاعدة منها إلى الاستثناء؛ ففي أكثر من ثلث دول العالم، يشكل الأشخاص في الأعمار المتقدمة ما لا يقل عن 14% من السكان.
عالم يتقدم في العمر
كانت مؤشرات التحول الديموغرافي واضحة منذ سنوات. ففي اليابان، يتجاوز عدد الأشخاص الذين تخطوا سن المئة 100 ألف شخص، بينما تواصل أوروبا تحولها إلى قارة أكثر تقدماً في العمر.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت حصة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر إلى 18% خلال الجزء الأول من القرن الحالي. وحتى إفريقيا، التي لا تزال تتمتع بتركيبة سكانية شابة نسبياً، يُتوقع أن تصبح ثاني أكبر مصدر للنمو السكاني في فئة من تجاوزوا 65 عاماً، بعد آسيا.
ومع تغير التركيبة السكانية، يبرز السؤال الاقتصادي الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع الاقتصادات مواصلة النمو بالسرعة الكافية؟ فالأفكار الجديدة تحتاج إلى عقول قادرة على الابتكار، والإنتاجية يجب أن تستمر في الارتفاع لتعويض تقلص أعداد العاملين.
وقد يبدو الحل بسيطاً للوهلة الأولى: دعوا الآلات تقوم بالعمل. وبإمكان البشر التحكم فيها من خلال تطبيقات على الهواتف المحمولة وواجهات سهلة الاستخدام.
لكن خبراء يرون أن المستقبل ليس بالضرورة عالماً تتولى فيه الروبوتات مساعدة بشر أقل قدرة، عبر تنفيذ مهمة مبسطة تلو الأخرى. فالبشر أنفسهم قد يواصلون خلق قيمة اقتصادية حقيقية، لأن أعداداً متزايدة منهم باتت قادرة على الحفاظ على صحتها لفترة أطول.
وقال جورج وارتون، الأستاذ المشارك في سياسات الصحة في كلية لندن للاقتصاد: إن كبار السن “يقدمون إسهاماً هائلاً”، مشدداً على أهمية التوقف عن التعامل معهم باعتبارهم عبئاً.
ويرى وارتون أن الاقتصادات تحتاج أيضاً إلى زيادة الاستثمارات في أنظمة الدعم طويلة الأجل، للأشخاص الذين يُرجح أن تعتمد عليهم المجتمعات بدرجة أكبر للحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي. وقد تساعد هذه الاستثمارات في تعويض جزء من الإنفاق التقليدي على المنافع الاجتماعية والرعاية الطبية.
سنوات أطول.. وصحة أفضل
وجدت دراسة نُشرت في يونيو أن الأمريكيين يعيشون السنوات الأخيرة من حياتهم في حالة صحية أفضل بصورة واضحة. وبين أوائل تسعينيات القرن الماضي وعشية الجائحة، ارتفع الإنفاق الأمريكي على مزايا برنامج “ميديكير” بمعدل يقل عن نصف معدل الزيادة في الإنفاق على الضمان الاجتماعي.
والأكثر إثارة للاهتمام أن عدداً كبيراً من الأمريكيين تمكنوا من قضاء السنوات الإضافية التي أضيفت إلى متوسط العمر المتوقع، والتي بلغت 2.4 سنة خلال تلك الفترة، “من دون قيود جسدية أو معرفية”.
وقال أحد مؤلفي الدراسة: إن البشر “لا يعيشون لفترة أطول فحسب، بل يعيشون بصورة أفضل”.
وهنا يبرز سؤال اقتصادي جوهري: هل يمكن لتحسن جودة الحياة في الأعمار المتقدمة أن يتحول إلى مكاسب مستدامة في الأداء والإنتاجية؟ وهل يمكن أن يظهر أثر ذلك في ميزانيات الشركات والبيانات الاقتصادية، وليس فقط في الحياة اليومية؟
تشير بعض الأبحاث إلى أن القوى العاملة تمكنت من التعامل مع موجات الشيخوخة حتى قبل ظهور أنماط الحياة الصحية الحديثة. فقد خلصت دراسة حديثة شارك في تأليفها دارون عجم أوغلو، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، إلى أن المجتمعات التي تتقدم في العمر وتنكمش سكانياً تمكنت في الماضي من زيادة الناتج الاقتصادي لكل عامل، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي.
لكن هذا التحسن اعتمد في العادة على تطوير تقنيات جديدة توفر العمالة، وفقاً للدراسة. ولنمذجة تأثير النقص المفاجئ في أعداد الشباب، كما يحدث اليوم، عاد الباحثون إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أدى نقص العمال بسبب الخسائر العسكرية إلى زيادة الابتكار في تقنيات تسمح بإنجاز المزيد من العمل آلياً وبعدد أقل من الأيدي العاملة.

الشيخوخة والذكاء الاصطناعي
اليوم، قد يجد العاملون الأكبر سناً والأكثر صحة أنفسهم أمام فرصة مختلفة، تتمثل في الجمع بين قدراتهم وخبراتهم من جهة، وتقنية شديدة القوة لتوفير العمالة من جهة أخرى: الذكاء الاصطناعي.
وقد يؤدي هذا المزيج إلى دفعة مزدوجة للنشاط الاقتصادي؛ فزيادة سنوات العمل الممكنة قد تتزامن مع تقنيات ترفع إنتاجية كل عامل.
ويذهب المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن طول العمر يمكن أن يمثل فرصة اقتصادية ضخمة. ويشير تقرير للمنتدى إلى أن إجراءات بسيطة، مثل توسيع إتاحة أجهزة السمع للمساعدة في الحد من مخاطر الخرف، يمكن أن تسهم في إضافة نحو 645 مليار دولار إلى الإنتاجية خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة.
تجربة بشرية بلا سابقة
المفارقة أن العالم الذي يضم عدداً أكبر من كبار السن مقارنة بالأطفال لم يسبق له أن وُجد بهذا الشكل. فالتحول الديموغرافي كان هائلاً.
ففي عام 1851، إذا كنت سويدياً، كانت فرصتك في بلوغ سن التسعين تقترب من الصفر. أما في عام 2022، فأصبحت الاحتمالات نحو واحد من كل ثلاثة أشخاص.
وباستثناء بعض فترات ما بعد الحروب في مناطق مثل أوروبا، لا يملك العالم سجلاً تاريخياً واسعاً يمكن الاعتماد عليه لمعرفة أفضل السبل لإدارة هذا التحول.
لكن ذلك لم يمنع المجتمعات المتقدمة في العمر من تجربة حلول جديدة. ففي اليابان، أُلزمت الشركات، بموجب تغيير في السياسة خلال العام الماضي، بالحفاظ على فرص عمل للأشخاص حتى سن 65 عاماً، في اعتراف بأن كثيراً من كبار السن سيحتاجون إلى الدخل بقدر حاجة الاقتصادات إلى خبراتهم وعملهم.
وفي سنغافورة، يجري البحث عن حلول تقنية تساعد الأشخاص على الاستمرار في العمل بعد سن السبعين.
أما كوريا الجنوبية، التي انتقلت خلال 24 عاماً فقط من مرحلة “الشيخوخة” إلى مجتمع “فائق الشيخوخة”، فقد حاولت التحرك بصورة استباقية عبر مجموعة من السياسات لمواجهة التغير الديموغرافي.

لا مجال للعودة إلى الوراء
سيحتاج العالم إلى كل ما يمكنه من خبرة وابتكار للتعامل مع هذه المرحلة. فقد أودت الجائحة بحياة كبار السن بصورة غير متناسبة، وفقاً لتقرير مكتب الإحصاء السكاني الأمريكي، لكنها لم تعكس اتجاه الشيخوخة.
والأشخاص الذين كانوا في الأربعينيات والخمسينيات من أعمارهم خلال الأزمة الصحية العالمية أصبحوا، إلى حد كبير، جزءاً ثابتاً من موجة التحول الديموغرافي التي ستحدد شكل الاقتصادات في العقود المقبلة.
من ثم، قد لا تكون القضية الحقيقية هي كيفية منع العالم من التقدم في العمر، فهذا الاتجاه أصبح واقعاً ديموغرافياً راسخاً. التحدي هو كيفية تحويل السنوات الإضافية من الحياة إلى سنوات إضافية من الصحة والعمل والإنتاج والابتكار.
فإذا استطاعت الاقتصادات الجمع بين عمالة أكبر سناً وأكثر صحة، وتقنيات ترفع الإنتاجية، واستثمارات أفضل في الرعاية والدعم طويل الأجل، فقد تصبح الشيخوخة عاملاً يعيد تشكيل النمو، بدلاً من أن تكون مرادفاً تلقائياً للتراجع الاقتصادي.
وهنا تبدأ المرحلة الجديدة: عالم أكبر سناً، لكن ليس بالضرورة أقل إنتاجية.
المصدر: “المنتدى الاقتصادي العالمي”
