العالم الاقتصادي – روعة غنم:
لم يكن الحضور الفلسطيني في دمشق، على هامش معرض الملابس السوري التخصصي التصديري لخريف وشتاء 2026-2027 مجرد مشاركة تجارية عابرة، بل حمل معه فرصاً عملية لتوسيع حركة التبادل التجاري، وفتح قنوات مباشرة بين المنتج السوري والتاجر الفلسطيني، في وقت تبحث فيه الصناعة السورية عن أسواق جديدة؛ تعزز حضورها التصديري؛ وتعيد وصلها بمحيطها العربي.
ففي أروقة المعرض، اجتمع عشرات التجار ورجال الأعمال من الضفة الغربية، وفي مقدمتهم تجار من محافظة جنين، مع الشركات السورية العاملة في الألبسة والنسيج، في لقاءات هدفت إلى: التعرف على المنتجات، بحث إمكانات الاستيراد، وبناء علاقات تجارية تتجاوز فترة المعرض إلى تعاون مستمر.
وتوج هذا الحضور بتكريم خاص للوفد الفلسطيني، تقديراً لمشاركته، فيما بادر الوفد بدوره إلى تقديم درعي تكريم لغرفتي صناعة حلب وصناعة دمشق وريفها، في خطوة عكست أهمية التواصل بين الفعاليات الاقتصادية في الجانبين.
وجرى التكريم بحضور المهندس محمد أيمن المولوي- رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، والأستاذ عماد طه القاسم- رئيس غرفة صناعة حلب، إلى جانب عدد من أعضاء مجالس إدارة الغرفتين.
150 تاجراً فلسطينياً.. والمنتج السوري في مقدمة خيارات الاستيراد
وعلى هامش الاحتفاء أوضح الأستاذ محمد كميل المدير العام لغرفة تجارة وصناعة وزراعة محافظة جنين، أن الوفد الفلسطيني يضم نحو 150 تاجراً، ينحدر نصفهم تقريباً من محافظة جنين، مشيراً إلى أن الإعلان عن المعرض شهد إقبالاً فلسطينياً كبيراً.
وبيّن كميل أن القطاع الخاص الفلسطيني ينظر باهتمام إلى صناعة النسيج والألبسة السورية، لما تتمتع به من سمعة في التصميم والجودة، واضعاً المنتجات السورية ضمن الخيارات التي يبحثها التجار الفلسطينيون للاستيراد، بما يعزز حركة التجارة بين الأسواق العربية، ويدعم حضور المنتج الصناعي السوري.
وأعرب عن أمله بأن تشكل هذه المشاركة تمهيداً لعلاقات تجارية مستدامة وتبادل اقتصادي متوازن، يتيح للمنتجات الفلسطينية الوصول إلى السوق السورية بالتوازي مع توسع حضور المنتجات السورية في السوق الفلسطينية.
كما أشاد باستعادة المصانع السورية لزخم الإنتاج المحلي، معتبراً أن تنشيط القطاع الإنتاجي السوري يفتح المجال أمام مصالح اقتصادية مشتركة تتجاوز حدود السوق الواحدة.
عبد الرحمن أبو الحسن: الشحن من سوريا إلى فلسطين مستمر

ومن الجانب الفلسطيني، تحدث لـ«العالم الاقتصادي» عبد الرحمن أبو الحسن، من جنين في فلسطين- مدير شركة «لوجيند للخدمات اللوجستية» (Logend Logistic) للشحن والتخليص الجمركي، عن المشاركة الأولى للشركة في معرض يقام في سوريا، مؤكداً أن التعامل التجاري مع السوق السورية ليس جديداً بالنسبة لهم.
وأوضح أبو الحسن أن الشركة تنفذ، بصورة مستمرة، عمليات شحن من سوريا إلى فلسطين، إضافة إلى خطوط شحن مرتبطة بالأردن ومصر وتركيا، مشيراً إلى وجود شحنة منظمة كل أسبوع أو عشرة أيام تقريباً، حسب حركة العمل.
وأضاف أن أهمية المشاركة الحالية تكمن في: الحضور المباشر داخل المعارض السورية، والتواصل مع المصنعين والتجار، لافتاً إلى أن الشركة أسهمت في دعوة عدد كبير من التجار الفلسطينيين إلى المعرض، ما أتاح لهم فرصة التعرف عن قرب إلى المنتجات السورية والالتقاء بمصنعيها.
وحسب أبو الحسن، فإن حركة الاستيراد والتصدير من وإلى سوريا تشهد فرصاً متنامية، معرباً عن أمله في أن تتوسع خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع توجه تجار فلسطينيين وأردنيين وعراقيين وغيرهم نحو السوق السورية.
ويرى أن أهمية سوريا لا ترتبط بالسوق المحلية فقط، وإنما بموقعها ضمن شبكة التجارة الإقليمية، حيث تتصل الأسواق في المنطقة عبر طرق النقل البرية والبحرية، الأمر الذي يمنح تنشيط التجارة السورية انعكاسات أوسع على حركة السلع والخدمات اللوجستية.
المعارض بوابة للثقة قبل العقود
وفي تقييمه لأهمية المعارض، اعتبر أبو الحسن أنها توفر فرصة مهمة لـ: تعزيز الثقة بين المصانع والمستوردين، والتعرف إلى السوق السورية بصورة مباشرة، مشيراً إلى أن العلاقات التي تبدأ داخل أجنحة المعرض يمكن أن تتحول لاحقاً إلى عمليات استيراد وشحن وتخليص جمركي.
وتوقع أن تثمر المشاركة عن علاقات وعقود عمل في قطاعات متعددة، من الشحن إلى الصناعة والاستيراد والتصدير، مؤكداً أن الهدف بالنسبة للقطاع الخاص هو تحويل التواصل داخل المعرض إلى حركة تجارية فعلية يستفيد منها مختلف أطراف سلسلة التجارة.
ولفت إلى أن شركته لم تنتظر انتهاء فعاليات المعرض للبحث عن مشاركات جديدة، إذ بدأت التحضير للمشاركة في معرض متخصص بالمواد الغذائية في سوريا خلال شهر تشرين الأول، بما يعكس، حسب قوله، استمرار الاهتمام بالمعارض السورية كمنصة للتعرف إلى الأسواق وبناء العلاقات.
تحديات النقل قابلة للمعالجة
وعن الصعوبات التي تواجه قطاع الشحن والتخليص الجمركي، أوضح أبو الحسن أن طبيعة التحديات تختلف وفق الدول التي تمر عبرها البضائع، ولاسيما في النقل البري، مشيراً إلى وجود تحديات إقليمية قد تنعكس على التكلفة، إلا أنه أكد إمكانية إيجاد حلول لها واستمرار حركة الشحن.
ويرى أن نمو التجارة يحتاج إلى خدمات لوجستية قادرة على مواكبة حركة البضائع، بحيث لا تبقى العلاقات التجارية التي تنشأ في المعارض ضمن إطار اللقاءات، بل تنتقل إلى شحن فعلي وتبادل مستمر بين الأسواق.
أكرم فتوت: نريد أن نفتح أسواقاً جديدة أمام المنتج السوري

ومن الجانب الصناعي السوري، تحدث لـ« العالم الاقتصادي» أكرم فتوت، صناعي من دمشق وعضو في قطاع رجال صناعة الألبسة والنسيج، عن أهمية الدورة الأولى للمعرض باعتبارها خطوة باتجاه تقديم المنتج السوري للأسواق الخارجية.
وبيّن فتوت أن المعرض، في دورته الأولى لموسم الخريف والشتاء، يركز بصورة أساسية على عرض المنتج السوري من الألبسة، مشيراً إلى أن الصناعة السورية تحظى، حسب خبرته، بحضور معروف في دول الجوار، ولا سيما من حيث الموضة والتصميم وجودة التصنيع ومواكبة الاتجاهات العالمية.
ولفت إلى أن صناعة الأقمشة السورية تمتلك تاريخاً عريقاً، معتبراً أن السمعة التي اكتسبتها عبر سنوات طويلة تشكل رصيداً يمكن البناء عليه في المرحلة الحالية، خصوصاً مع توجه الصناعيين نحو استعادة الأسواق الخارجية وتوسيع قاعدة التصدير.
وكشف فتوت أن الجهات المنظمة عملت على استقدام نحو 80 إلى 100 رجل أعمال من الضفة الغربية، حيث استقبلتهم غرفتا صناعة دمشق وحلب، وشاركوا في فعاليات المعرض، معرباً عن أمله في أن تتحول هذه المشاركة إلى بداية لعلاقات تجارية مستمرة ومشاركات لاحقة في المعارض السورية.
وأشار إلى أن التواصل مع التجار الفلسطينيين لم يتوقف عند عرض المنتجات، بل شمل بحث تسهيل عمليات الشحن وترتيب الإجراءات، بما يساعد في إعادة استيراد المنتجات السورية إلى السوق الفلسطينية، معتبراً أن فتح سوق الضفة الغربية يمثل خطوة مهمة باتجاه التوسع نحو أسواق أخرى.
من السوق التقليدية إلى أسواق جديدة
ويؤكد فتوت أن المرحلة المقبلة تتطلب، من وجهة نظره، الانتقال من الاعتماد على الأسواق التقليدية في دول الجوار إلى البحث عن أسواق جديدة للمنتج السوري، بهدف: زيادة الصادرات، وتعزيز مساهمة الصناعة في الاقتصاد.
ويقول: إن الصناعي السوري يحتاج إلى العمل بعقلية تصديرية جديدة، تقوم على البحث المستمر عن الأسواق والمنتجات القادرة على المنافسة، معتبراً أن رفع قيمة الصادرات يمثل هدفاً مشتركاً للصناعيين والاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار، يرى أن المعارض تلعب دوراً محورياً في إظهار قدرة الصناعة السورية على الإنتاج، مشيراً إلى أن الضيوف الذين حضروا من الدول المجاورة كانوا يطرحون قبل زيارتهم أسئلة عن استمرار الصناعة والإنتاج في سوريا، قبل أن يكتشفوا داخل المعرض حجم النشاط الصناعي وتنوع المنتجات.
وأوضح أن المعرض يضم شركات في قطاعات متعددة من الألبسة، تشمل ألبسة الأطفال والألبسة الرجالية والنسائية واللانجري والقطنيات، لافتاً إلى أن اللقاء المباشر مع المنتجين يمنح المستورد صورة أوضح عن القدرات الصناعية السورية.
دعم الطاقة.. مفتاح القدرة التنافسية
وفي حديثه عن دور الدولة في دعم الصناعة، ركز فتوت على مسألة تكاليف الطاقة باعتبارها من أبرز العوامل المؤثرة في القدرة التنافسية للمنتج السوري، موضحاً أن الصناعيين يحتاجون إلى تخفيض تكاليف الإنتاج حتى يتمكن المنتج من المنافسة في الأسواق المجاورة وزيادة الصادرات.
وقال: إن المطلوب، من وجهة نظره، هو دعم قطاع الطاقة بصورة أساسية، معتبراً أن خفض هذه التكاليف سينعكس على سعر المنتج وقدرته على دخول الأسواق الخارجية.
وأشار إلى أن الدولة تعمل، حسب وصفه، على معالجة مشكلات الصناعيين تدريجياً، بينما يبقى الهدف بالنسبة للمنتجين هو: زيادة التصدير، ورفع قيمة المنتجات السورية المبيعة في الأسواق الخارجية.
الغرف.. من استقبال التاجر إلى معالجة تفاصيل التجارة
ولا يقتصر دور غرف الصناعة والتجارة، وفق فتوت، على تنظيم المعرض، بل يمتد إلى تأمين البيئة المناسبة لاستقبال رجال الأعمال وتحويل زيارتهم إلى فرصة تجارية متكاملة.
وأوضح أن الغرف عملت على تنظيم استقبال الضيوف القادمين من الخارج، وتأمين إقامتهم ونقلهم بين الفنادق وأرض المعارض، إلى جانب متابعة أي مشكلات قد تواجههم أثناء دخولهم إلى سوريا أو خلال مشاركتهم في الفعاليات.
وأشار إلى وجود تنسيق مع الجهات الحكومية لتسهيل دخول الوفود التجارية، بعد تقديم أسماء الزوار والحصول على الموافقات اللازمة، بما ساهم، حسب قوله ، في تسهيل وصول الضيوف العرب إلى سوريا ومشاركتهم في المعرض.
ويرى فتوت أن هذه الإجراءات تمنح المعارض السورية زخماً إضافياً، لأنها تحول المعرض إلى مساحة مفتوحة أمام التجار والمستوردين للتعرف إلى الصناعة السورية والتواصل المباشر مع المنتجين.
من الألبسة إلى الغذاء والهندسة والكيمياء
ويضع فتوت تجربة المعرض ضمن مسار أوسع؛ يتجاوز قطاع الألبسة والنسيج إلى بقية القطاعات الإنتاجية السورية، معتبراً أن تنشيط المعارض يمكن أن يشكل مدخلاً لرفع الصادرات في القطاع الغذائي والهندسي والكيميائي وغيرها من القطاعات.
وبينما شكل الحضور الفلسطيني في هذه الدورة محطةً مهمةً لفتح قناة مباشرة مع سوق الضفة الغربية، فإن الرهان الصناعي، كما يصفه فتوت، يتجه نحو تكرار التجربة مع أسواق أخرى، وتحويل المعارض إلى أدوات عملية لاكتشاف المشترين وبناء العلاقات التجارية.
أما بالنسبة إلى أبو الحسن، فإن اكتمال هذه الحلقة يتطلب استمرار حركة الشحن والتخليص والتوزيع، حتى تتحول الاتفاقات والعلاقات التي تبدأ في المعارض إلى شحنات تصل فعلياً إلى الأسواق.
وهنا تلتقي الرؤية الفلسطينية بالسورية عند نقطة واحدة: المعرض ليس نهاية العلاقة التجارية، بل بدايتها؛ فمن لقاء المصنع بالمستورد، إلى تأمين الشحن والتخليص، ثم وصول المنتج إلى الأسواق، تتشكل سلسلة اقتصادية متكاملة يمكن أن تمنح الصناعة السورية مساحة أوسع في الأسواق الفلسطينية والعربية، وتفتح في الوقت نفسه المجال أمام حركة متبادلة للسلع والاستثمارات والخدمات.
ومع تكريم الوفد الفلسطيني وتبادل دروع التقدير بين الغرف الصناعية، بدا المشهد في دمشق أبعد من بروتوكول احتفالي؛ فهو يجسد، على المستوى الاقتصادي، انتقال العلاقات من التعارف إلى البحث عن فرص عملية، ومن حضور التجار في المعرض إلى محاولة بناء مسارات تجارية يمكن أن تستمر بعد إغلاق أبوابه.
