قد يبدو التفوق المهني جواز مرور طبيعياً إلى المناصب القيادية، لكن الصعود في السلم الوظيفي يكشف في كثير من الأحيان عن معادلة مختلفة. فالمهارات الفنية، والخبرة المتراكمة، والقدرة على إنجاز المهام بأعلى مستوى، قد تكون كافية لبناء مسيرة مهنية ناجحة، لكنها لا تضمن بالضرورة الانتقال إلى موقع التأثير وصنع القرار.
وتواجه كثير من النساء صاحبات المسيرات المهنية المتميزة هذه المفارقة عند الوصول إلى المستويات الإدارية العليا: فالعمل قوي، والكفاءة واضحة، والاحترام المهني حاضر، لكن ذلك لا يترجم دائماً إلى حضور قيادي مؤثر.

قد تكون المرأة موجودة في الاجتماعات والدوائر التي تُتخذ فيها القرارات، من دون أن تكون بالضرورة صاحبة تأثير في اتجاه النقاش. وقد تحظى بالتقدير من زملائها، لكنها لا تمتلك النفوذ الذي تحتاج إليه لدفع أفكارها أو أعمال فريقها أو مسيرتها المهنية إلى الأمام.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: ما أوصل إلى النجاح المهني ليس بالضرورة ما يقود إلى النجاح القيادي.
التحول من الخبيرة إلى القائدة
في المستويات المهنية العليا، يصبح التأثير أقل ارتباطاً بما ينجزه الفرد بنفسه، وأكثر ارتباطاً بطريقة حضوره، والعلاقات التي يبنيها، وقدرته على التأثير في الآخرين.
وهذا هو التحول من دور الخبيرة إلى القائدة، وهو انتقال يتطلب تغييراً داخلياً ومجموعة من المهارات والسلوكيات الخارجية.
ويتمثل الجانب الداخلي في إعادة النظر في العلاقة مع الثقة بالنفس، ونقاط القوة، والقيم، والمكانة، والقوة الشخصية. ويؤثر ذلك في الطريقة التي تظهر بها المرأة في موقع القيادة وفي نظرتها إلى نفسها كقائدة، كما يهيئ الأساس للعمل الخارجي.
أما الجانب الخارجي، فيتعلق بالمهارات اللازمة للقيادة، مثل إيصال قيمة العمل، وبناء العلاقات، وتعزيز الحضور، وفهم آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات.
ومن دون معالجة الجانب الداخلي، قد لا تجد هذه المهارات طريقها إلى التطبيق الفعلي. فإبراز قيمة العمل الفردي وعمل الفريق، وبناء العلاقات التي تفتح المجال أمام المعرفة ووجهات النظر والفرص، وجمع المعلومات لفهم كيفية اتخاذ القرارات، كلها عناصر أساسية للقيادة، لكنها قد تكون في الوقت نفسه من أكثر الممارسات التي تشعر بعض النساء بعدم الارتياح تجاهها.
لماذا قد تفشل النصائح التقليدية؟
غالباً ما تأتي النصائح المتعلقة بالتقدم القيادي في صورة تكتيكات مباشرة: تحدثي أكثر، وسّعي شبكة علاقاتك، وتحدثي عن إنجازاتك.
ورغم أن هذه النصائح صحيحة من حيث المبدأ، فإنها لا تحقق دائماً الأثر المطلوب.
فعندما يُنظر إلى الظهور المهني باعتباره نوعاً من الترويج للذات، يصبح تجنبه أمراً سهلاً. وإذا بدا بناء العلاقات غير أصيل أو مصطنعاً، فقد يتم تجاهل الدعوات والفرص. وإذا ارتبط الحديث عن الإنجازات بالتفاخر، فقد يجري التقليل من قيمة الإنجازات أو تحويل الفضل فيها إلى الآخرين.
وبذلك، لا تكمن المشكلة دائماً في غياب الاستراتيجية، وإنما في وجود قناعات داخلية تتعارض معها.
فلا يمكن لاستراتيجية مثل «زيادة الظهور» أن تحقق نتائج مستدامة إذا كانت هناك قناعة داخلية بأن الظهور يتناقض مع طبيعة الشخص، كما يصعب أن يصبح بناء العلاقات سلوكاً ثابتاً إذا كان يُنظر إليه باعتباره مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب مهنية.
وهذا أحد أسباب تعثر كثير من برامج تطوير القيادات النسائية؛ إذ تقدم أدوات وتكتيكات جديدة من دون العمل أولاً على تهيئة البيئة النفسية والفكرية التي تسمح لهذه الأدوات بالنمو والتحول إلى ممارسات طبيعية.
لماذا يبدو الأمر أكثر صعوبة بالنسبة إلى النساء؟
لا تنطبق هذه التجربة على جميع النساء، فكثير منهن لا يواجهن هذا النوع من العوائق. لكن بالنسبة إلى من يصطدمن بهذا الحاجز، فإن المشكلة لها جذور واضحة.
وتشير الأبحاث إلى أن الصورة الذهنية السائدة عن «القائد» لا تزال تميل إلى النموذج الذكوري. وعندما لا يتطابق النموذج القيادي السائد مع صورة الشخص أو هويته، يصبح من الأصعب عليه أن يرى نفسه في هذا الدور، كما يصبح من الأصعب على الآخرين رؤيته فيه.
ولا تتشكل الهوية القيادية بمجرد اتخاذ قرار شخصي بتبنيها، وإنما تنشأ من خلال عملية اجتماعية تقوم على إثبات القيادة ومنح الاعتراف بها.
فمن جهة، تتشكل الهوية القيادية من خلال الأفعال التي يظهر بها الشخص قدرته على القيادة. ومن جهة أخرى، يمنح الآخرون هذه الأفعال الاعتراف أو لا يمنحونه، من خلال ردود أفعالهم وتقييماتهم.
وبالنسبة إلى النساء، قد تكون هذه الحلقة أكثر هشاشة؛ إذ قد لا تحظى محاولات إثبات القيادة بالاعتراف بالسرعة نفسها، كما قد تكون ردود الفعل أكثر غموضاً. وكل محاولة لا تحظى بالاعتراف يمكن أن تجعل المحاولة التالية أكثر مخاطرة.
ويضاف إلى ذلك ما يعرف بـأثر رد الفعل العكسي، حيث قد يُنظر إلى المرأة التي تروّج لإنجازاتها باعتبارها أكثر كفاءة، لكنها قد تُقيّم في الوقت نفسه على أنها أقل قبولاً، وقد تواجه تبعات سلبية بسبب ذلك.
ومن ثم، فإن التردد في الظهور أو الترويج للإنجازات لا يمكن اختزاله دائماً في ضعف الثقة بالنفس؛ فقد يكون استجابة لمأزق حقيقي. لكن ترك هذا التردد من دون فحص يمكن أن يتحول تدريجياً إلى سقف يحد من التقدم المهني.

ماذا يعني العمل الداخلي فعلياً؟
لا يتعلق العمل الداخلي بالعلاج النفسي أو ترديد العبارات التحفيزية، وإنما بالممارسة الواعية لبناء هوية قيادية متماسكة، تسمح برؤية الذات في موقع القيادة وتهيئ المجال لاكتساب المهارات الخارجية وممارستها.
ويتضمن ذلك خمس ممارسات:
1- إدارة الشك في الذات:
لا يعني ذلك القضاء على الشك تماماً، وإنما تطوير القدرة على التعامل مع الأفكار التي تطرح تساؤلات مثل: «من يعتقد أنه قادر على قيادة هذا المشروع؟» أو «ما الذي يجعله مستعداً لتولي دور أكبر؟». ويصبح الهدف هو التعامل مع هذه التساؤلات باعتبارها جزءاً من عملية اتخاذ الخطوة، واكتساب الخبرة القيادية، وبناء الثقة من خلال الممارسة.
2- امتلاك الإنجازات:
قد يجد كثير من النساء صعوبة في التعبير بوضوح عن إنجازاتهن، ويزداد هذا الشعور بعدم الارتياح عندما يتطلب الأمر الحديث عنها أمام الآخرين. ويتمثل الحل في تكوين صورة دقيقة عن حجم الإسهام والإنجاز، والعثور على لغة واضحة للتعبير عنه، والتعامل مع الشعور المصاحب للحديث عن النجاح من دون التقليل منه.
3- اتخاذ خطوات تستند إلى القيم:
قد تبدو بعض المهارات والسلوكيات القيادية الضرورية غير مريحة أو غير منسجمة مع القناعات الشخصية. لكن ربط هذه السلوكيات بالقيم يجعل ممارستها أكثر طبيعية. فدفع الأفكار والعمل والفريق إلى الأمام، أو الاستفادة من العلاقات لدعم مشروع أو برنامج عمل، يمكن أن يُنظر إليه باعتباره امتداداً للقيم المهنية، وليس مجرد أسلوب للترويج للذات.
4- ممارسة المكانة والقوة الشخصية:
تعكس المكانة مدى تقدير الشخص وإعجاب الآخرين به واحترامهم له. ويمكن أن يسهم التعامل الواعي مع كيفية إظهار الود والكفاءة في بناء هذه المكانة.
وبالمثل، فإن إظهار القدرة على اتخاذ القرار، والتصرف بقدر من الاستقلالية، ووضع حدود واضحة، كلها ممارسات يمكن أن تعكس القوة الشخصية وتعزز الحضور القيادي.
5- تبني الهوية القيادية:
يكمن التحول الأساسي في الانتقال من فكرة «خبيرة فنية تقود أحياناً» إلى «قائدة تمتلك خبرة عميقة». فالخبرة لا تفقد قيمتها، لكنها تتغير من كونها الهوية الأساسية إلى منصة تستند إليها الهوية القيادية.
وهذا التحول يتيح بناء هوية قيادية أكثر وضوحاً، وترسيخها داخلياً، ثم التعبير عنها بصورة طبيعية أمام الآخرين.

البيئة تصنع الفارق
عندما يبدأ التطوير من الداخل، يتغير معنى كثير من السلوكيات القيادية الخارجية. فبناء شبكة العلاقات لم يعد مجرد وسيلة لتوسيع دائرة المعارف، بل يمكن أن يصبح وسيلة لاكتساب وجهات نظر جديدة وبناء علاقات مهنية حقيقية.
كما يمكن أن يتحول الظهور المهني من الترويج للذات إلى وسيلة لضمان وصول إنجازات الفريق إلى الجهات والأشخاص القادرين على التأثير فيها.
حتى التعامل مع الديناميكيات الداخلية للمؤسسة يمكن إعادة صياغته باعتباره نوعاً من المسؤولية المهنية، هدفه ضمان وصول الأعمال الجيدة والأشخاص الأكفاء إلى المكان الذي يستحقونه.
ولا تقتصر آثار هذا التحول على الفرد؛ إذ يستفيد الفريق من قائد يدافع عن مصالحه ويبرز إنجازاته، كما تستفيد المؤسسة من قيادة قادرة على تحريك الأفكار ودفعها إلى الأمام، وليس مجرد تنفيذها.
وفي النهاية، يبرز سؤال جوهري: إذا لم يعد التفوق في العمل كافياً، فما الذي يجب أن يتغير في طريقة النظر إلى الذات حتى يبدأ الانتقال الحقيقي إلى القيادة؟
يمكن تعلم التكتيكات في ورشة عمل، لكن الهوية القيادية تُبنى بصورة واعية وعلى مدى طويل.
فالتفوق في العمل قد يكون هو ما أوصل إلى هذه المرحلة، لكن القيادة لما هو أبعد منها تبدأ عندما تصبح الهوية القيادية جزءاً أصيلاً من الحضور المهني.
المصدر: أرقام- سيكولوجي توداي
