أشعل رهان ضخم نفذه رجل أعمال كوري جنوبي على سوق ناقلات النفط العملاقة اضطرابات واسعة في تجارة الخام العالمية، بعدما نجحت مجموعة “سينوكور” (Sinokor) في السيطرة على حصة كبيرة من السفن المتاحة عالمياً، بدعم من أحد أبرز الأسماء في صناعة الشحن البحري.
ووسعت المجموعة الكورية، التي يشرف عليها مالك السفن غا هيون تشونغ، نفوذها خلال الشهرين الماضيين عبر شراء و استئجار عدد كبير من الناقلات العملاقة، لترفع عدد السفن الخاضعة لسيطرتها إلى نحو 120 ناقلة من فئة VLCC، وفق ما نقلته “بلومبرغ” عن تقديرات مسؤولين كبار في القطاع، ووصف بعض المخضرمين في السوق هذا التمركز بأنه غير مسبوق في تاريخ تجارة الناقلات.
وكشفت مصادر في القطاع أن بعض صفقات بيع السفن التي أبرمتها “سينوكور” انتهى بها المطاف إلى جهات مرتبطة بالملياردير الإيطالي جيانلويجي أبونتي، مؤسس مجموعة Mediterranean Shipping Co (MSC)، إحدى أكبر إمبراطوريات الشحن في العالم. ومع ذلك، لا تزال طبيعة العلاقة بين الجانبين أو حجم مشاركة MSC في الصفقات غير واضحة.
وأثارت الحملة الشرائية الضخمة اهتماماً واسعاً داخل سوق الشحن، خصوصاً أن عدداً متزايداً من الناقلات العملاقة بات خارج السوق الفعلية بسبب العقوبات المفروضة على تجارة النفط الروسي والإيراني، بينما ترتبط سفن أخرى بعقود تأجير طويلة الأجل، ما قلص المعروض المتاح للتأجير في وقت تتزايد فيه حركة تجارة النفط العالمية.
ودفعت عمليات الشراء المكثفة التي نفذتها “سينوكور” أسعار الشحن البحري إلى الارتفاع الحاد، بعدما سارع المستأجرون إلى حجز السفن المتاحة خشية ارتفاع الأسعار بشكل أكبر مستقبلاً نتيجة تركز الملكية. وبحسب بيانات شركة “كلاركسون”، سجلت أرباح ناقلات النفط أفضل بداية سنوية لها منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وقال أولي هييرتاكر، الرئيس التنفيذي لشركة SFL Corp: إن جهة واحدة أو مجموعة متعاونة أصبحت تسيطر فعلياً على نحو ثلث أسطول الناقلات العملاقة المتاح للتداول أو التأجير عالمياً، في إشارة إلى تنامي مخاوف السوق من تأثير هذا التركز على آليات التسعير.
ويشكل سوق الناقلات العملاقة حلقة صغيرة نسبياً لكنها حيوية في تجارة النفط العالمية. وقد هيمنت عليه تاريخياً شركات من دول تمتلك إرثاً بحرياً طويلاً مثل اليونان والنرويج، إلى جانب دول ذات مصالح نفطية كبيرة كالسعودية والصين.
ورغم أن “سينوكور” اشتهرت تاريخياً بنشاطها في شحن الحاويات، فإنها نفذت سابقاً حملات استئجار واسعة أثرت في توازن السوق. إلا أن متعاملين أكدوا أن التحركات الحالية تتجاوز بكثير أي نشاط سابق للمجموعة.
ومثلت هذه الصفقات امتداداً لنفوذ أبونتي المتزايد في قطاع النقل البحري العالمي. فبعد أن تجاوزت شركته MSC منافستها الدنماركية “ميرسك” عام 2022 لتصبح أكبر شركة شحن حاويات في العالم، برز الملياردير الإيطالي العام الماضي مستثمراً رئيسياً في تحالف سعى للاستحواذ على حصص مهمة في موانئ مرتبطة بقناة بنما.
ومنحت السيطرة على نحو 15% من أسطول الناقلات غير الخاضعة للعقوبات عالمياً، وما بين ربع وثلث الناقلات العملاقة المتاحة فعلياً، المجموعة قدرة أكبر على التأثير في الأسعار إذا لم تُطرح هذه السفن سريعاً للتأجير في السوق.
تحول هيكلي في السوق
وجاءت هذه التحركات في وقت ارتفع فيه الطلب على الناقلات غير الخاضعة للعقوبات مع تدفق كميات إضافية من النفط إلى الأسواق العالمية، بالتزامن مع استبعاد جزء من الأسطول العالمي بسبب العقوبات الغربية، ما أدى إلى زيادة استخدام السفن المتاحة ورفع معدلات الأرباح.
ووصف الرئيس التنفيذي لشركة DHT Holdings، سفين موكسنس هارفيلد، ما يحدث بأنه “تحول جذري” في هيكل ملكية الأسطول العالمي، مشيراً إلى أن موجة التركز الحالية بدأت تؤثر فعلياً في أسعار الشحن الفورية وأسعار التأجير وقيم السفن المستعملة.
وأضاف أن عملية الدمج والاستحواذ الجارية غيّرت ديناميكيات التسعير في السوق، وأحدثت ضغوطاً متزايدة على توافر السفن في الأوقات المطلوبة.
وارتفعت أرباح الناقلات العملاقة القادرة على نقل مليوني برميل من النفط إلى أكثر من 120 ألف دولار يومياً، بزيادة تتجاوز أربعة أضعاف خلال شهر واحد فقط، بحسب متعاملين في القطاع. كما تجاوزت تكلفة استئجار الناقلة لمدة ثلاث سنوات مستوى 50 ألف دولار يومياً، وهو الأعلى منذ عام 2008.
وركزت “سينوكور” جزءاً كبيراً من مشترياتها على السفن التي يزيد عمرها على عشر سنوات، ما ساهم في رفع أسعار إعادة بيع الناقلات القديمة خلال الأسابيع الأخيرة.
وعزز الارتفاع في قيم الأصول البحرية من قدرة ملاك السفن على رفع أسعار التأجير، إذ تتيح القيم السوقية الأعلى تحقيق مكاسب رأسمالية غير محققة، بينما يسعى المالكون إلى تحويل جزء من هذه المكاسب إلى إيرادات مباشرة عبر العقود طويلة الأجل.
فرصة ذهبية أم فقاعة جديدة؟
لكن قطاع الشحن البحري اشتهر تاريخياً بدوراته الحادة بين الازدهار والانكماش، إذ تدفع الأرباح القياسية عادة الشركات إلى طلب بناء سفن جديدة بأعداد كبيرة، وهو ما يؤدي لاحقاً إلى تخمة في المعروض وتراجع الأسعار.
وأظهرت بيانات “كلاركسون” أن الارتفاع القوي في أسعار الشحن بدأ بالفعل يشجع على زيادة طلبات بناء ناقلات جديدة، لترتفع نسبة الطلبيات إلى أعلى مستوى لها خلال عقد كامل مقارنة بحجم الأسطول الحالي.
وكشفت البيانات أيضاً عن وجود علاقة تجارية سابقة بين “سينوكور” وأبونتي، بعدما باعت المجموعة الكورية عدداً من سفن الحاويات إلى شركة MSC في أواخر العام الماضي.
وقدرت مصادر في السوق تكلفة حملة الشراء الأخيرة بما لا يقل عن 1.5 مليار دولار، بينما رجح آخرون أن تقترب القيمة الإجمالية من 3 مليارات دولار.
وقال أريستيديس ألافوزوس، الرئيس التنفيذي لشركة Okeanis Eco Tankers، إن السوق تشهد مستوى غير مسبوق من التركز في الملكية بقيادة مشترٍ يتمتع بقوة مالية ضخمة، وذلك في وقت تزداد فيه أساسيات السوق تشدداً. وأضاف أن هذه الظروف توفر فرصة استثنائية للشركات المالكة للناقلات القادرة على الاستفادة من موجة الصعود الحالية بأقصى قدر ممكن.
