العالم الاقتصادي- روعة غنم:
لم تعد كفاءة المؤسسات في الاقتصاد الحديث تقاس بحجم مواردها فقط، بل بقدرتها على الاستثمار في الإنسان، تطوير مهارات كوادرها، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحسين الأداء وصنع القرار، ومع اتساع انفتاح سوريا على العالم، تبرز الحاجة إلى بناء مؤسسات أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية المتسارعة.
وفي هذا السياق، ناقشت ورشة متخصصة بشأن «قيادة الموارد البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي»؛ نظّمتها شركة «ارتقاء السواعد للاستشارات والتدريب» في دمشق، أهمية تطوير الموارد البشرية وربطها بالتحول الرقمي، إلى جانب الاستفادة من التجارب والخبرات الإقليمية والدولية وتكييفها بما يتناسب مع احتياجات المؤسسات السورية.
وتناولت الورشة الذكاء الاصطناعي ليس بوصفه تقنية منفصلة، وإنما كأداة يمكن أن تسهم في رفع الإنتاجية، تحسين الخدمات، وتوفير الوقت والجهد، بالتوازي مع تطوير الإنسان باعتباره العنصر الأساسي في عملية التحول المؤسسي.
الإنسان.. أهم أصول الدولة

وفي تصريح لمجلة العالم الاقتصادي أكد الشريك المؤسس في شركة «ارتقاء السواعد» نذير الحلبي أن الشركة بدأت عملها في سوريا بعد التحرير بهدف نقل الخبرات المتراكمة خارج البلاد والاستفادة منها في تطوير الكوادر والموارد البشرية، انطلاقاً من قناعة بأن «الإنسان هو أهم أصل من أصول الدولة» وأساس بناء المجتمع.
وأوضح أن الشركة عملت على عقد شراكات استراتيجية مع مؤسسات وجهات إقليمية ودولية معتمدة، ولا سيما في السعودية والأردن، بهدف الاستفادة من الخبرات والتجارب المتراكمة وعدم البدء من الصفر، مع العمل على نقل هذه المعرفة إلى البيئة السورية.
وأشار الحلبي إلى أن الشركة واجهت، في بداية عملها، بعض التحديات المرتبطة بإجراءات الاعتماد والتواصل مع الجهات الحكومية لتنظيم الورشات والبرامج التدريبية، إلا أن التواصل المباشر والحضور على الأرض أسهما في تجاوز جزء كبير من هذه المعوقات.
وبيّن أن «ارتقاء السواعد» تمتلك مكتباً في دمشق ضمن غرفة تجارة دمشق، مع وجود خطط مستقبلية للتوسع وافتتاح فروع في محافظات أخرى، بما يعزز قدرتها على الوصول إلى الكفاءات والمؤسسات في مختلف المناطق.
ووجه الحلبي رسالة إلى السوريين، مفادها أن كل شخص قادر على أداء دور في بناء البلد، مهما بدا هذا الدور صغيراً، معتبراً أن تراكم الأدوار والخبرات الفردية يشكل في النهاية قوة أساسية في عملية البناء والتنمية.
توطين الخبرات العالمية في البيئة السورية
وفي تصريح لـ” العالم الاقتصادي” أكد مدير شركة «ارتقاء السواعد للاستشارات والتدريب» الدكتور حمدي أبو الشامات أن الورشة تهدف إلى نقل التجارب الناجحة عالمياً في مجال الموارد البشرية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى الواقع السوري، بما يتوافق مع خصوصية التجربة السورية واحتياجات المؤسسات المحلية.
وأوضح أن الهدف لا يتمثل في استنساخ التجارب الخارجية، وإنما الاستفادة منها وتكييفها، لافتاً إلى أن خصوصية التجربة السورية تتطلب بناء نموذج يستفيد من الخبرات الدولية مع مراعاة احتياجات المؤسسات المحلية.
وبيّن أن الورشة جمعت بين خبرات دولية قدمها أكاديميون وخبراء من الخارج، وبين كوادر وخبرات سورية على اطلاع مباشر بواقع المؤسسات المحلية، معتبراً أن هذا الدمج يمكن أن يسهم في إنتاج معرفة قابلة للتطبيق.
ولفت إلى أن مشاركة ممثلين عن عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية تعكس أهمية تطوير الموارد البشرية في القطاع العام، وتتيح الاستفادة من الخبرات المطروحة في مجالات التطوير المؤسسي والتحول الرقمي وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي لرفع الكفاءة.. لا لإلغاء الإنسان

من جهته أوضح مستشار الاستراتيجية والتحول المؤسسي من المملكة الأردنية الهاشمية- الدكتور مأمون سمور، لـ” العالم الاقتصادي” أن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لم يعودا مجرد توجهات مستقبلية، وإنما أصبحا جزءاً أساسياً من التحولات التي يشهدها الاقتصاد والعمل المؤسسي عالمياً.
وأكد أهمية تسريع التحول الرقمي في المؤسسات السورية، بحيث تتواكب سرعة التغيير الداخلي مع التطورات المتلاحقة في البيئة الخارجية، مشدداً على ضرورة تعزيز التعاون بين المؤسسات الحكومية والخاصة لتطوير إدارة الموارد البشرية والاستفادة من التطبيقات الحديثة.
وعن مستقبل الوظائف، بيّن سمور أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون أداة لدعم الإنسان وليس بديلاً عنه، موضحاً أن دوره يمكن أن يتركز في تحليل البيانات، وإعداد التوصيات، ودعم عملية صنع القرار، بينما يبقى القرار النهائي بيد الإنسان.
ومن شأن هذا الاستخدام أن يمنح المؤسسات أدوات إضافية لرفع الكفاءة، وتحسين إدارة الموارد، واتخاذ قرارات أكثر استناداً إلى البيانات، بما ينعكس على مستوى الأداء والخدمات.
تحديث إدارة الموارد البشرية يواكب الانفتاح الاقتصادي

وفي تصريح لـ” العالم الاقتصادي” أكدت مسؤولة العلاقات العامة في شركة «ارتقاء السواعد» ردينة جحى أن الشركة تعمل على نقل الخبرات السورية والعربية من الخارج إلى سوريا عبر برامج التدريب والاستشارات، بهدف دعم المؤسسات، ومواكبة التطورات العالمية.
وأوضحت أن برامج الشركة تستهدف القطاع الحكومي والشركات الخاصة وغرف التجارة وسيدات الأعمال، مع التركيز على تطوير أداء المؤسسات والموارد البشرية.
وأشارت إلى أن انفتاح سوريا على العالم يتطلب أن يواكب هذا الانفتاح تطوير قدرات الموظفين، والانتقال من النمط التقليدي في إدارة الموارد البشرية إلى نموذج حديث يقوم على تفعيل الموارد البشرية، تطوير نظم المكافآت، ورفع كفاءة الأداء.
وأضافت أن تطبيق مفاهيم إدارة الموارد البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطن، توفير الوقت والجهد، ورفع كفاءة المؤسسات.
البنية التقنية.. تحدٍّ أمام التحول وفرصة للتطوير
ولفتت جحى في تصريحها لـ” العالم الاقتصادي” إلى أن نقص التجهيزات والبنية التقنية داخل بعض المؤسسات يمثل أحد أبرز التحديات أمام تسريع التحول الرقمي، على الرغم من وجود كوادر سورية قادرة وفاعلة في المجال التقني.
وتبرز هذه الفجوة كإحدى المساحات التي تحتاج إلى مزيد من الاستثمار في البنية الرقمية والتدريب والحلول التقنية، بحيث تتكامل البنية التحتية مع الكفاءات البشرية القادرة على تشغيلها وتطويرها.
وأكدت أن سوريا قادرة على اللحاق بالتطور الإقليمي والعالمي خلال السنوات المقبلة، معتبرة أن تكاتف الكفاءات السورية في الداخل والخارج يمكن أن يسرّع عملية التحول، ويفتح المجال أمام بناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على مواكبة المتغيرات.
من الاستثمار في الإنسان إلى اقتصاد أكثر كفاءة
وتكشف مضامين الورشة أن التحول الرقمي لا يمكن فصله عن الاستثمار في الموارد البشرية، وأن نجاح المؤسسات السورية في مواكبة المرحلة المقبلة يتطلب الجمع بين الخبرة المحلية والتجارب الدولية، وبين تأهيل الإنسان وتطوير البنية التقنية.
كما أن توظيف الذكاء الاصطناعي في المؤسسات يمكن أن يتحول من مجرد مواكبة تقنية إلى أداة اقتصادية لتحسين الإنتاجية، وترشيد الوقت والموارد، ورفع جودة الخدمات، بشرط أن يبقى ضمن منظومة إدارية يقودها الإنسان ويستخدم التكنولوجيا لتعزيز قدراته.
وبذلك، يصبح تطوير الموارد البشرية والتحول الرقمي جزءاً من عملية بناء مؤسسات سورية أكثر كفاءة ومرونة، وقادرة على الاستفادة من الانفتاح الاقتصادي وتحويل الكفاءات والخبرات والتكنولوجيا إلى قيمة مضافة تدعم مسار التنمية في المرحلة المقبلة.
