نحو الانخراط الاقتصادي المباشر.. دمشق تستقبل أكبر وفد تجاري أميركي

زمن القراءة: 14 دقائق

وصل إلى سوريا أكبر وفد تجاري أميركي منذ عقود، إذ أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين عن تنظيم لقاءات أعمال (B2B)، الثلاثاء، لممثلي قطاع الأعمال السوري مع الوفد التجاري الأميركي بمشاركة أكثر من 50 شركة أميركية في مختلف القطاعات، بمشاركة عدد من المسؤولين والشخصيات الاقتصادية، أبرزهم السيد جيكوب ماكي نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي، ورواد رمضان رئيس هيئة الاستثمار السورية، وستيف لويس ممثل غرفة التجارة الأميركية. الأمر الذي يمثل مساراً أوسع لإعادة فتح قنوات الاستثمار والتعاون الاقتصادي بين دمشق وواشنطن، ما ينقل العلاقات السورية-الأميركية من مرحلة الانفتاح السياسي إلى المصالح الاقتصادية المباشرة.

وتكتسب الزيارة المرتقبة لوفد تجاري أميركي إلى دمشق أهمية خاصة، نظراً إلى اتساع قاعدة المشاركة وتوزع الشركات على 11 قطاعاً، من بينها الطاقة والنفط والغاز والإنشاءات والتمويل والاتصالات والنقل والصحة والزراعة والإنشاءات والخدمات اللوجستية، الأمر الذي يعطي الزيارة بعداً عملياً يتجاوز اللقاءات العامة إلى بحث فرص ومشروعات محددة، بحسب الباحث الأكاديمي الدكتور محمد تيسير الفقيه.

ويضيف في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن الزيارة لا تأتي في إطار بروتوكولي فقط، بل تعكس اهتماماً متزايداً باختبار السوق السورية واحتياجاتها الاستثمارية في مرحلة إعادة البناء والانفتاح الاقتصادي.

وتحمل الزيارة أبعاداً سياسية إلى جانب البعد الاقتصادي، إذ تأتي بعد إزالة واحد من أبرز العوائق السياسية أمام الاستثمار والتعاملات الاقتصادية مع سوريا، والمتمثل برفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب قبل أكثر من أسبوعين، ما يفتح الباب أمام توطيد العلاقات السورية-الأميركية من بوابة الاقتصاد والاستثمار.

وخلال الاجتماع الاقتصادي في دمشق، قال نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي جيكوب ماكجي: “نشجع رجال الأعمال الأميركيين على الاستثمار في السوق السورية لما توفره من فرص كبيرة في مختلف القطاعات، فاحتياجات سوريا كبيرة في جميع القطاعات، والحكومة السورية عدّلت القوانين وفتحت باب الاستثمار أمام الجميع كما بدأت بعض الشركات الأميركية خطواتها الأولى للدخول إلى السوق السورية ووقعت اتفاقيات مع شركات سورية، من بينها شيفرون وإتش كي إن وفيزا وماستر كارد، وهي خطوات مهمة بعد عقود من الانقطاع، والعلاقات التي تُبنى اليوم عبر الحوار بين المستثمرين الأميركيين والسوريين تمهد لتوقيع مذكرات تفاهم ستتحول مستقبلاً إلى شراكات دائمة”.

بدوره ذكر مدير هيئة الاستثمار السورية أحمد رواد رمضان، أن سوريا اليوم تدخل مرحلة اقتصادية جديدة برؤية واضحة وأكثر انفتاحاً واندماجاً مع المنظومة الاقتصادية الدولية ونتطلع إلى أن تكون الشركات الأميركية جزءاً فاعلاً من هذه الرؤية، كما تعمل هيئة الاستثمار على تطوير المنظومة الاستثمارية وأدواتها ونماذج الشراكة والحوافز ورفع كفاءة التعامل مع المستثمرين فسوريا اليوم ليست أرضاً للفرص فحسب بل مصنعاً لها مضيفاً أن “هذه الزيارة ليست فرصة للتعرف إلى سوريا فقط بل لاستكشاف سوق أصبح مهماً في استراتيجيات الشركات الكبرى حول العالم”.

وقال مدير إدارة الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية والمغتربين سعد بارود، إن العلاقات السورية الأميركية قطعت شوطاً طويلاً وفتحت أبواباً كانت مغلقة لسنوات، وتُوّج ذلك بإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما أوجد مساحة حقيقية للتعافي والاستثمار وبناء الشراكات. مضيفاً: “مهمتنا الآن ترجمة التطور السياسي إلى تطور اقتصادي والحوار إلى شراكات والفرص إلى مشروعات، احتياجات بلدنا كبيرة لكنه غني بالخبرات والمعارف والأهم بموقعه الجغرافي، وتعمل الحكومة السورية على تطوير القوانين وتبسيط الإجراءات لتوفير الدعم والتسهيلات للمستثمرين، كما نعمل مع أصدقائنا الأميركيين في وزارات الخارجية والخزانة والتجارة على تجاوز المعوقات والصعوبات التقنية والفنية”.

أهمية سياسية

على مدار عقود، كانت العلاقات السورية-الأميركية قائمة على الضغط وفرض العقوبات والعزلة، لكنها انتقلت إلى مرحلة جديدة مع الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، وبدأت من مرحلة الاختبار والانفتاح الحذر وصولاً إلى سياسية الانخراط مروراً بمرحلة بناء الثقة.

وترى الناشطة السياسية ميديا حمدوش، أن توقيت الزيارة مهم جداً، لأنها تأتي في مرحلة جديدة تشهد فيها العلاقات السورية-الأميركية انتقالاً تدريجياً من مرحلة القطيعة والعقوبات إلى مرحلة تقوم على التواصل والمصالح المشتركة، معتبرة أن وجود وفد يضم شركات أميركية في قطاعات متنوعة يؤكد أن الانفتاح لم يعد سياسياً فقط، وإنما بدأ يأخذ بعداً اقتصادياً وتنموياً واضحاً.

وتضيف حمدوش في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن “الرسالة الأهم، برأيي، هي أن سوريا لم يعد يُنظر إليها فقط من زاوية العقوبات والعزلة، وإنما أصبحت هناك رغبة بالتعامل معها كدولة وشريك اقتصادي يمكن بناء علاقات ومصالح مشتركة معه، إذ إن وصول وفد تجاري بهذا التنوع إلى دمشق يحمل رسالة بأن المرحلة المقبلة يمكن أن تكون قائمة على الحوار والانفتاح والتعاون، وأن الاقتصاد يمكن أن يشكل جسراً مهماً لتطوير العلاقات السياسية بين البلدين.

ولا تقتصر العلاقات الاقتصادية على الاستثمارات والأرباح، وإنما تخلق مصالح مشتركة وقنوات تواصل مستمرة بين المؤسسات والشركات في البلدين. وتوضح حمدوش أنه “كلما توسعت الشراكات الاقتصادية، أصبح لدى الطرفين مصلحة أكبر في الاستقرار والحفاظ على العلاقات وتطويرها. ومن هذا المنطلق، يمكن للشركات الأميركية أن تكون جسراً لتعميق التواصل السوري-الأميركي، وفي الوقت نفسه يمكن لسوريا أن تستفيد من هذا الانفتاح في دعم اقتصادها وإعادة الإعمار وتعزيز حضورها الاقتصادي على المستوى الدولي”.

ويمكن اعتبار الزيارة مؤشراً إيجابياً على بدء انتقال العلاقات من مسار التطبيع السياسي إلى بناء علاقات اقتصادية عملية، خصوصاً أن الاقتصاد سيكون أحد أهم الملفات في المرحلة المقبلة بالنسبة لسوريا، وفق حمدوش.

ومنذ التحرير، شهدت العلاقات بين دمشق وواشنطن تقدماً إيجابياً، نتيجة الارتياح الكبير لدى الإدارة الأميركية تجاه الإدارة السورية الجديدة، بينما يمثل دخول القطاع الخاص الأميركي المرتقب إلى السوق السورية شبكة مصالح تدعم استدامة التقارب السياسي من خلال منحها بعداً مؤسسياً وشراكات طويلة الأمد.

مؤشر إيجابي

يرى الدكتور محمد الفقيه، وهو استشاري اقتصادي ومالي، أن الزيارة خطوة مهمة على طريق استعادة الثقة بالسوق السورية، لأنها تتيح للشركات الأميركية الاطلاع المباشر على الواقع الاقتصادي، واحتياجات القطاعات المختلفة، والفرص المتاحة، والتحديات التي قد تواجه المستثمرين.

ويشير في حديث لـ “الثورة السورية”، إلى أن من أبرز انعكاسات الزيارة المتوقعة، تتمثل في تعزيز صورة سوريا بوصفها سوقاً قابلة لإعادة الاندماج في الاقتصاد الدولي، وفتح قنوات مباشرة بين الشركات الأميركية والقطاع الخاص السوري، تحديد مشروعات قابلة للتنفيذ في الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والخدمات، نقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية والتمويلية إلى السوق السورية، إضافة إلى تشجيع شركات وصناديق استثمار أخرى على دراسة دخول السوق، ودعم الانتقال من مرحلة المساعدات والاستجابة الإنسانية إلى مرحلة الاستثمار والإنتاج.

ويوضح الفقيه أن الزيارة، مهما بلغت أهميتها، لا تعني تلقائياً تدفق استثمارات كبرى، فالاستثمار يمر عادة بمراحل تبدأ بالاستكشاف واللقاءات، ثم دراسة الجدوى والفحص القانوني والمالي، وصولاً إلى توقيع العقود والإغلاق المالي والبدء بالتنفيذ. ومن الضروري التمييز بين مذكرة التفاهم والعقد الاستثماري الملزم، فالمذكرات تعكس اهتماماً أولياً، بينما تقاس جدية الاستثمار بتحويل الأموال، وتأسيس الشركات، وبدء الأعمال، وخلق فرص العمل، وفق الفقيه.

وهذه الزيارة ليست المحطة الأولى، حيث استضافت غرفة التجارة الأميركية بنيويورك في أيلول 2025؛ الرئيس السوري أحمد الشرع و وزير الخارجية أسعد الشيباني في اجتماع مع قادة أعمال أميركيين، وركز النقاش على الفرص الاستثمارية ودور الشركات الأميركية في إعادة بناء الاقتصاد السوري، إذ وصفت غرفة التجارة الأميركية في تقييم لاحق، سوريا أنها أمام نقطة تحول تتيح للشركات الأميركية فرصاً في البنية التحتية والطاقة والصحة والاقتصاد الرقمي.

القطاعات الأكثر جذباً للشركات الأميركية

يضم الوفد التجاري الأميركي شركات كبرى تعمل في قطاعات متنوعة على رأسها الطاقة والنفط والغاز والإنشاءات، إلى جانب شركات مالية ومدفوعات، إذ لا يتركز الاهتمام الأميركي على قطاع واحد، بل يمتد إلى القطاعات التي يحتاجها الاقتصاد السوري في مرحلة إعادة الإعمار. ويظهر تنوع الشركات أن تقييماً سبق تنظيم الزيارة، حيث جرى تحديد الشركات التي يمكن أن تجد فرصاً واعدة للاستثمار.

ووفق الفقيه، يأتي قطاع الطاقة في مقدمة القطاعات المرشحة لجذب الاهتمام الأميركي، بسبب النقص الكبير في الكهرباء والحاجة إلى إعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، فضلاً عن فرص الطاقة الشمسية والغاز والنفط والخدمات النفطية.

وفي حزيران الماضي، بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير مع نظيره الأميركي كريس رايت، في واشنطن تعزيز التعاون الثنائي في قطاع الطاقة، والفرص الاستثمارية المتاحة أمام الشركات الأميركية في مشروعات الطاقة والبِنْية التحتية. وعقد الوفد السوري اجتماعاً ثنائياً مع مارك رولينز رئيس شركة HKN Energy، وبحضور رئيس مجلس إدارة غرفة التجارة الأميركية روس بيروت جونيور، جرى خلاله بحث آفاق التعاون والاستثمار في قطاع الطاقة السوري.

وتشكل الشركات المرتبطة بقطاع الطاقة الكتلة الأكبر ضمن الوفد التجاري الأميركي، وتضم نحو 13 شركة مرتبطة بالطاقة والنفط والغاز والكهرباء، أبرزها Chevron، Baker Hughes، SLB، GE Vernova Hunt Oil، Lummus Technology، Solar Turbines.

وتحتاج سوريا إلى استثمارات كبيرة في الإسكان والطرق والجسور والمياه والصرف الصحي والمطارات والموانئ والمناطق الصناعية، بينما يشكل قطاع الاتصالات أحد أسرع القطاعات القابلة للنمو، نظراً إلى الحاجة إلى تحديث شبكات الهاتف والإنترنت، وتوسيع خدمات الألياف الضوئية، وإنشاء مراكز البيانات، وتطوير الحكومة الإلكترونية والدفع الرقمي والأمن السيبراني، بحسب الفقيه.

ويضم الوفد ثماني شركات هندسة وإنشاءات، وهي ثاني أكبر كتلة في الوفد، وتشمل أسماء بارزة مثل: Bechtel، Fluor، KBR، Parsons، Worley، Emerson.

ويشير الفقيه إلى أن السوق السورية تحتاج إلى إعادة بناء قنوات التمويل التجاري، والمدفوعات الإلكترونية، والائتمان، والتأمين، وخدمات التحويل المالي، ويمكن للشركات الأميركية المتخصصة بالتكنولوجيا المالية وأنظمة الدفع وإدارة المخاطر أن تجد فرصاً مهمة في هذا المجال، غير أن دخول هذا القطاع يتطلب مصرفاً مركزياً فعّالاً، وقواعد واضحة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ونظاماً مصرفياً قادراً على الارتباط بالمؤسسات المالية الدولية. كما يمثل الموقع الجغرافي لسوريا فرصة محتملة إعادة بناء دورها في النقل البري والبحري وسلاسل الإمداد الإقليمية، وتشمل الفرص الموانئ والمستودعات والمناطق الحرة وخدمات النقل والتخليص والتجارة الإلكترونية.

وتتضمن قائمة الشركات الأميركية أسماء مرتبطة بالخدمات المالية والمصرفية ومجموعة من شركات التكنولوجيا والاتصالات، بينها شركات تعمل في الشبكات والحوسبة والبنية الرقمية والأمن السيبراني، إضافة إلى شركات تعمل في المجال الصحي وأخرى في الزراعة والغذاء. وتضم آخر مجموعة في القائمة شركات قانونية واستشارية.

المطلوب من الحكومة السورية

ينبغي أن تنتقل الجهات الحكومية من عرض القطاعات إلى تقديم مشروعات محددة، وإنشاء قاعدة بيانات استثمارية باللغتين العربية والإنجليزية، تتضمن خرائط للمشروعات، والفرص القطاعية، والبيانات المالية، والجهات المسؤولة عن كل مشروع. ويجب توحيد إجراءات الترخيص من خلال تفعيل نافذة استثمارية موحدة، إلى جانب حماية الاستثمار وتنفيذ العقود، إلى جانب سوق نقدية ومصرفية مستقرة نسبياً، بحسب الفقيه.

ويشير إلى أهمية مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، إذ تبحث الشركات الدولية عن بيئة يمكنها الدفاع عن قراراتها أمام مجالس إدارتها ومساهميها والجهات الرقابية في بلدها، ولذلك فإن الشفافية في المناقصات، ونشر نتائج التقييم، والإفصاح عن الملكية المستفيدة، ومنع العمولات غير الرسمية، كلها عناصر ضرورية لجذب الاستثمار الجاد.

ووفق الفقيه، يمكن أن تكون الزيارة بداية الاستثمارات كبيرة، لكن ذلك يتوقف على قدرة الحكومة السورية على تحويل الاهتمام السياسي والتجاري إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ. وقد تبدأ الاستثمارات في صورة عقود توريد، وخدمات استشارية، وإعادة تأهيل، وحلول تقنية، وشراكات صغيرة ومتوسطة، قبل الانتقال إلى استثمارات مباشرة في الطاقة والبنية التحتية والمصارف والاتصالات.

ويؤكد الفقيه في حديثه لـ “الثورة السورية”، أن زيارة الوفد التجاري الأميركي تمثل فرصة مهمة لإعادة تقديم سوريا على خارطة الاستثمار الدولي، لكنها في الوقت نفسه اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات السورية على إدارة الانفتاح الاقتصادي، ولن تقاس أهمية الزيارة بعدد الشركات المشاركة أو البيانات الصادرة عنها، بل بعدد المشروعات التي تنتقل منها إلى مرحلة دراسة الجدوى، ثم التعاقد والتمويل والتنفيذ.

وفي نيسان الماضي، ناقش وزير المالية محمد يسر برنيه ومحافظ البنك المركزي عبد القادر الحصري فرص الاستثمار في سوريا خلال زيارة لغرفة التجارة الأميركية في واشنطن. وضم الاجتماع ممثلين عن كبرى الشركات الأميركية في قطاعات مثل التمويل والصناعة والطاقة والطيران والتكنولوجيا والاتصالات. واستعرض الاجتماع التطورات الاقتصادية الأخيرة في سوريا، واستكشف فرص الاستثمار المحتملة في مختلف القطاعات، وفقاً لوزارة المالية. وتناولت المناقشات أيضاً جهود الإصلاح الاقتصادي الجارية التي تهدف إلى خلق بيئة أكثر ملاءمة للأعمال التجارية وتعزيز دور القطاع الخاص في التعافي وإعادة الإعمار.

أغيد أبو زايد

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار