تخيّل أن دولة تنفق مئات المليارات من الدولارات لتطوير التكنولوجيا الأذكى في العالم، ثم تخسر السباق أمام من قدمت ابتكارًا أقل ذكاءً لكنه أقل تكلفة، قد تبدو الفكرة كأنها مفارقة، لكنها ربما تكون القاعدة التي ستحدد الفائز في أكبر سباق تكنولوجي واقتصادي في هذا العقد.
في وادي السيليكون، ظل السباق لسنوات يدور حول سؤال واحد: من يملك النموذج الأكثر ذكاءً؟، بينما كانت الصين تخوض السباق بطريقة مختلفة: كيف تجعل الذكاء الاصطناعي متاحًا، رخيصًا، وقابلًا للانتشار في كل مكان؟
معركة لن تحسم بالمليارات
كان من المفترض أن يمنح المال الولايات المتحدة أفضلية يصعب اللحاق بها، فخلال 2025، تجاوز الاستثمار الخاص الأمريكي في الذكاء الاصطناعي 258.9 مليار دولار، أي نحو 23 ضعف الاستثمار الصيني، ومع ذلك، تقلصت الفجوة بين أفضل النماذج الأمريكية والصينية إلى 2.7% فقط في مارس 2026.
والأسوأ بالنسبة إلى واشنطن أن عدد الباحثين في الذكاء الاصطناعي الذين ينتقلون إلى الولايات المتحدة تراجع 89% منذ 2017، مع حدوث 80% من هذا الانخفاض خلال العام الأخير.
إنها المعركة التي وصفتها الأوساط العلمية بالصراع بين “العقول” و”الأجساد”، حيث تمتلك أمريكا العقول: أرقى الرقائق المتقدمة، ورأس المال الغزير، والأنظمة المبتكرة.
لكن الصين تمتلك الأجساد: الطاقة الرخيصة، والبيانات الهائلة، والمصانع التي تعج بالحياة، وبينما تقف شبكات الكهرباء الأمريكية قلقة بشأن الاستهلاك المرعب لمراكز البيانات، كانت الصين تبني مجمعات حوسبة عملاقة في مناطقها الشمالية والشمالية الغربية الهادئة.
كما تكمن قوة الصين في أنها لا تبدأ من الصفر، فهي تصنع نحو 90% من المكونات الحيوية للألواح الشمسية، وكانت قرابة 90% من الروبوتات الشبيهة بالبشر المباعة عالميًا في العام الماضي صينية الصنع.
وكما يقول “بروس ليو” الرئيس التنفيذي لـ”إيسوتيريكا كابيتال”: إذا لم يتبق للصين سوى دولار واحد، فقد تنفقه على الذكاء الاصطناعي بدلًا من العقارات، فالهدف، ببساطة، ليس تطوير أفضل ذكاء اصطناعي في العالم، بل تطوير ذكاء اصطناعي يكفي لتغيير الاقتصاد.
وهنا يصبح السباق أكثر خطورة، فإذا انتشرت النماذج الصينية الرخيصة حول العالم، فقد يستيقظ العالم ذات صباح ليجد خدمات أرخص، ومصانع أكثر كفاءة، وترجمة أفضل، وأنظمة إدارية أكثر سلاسة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الكفاءة إلى تبعية، فالدول والشركات التي تبني تطبيقاتها على نماذج صينية قد تجد نفسها معتمدة على التكنولوجيا الصينية، خصوصًا إذا قررت بكين لاحقًا الاحتفاظ بأجيالها الأكثر تطورًا داخل حدودها.

عواقب كارثية
“إذا فازت الصين بسباق الذكاء الاصطناعي، فلن يكون هناك أهمية لأي شيء بعد ذلك”، وحتى الإنفاق الدفاعي الضخم للولايات المتحدة لن يكون كافيًا لحماية البلاد، هذه ليست توقعات الخبراء أو المحللين بل تحذيرات من وزير الخزانة الأمريكي “سكوت بيسنت”.
يعكس تحذير الوزير المخاوف الأمريكية لا سيما من نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة المصدر، والتي تضاهي في قوتها نظيراتها الأمريكية تقريباً، ولكن بتكلفة زهيدة جداً بالنسبة للمستخدم.
كما يحذّر باحثون أمريكيون من سيناريوهات أقرب للخيال العلمي: أنظمة دفاع صاروخي تُفقد الترسانة النووية جدواها، جيوش لا تنتهي من الطائرات المسيّرة.
حتى “داريو أموداي”، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، تحدث عن “كابوس شمولي” يتيحه ذكاء اصطناعي يمتلك قدرات فكرية تعادل ملايين الخبراء، قادر على مراقبة كل اتصال إلكتروني في العالم وخنق أي معارضة قبل أن تولد.
ووضعت “أنثروبيك” سيناريوهين لعام 2028، الأول: تتحرك أمريكا لتشديد ضوابط التصدير وتسريع تبني الديمقراطيات للتقنية، فتضع القواعد وتقود التعاون الآمن مع الصين. الثاني: تتقاعس أمريكا عن التحرك، فتلحق الصين بالركب وتتجاوزها، وتُكتب قواعد الذكاء الاصطناعي العالمي بمنطق الأنظمة الاستبدادية.

لكن هل هذا واقعي؟
ربما لا، وقد تكون هناك مبالغة في السيناريوهات، فالبرمجيات وحدها لا تكفي لكسب الحروب، فحتى في الحرب مع إيران، استخدم البنتاغون الذكاء الاصطناعي لتسريع اختيار الأهداف، لكن الولايات المتحدة لم تتمكن من إعلان النصر حتى الآن.
لكن، من وجهة نظر واشنطن، يبقى الخطر الحقيقي أعمق من ساحة المعركة إذا فازت بكين في سباق الذكاء الاصطناعي: دول تصوّت لصالح الصين في الأمم المتحدة، وموانئ ومنصات تجارة إلكترونية تُستخدم لجمع بيانات هائلة، ودعم متزايد لمساعي بكين الإقليمية.

في النهاية، أصبح الذكاء الاصطناعي أولوية استراتيجية للولايات المتحدة والصين، ومع ذلك، لا يزال البلدان يتبعان استراتيجيات مختلفة جذريًا في سعيهما إلى الريادة العالمية، ولكل طرف نقاط قوته.
وقبيل زيارة “شي جين بينغ” إلى واشنطن، تلوح في الأفق قرارات استراتيجية بشأن هذا المجال، لكن يظل السؤال الملح: من سيفوز في سباق الذكاء الاصطناعي؟
المصادر: أرقام – تقرير “مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 ” عن جامعة “ستانفورد” – مجلة “فوربس” – صحيفة “ذا أتلانتك” – تقرير لشركة “أنثروبيك”.
