مليارات لدفن الكربون .. كيف تحولت الانبعاثات إلى سوق؟

زمن القراءة: 9 دقائق

في صيف 2025، وصلت إلى الساحل الغربي للنرويج سفينة قادمة من مصنع بريفيك للأسمنت في جنوب البلاد، وهي تحمل شحنة لا يتسابق أحد في العادة لاستقبالها؛ إذ كانت تحتوي على انبعاثات نتجت عن صناعة الأسمنت.

وبدلًا من إطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن عمليات تصنيع بالمصنع في الغلاف الجوي، جرى التقاطه وتسييله، ثم نقله بحرًا إلى منشأة بالساحل الغربي للنرويج، وذلك قبل أن يُحقن داخل خزان صخري على عمق 2600 متر تحت قاع بحر الشمال.

وبهذه الشحنة، بدأت أول منشأة في العالم تقدم خدمة تجارية لنقل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لصالح شركات أخرى وتخزينها بصورة دائمة.

ويستقبل المشروع، المملوك لإكوينور وشل وتوتال إنرجيز، ثاني أكسيد الكربون الناتج عن المنشآت الصناعية، ثم ينقله عبر السفن والأنابيب إلى تكوينات جيولوجية عميقة.

هنا تكمن المفارقة؛ فمادة كانت تُعامل باعتبارها نفاية يجب التخلص منها أصبحت شحنة لها سفن وخزانات وأنابيب وآبار، ومحورًا لعقود طويلة الأجل واستثمارات بمليارات الدولارات، وبدأ يتشكل حول دفنها نشاط اقتصادي يضم شركات الطاقة والمصانع والحكومات.

لكن من يدفع مقابل تخزين غاز لا يريد أحد شراءه؟ وكيف تحولت الانبعاثات الصناعية من عبء بيئي إلى أحد أكبر رهانات الاقتصاد الجديد؟ وهل يستطيع هذا النشاط الاستمرار تجاريًا دون الدعم الحكومي؟

من المدخنة إلى سوق عالمية

بدأ التخزين الجيولوجي التجاري قبل موجة الاستثمار الحالية بوقت طويل، ففي حقل سليبنر النرويجي، دفنت قرابة مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا الناتج عن استخراج الغاز الطبيعي، وجرى تخزينها في تكوينات صخرية تحت البحر منذ عام 1996.

ومنحت هذه التجربة الصناعة سجلًا ممتدًا في حقن الغاز ومراقبة استقراره تحت الأرض، لكنها ظلت مرتبطة بمنشأة واحدة.

أما الموجة الجديدة فتقوم على إنشاء موانئ وسفن وخطوط أنابيب ومواقع تخزين مشتركة، يمكنها استقبال انبعاثات مصانع متعددة، حتى إن كانت موجودة في دول مختلفة، إذ تكشف الأرقام عن اتساع هذا النشاط، وإن ظل محدودًا مقارنة بحجم الانبعاثات العالمية.

ففي الربع الأول من 2025، قدرت وكالة الطاقة الدولية القدرة التشغيلية العالمية لاحتجاز الكربون بأكثر قليلًا من 50 مليون طن سنويًا.

وفي بيانات أحدث، رصد المعهد العالمي لاحتجاز الكربون وتخزينه 77 مشروعًا عاملًا بطاقة تبلغ 64 مليون طن سنويًا، إلى جانب 47 مشروعًا قيد الإنشاء يمكنها إضافة 44 مليون طن أخرى.

ولا يتطلب هذا التوسع تقنيات الالتقاط وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى استثمارات ضخمة في السفن والأنابيب ومحطات الاستقبال والآبار ومراقبة الخزانات.

وتقدر وود ماكنزي أن رفع قدرة الالتقاط العالمية إلى 440 مليون طن سنويًا، وقدرة التخزين إلى 664 مليون طن بحلول 2034، سيتطلب استثمارات تراكمية تبلغ نحو 196 مليار دولار أمريكي.

فاتورة تبدأ عند المدخنة

تبدأ تكلفة المشروع عند فصل ثاني أكسيد الكربون عن الغازات المنبعثة من المنشأة، إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية تكلفة التقاط الطن بين 15 و25 دولارًا في الصناعات التي يكون فيها الغاز أكثر تركيزًا، مثل معالجة الغاز الطبيعي وإنتاج الإيثانول.

وذلك مقابل 40 إلى 120 دولارًا في مصانع الأسمنت ومحطات الكهرباء، حيث يكون الغاز أكثر تشتتًا ويصعب فصله.

ولا تنتهي الفاتورة عند المدخنة؛ إذ يجب تسييل الغاز أو ضغطه، ثم نقله وحقنه ومراقبته تحت الأرض. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، تتراوح تكلفة نقل الطن عبر الأنابيب البرية بين دولارين و14 دولارًا.

ويكشف مشروع لونغشيب النرويجي التكلفة الإجمالية لإنشاء هذه السلسلة وتشغيلها؛ فهو يشمل تجهيز مصنع “بريفيك” لالتقاط الانبعاثات، ونقل الغاز بالسفن والأنابيب، ثم حقنه وتخزينه تحت بحر الشمال.

وقدرت الحكومة النرويجية تكلفة المشروع، شاملة الإنشاء والتشغيل خلال سنواته العشر الأولى، بنحو 34 مليار كرونة (3.66 مليار دولار).

ومع ذلك، تسارعت الاستثمارات لأن الحكومات بدأت تتحمل جزءًا من التكلفة وتوفر الحوافز والعقود التي تمنح المشروعات إيرادات أكثر استقرارًا، إذ خصصت عدة حكومات أكثر من 50 مليار دولار لدعم القطاع خلال السنوات الثلاث الماضية، بحسب وكالة الطاقة الدولية.

ونتيجة هذا الدعم وتقدم المشروعات إلى مرحلة التنفيذ، تجاوز الاستثمار السنوي في احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه خمسة مليارات دولار عام 2025، ليزيد بأكثر من 15 ضعفًا مقارنة بعام 2020.

من يدفع مقابل طن مدفون؟

لأن ثاني أكسيد الكربون لا يمتلك قيمة تجارية كبيرة في حد ذاته، لا تعتمد إيرادات القطاع على بيعه، بل على الحوافز الحكومية والرسوم التي تدفعها الشركات مقابل نقله وتخزينه.

ففي الولايات المتحدة، يصل الائتمان الضريبي إلى 85 دولارًا عن كل طن يُلتقط من منشأة صناعية ويُخزن، ويرتفع إلى 180 دولارًا للطن عند التقاطه مباشرة من الهواء.

وساعدت هذه الحوافز شركات مثل إكسون موبيل على بناء نشاط يقدم خدمات نقل انبعاثات العملاء وتخزينها.

وفي أوروبا، تدفع المنشآت الصناعية مقابل التخلص من انبعاثاتها، بينما تتحمل الحكومات جزءًا من تكلفة المشروعات ومخاطرها.

فقد خصصت بريطانيا 21.7 مليار جنيه إسترليني (29.3 مليار دولار) على مدى 25 عامًا لدعم أول مشروعاتها الكبرى لاحتجاز الكربون ونقله وتخزينه.

أما مشروع نورثرن لايتس النرويجي فيركز بدوره على بيع خدمة النقل والتخزين بعقود طويلة الأجل.

وبعد حجز كامل قدرة مرحلته الأولى، قرر الشركاء استثمار 7.5 مليار كرونة نرويجية (807 ملايين دولار) لرفع قدرته السنوية إلى خمسة ملايين طن على الأقل، إلى جانب منحة أوروبية بقيمة 131 مليون يورو (152 مليون دولار).

وهكذا تأتي إيرادات النشاط من الرسوم والحوافز، وليس من بيع ثاني أكسيد الكربون نفسه.

سباق تقوده الدول وشركات الطاقة

تتصدر أمريكا الشمالية وأوروبا المشروعات المتقدمة؛ إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تستحوذا على 80% من قدرة الالتقاط التي قد تعمل بحلول 2030.

لكن السباق يمتد شرقًا أيضًا؛ ففي السعودية، تعمل أرامكو مع لينده وإس إل بي على إنشاء مركز لاحتجاز الكربون وتخزينه في الجبيل، يُتوقع اكتمال مرحلته الأولى بنهاية 2027 وبدء تشغيله في 2028، بطاقة تصل إلى تسعة ملايين طن متري سنويًا.

ومن المقرر أن توفر أرامكو ستة ملايين طن من هذه الكمية، بينما تأتي الملايين الثلاثة المتبقية من منشآت صناعية مجاورة.

وفي الإمارات، اتخذت أدنوك قرار الاستثمار في مشروع حبشان بطاقة 1.5 مليون طن سنويًا، بما يرفع قدرتها المعلنة إلى 2.3 مليون.

حل ناجع أمام مجرد اختبار

ترى وكالة الطاقة الدولية أن خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لمستويات صفرية سيكون شبه مستحيل من دون تقنيات احتجاز الكربون، ولا سيما في الأسمنت، حيث يأتي نحو ثلثي الانبعاثات من التفاعل الكيميائي للحجر الجيري، لا من الوقود وحده.

ويظل مقياس الجدوى هو التنفيذ لا الإعلان، فالمشروعات المدرجة حاليًا قد ترفع قدرة الالتقاط إلى نحو 430 مليون طن سنويًا بحلول 2030، مقابل أكثر قليلًا من 50 مليونًا قيد التشغيل في مطلع 2025.

ومع ذلك تقول الوكالة إن هناك تحديات عدة تواجه مشروعات احتجاز الكربون إذ إن نحو 90% من مشروعات 2035 المعلنة لم تصل لمرحلة قرار الاستثمار النهائي، كما أن أكثر من 60% من القدرة العاملة حاليًا تخدم معالجة الغاز الطبيعي، لا الصناعات الثقيلة.

في النهاية، لا تبيع هذه الصناعة الكربون، بل تبيع منع وصوله إلى الغلاف الجوي؛ ولهذا تعتمد قيمتها على القياس الدقيق، ومسؤولية التخزين الطويلة، ووجود سياسات تجعل التقاط الانبعاثات وتخزينها أقل تكلفة على الشركات من إطلاقها في الجو.

فالمليارات المستثمرة لتخزين الكربون تحت الأرض ليست دليل نجاح نهائي، بل ثمن اختبار عالمي يطرح تساؤلًا حول إمكانية تحقيق هذه الاستثمارات لنتائج إيجابية في خفض الانبعاثات، بتكلفة تضمن استمرار المشروعات.

ولن يأتي الجواب الحقيقي من حجم الأموال المعلنة، بل من كميات الغاز التي مُنع وصولها إلى الغلاف الجوي، وبقيت مخزنة بأمان.

المصادر: أرقام- وكالة الطاقة الدولية- المعهد العالمي لاحتجاز الكربون وتخزينه- أرامكو- أدنوك- مصلحة الضرائب الأمريكية- إكوينور- هايدلبرغ ماتيريالز- سي إف إندستريز

آخر الأخبار