حرب السفن تشتعل في هرمز… والخليج أمام سيناريوهات مالية معقدة

زمن القراءة: 11 دقائق
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس، 5 أيلول 2026 (عطا كيناري/فرانس برس )

تصاعدت حرب السفن في الخليج العربي ومضيق هرمز، بعدما أعلنت القيادة المركزية الأميركية أول من أمس، استهداف ثلاث ناقلات نفط إيرانية، بينها ناقلة قرب جزيرة خارج، عقب إطلاق الحرس الثوري الإيراني صواريخ باليستية باتجاه سفينتين حربيتين أميركيتين، وردّ الحرس الثوري لاحقاً بإعلانه استهداف ثلاث ناقلات كانت تسلك، بحسب روايته، طرقاً غير مصرح بها في هرمز، إلى جانب ثلاث سفن مرتبطة بالولايات المتحدة، وعزز ذلك من مخاطر الملاحة والتأمين والتمويل في المنطقة، الأمر الذي يجعل دول الخليج أكبر الخاسرين من هذه الحرب.
وأخطار الملاحة في مضيق هرمز لم تعد تقتصر على ارتفاع كلفة التأمين وتعطل حركة التجارة، إذ دخلت حرب السفن مرحلة أكثر خطورة خلال الأيام الأخيرة بعدما تعرضت ناقلتان عملاقتان تحملان النفط السعودي لهجومين متزامنين تقريباً أثناء خروجهما من مضيق هرمز في 31 آب الماضي، هما الناقلة السعودية “سدر” والناقلة “سنغال بروسبيريتي” التي ترفع علم ليبيريا، وكانت كل منهما تحمل نحو مليوني برميل من الخام السعودي.

وأعلنت الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري “البحري” لاحقاً مقتل اثنين من أفراد طاقم “سدر” من الجنسية الفيليبينية، فيما سجلت المنظمة البحرية الدولية حتى 2 أيلول 72 حادثاً مؤكداً ضد الملاحة الدولية في المنطقة، أسفرت عن مقتل 21 من العاملين في البحر.

اختبار صعب للاستقرار المالي في الخليج

ويضع التوتر الملاحي المتصاعد في مضيق هرمز الاستقرار المالي لدول الخليج أمام اختبار دقيق وممتد، إذ تلوح في الأفق بوادر ضغوط ائتمانية متزايدة على مصدري الطاقة في المنطقة، ما دفع وكالة فيتش العالمية لإطلاق تحذير صريح مفاده أن “مخاطر تصنيفات بعض الجهات المصدرة في دول مجلس التعاون الخليجي قد ترتفع في ظل سيناريو افتراضي يتعطل فيه المرور عبر مضيق هرمز حتى معظم عام 2027”.
ونبّهت وكالة التصنيف الائتماني، في تقريرها المنشور في بداية أيلول الجاري، إلى أن “المصدات المالية السيادية الضخمة للغاية في الكويت، والإمارات، وقطر كانت عاملاً أساسياً في الحد من تأثير الصراع في التصنيفات الائتمانية”، مشيرة إلى أن هذه الاحتياطيات تمثل الركيزة التي تحمي الجدارة السيادية لتلك الدول من التراجع الفوري، غير أن بقاء الممر الحيوي معطلاً لفترة طويلة يقلّص مساحة المناورة المالية تدريجياً.

ووفق تقدير آخر نشرته الوكالة في الأول من سبتمبر، فإن “المصدات المالية ستظل توفر وسادة حماية جوهرية في سيناريو ينطوي على صراع طويل الأمد، لكن التعطل الممتد قد يبدأ في التأثير سلباً على الملفات الائتمانية لبعض الجهات السيادية الخليجية، لا سيما تلك التي لا تمتلك طرقاً بديلة لتصدير منتجات الطاقة مثل خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق”.

ويتزامن هذا التهديد مع صعود قياسي في كلفة التأمين البحري ضد مخاطر الحرب، ما عمق عزوف الخطوط الملاحية التجارية ورفع تكلفة نقل النفط والسلع الأساسية لمستويات تاريخية، حيث قفزت علاوات التأمين لناقلات الخام من نحو 0.25% قبل اندلاع المواجهات إلى نطاق تراوح بين 7.5% و12.5% من قيمة السفينة في آب، مع بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة في ظل استمرار الهجمات وانخفاض حركة السفن عبر المضيق، ما يمثل عبئاً مالياً باهظاً يدفع المشغلين إما للامتناع عن الإبحار أو فرض رسوم شحن استثنائية، حسب تقدير نشرته منصة “إنشورنس بيزنس”، المعنية بشؤون التأمين وإعادة التأمين الدولية، في 26 آب الماضي.

تعقيدات حادة طاولت سلاسل الإمداد

أفرزت هذه التطورات تعقيدات تمويلية وقانونية حادة طاولت سلاسل الإمداد، إذ كشف الاضطراب المستمر عن فجوات وثغرات في بنود وثائق التأمين المعتمدة لدى المقرضين والمستأجرين لتمويل الشحنات، منها أن صياغة بنود التأمين ضد أخطار الحرب قد تكون قديمة بالنظر إلى وتيرة الأحداث غير المسبوقة التي تتكشف مع أزمة هرمز، ما يؤدي إلى ارتباك في تمويل التجارة وارتفاع كلفة التقاضي، كما أن اتفاقيات إيجار السفن تحد من قدرة ملاك السفن على تجنب المناطق المحددة كمناطق مخاطر حرب، ما قد يثير نزاعات على المدى الطويل، وهو عبء تعاقدي إضافي يرفع تكلفة التمويل التجاري، ويحد من إتاحة التسهيلات الائتمانية، بحسب تقرير نشرته منصة “لويدز ليست”، المتخصصة في الملاحة والتأمين البحري والتمويل التجاري، في 1 أيلول الجاري.
وفي مؤشر على عمق الصدمة، انخفضت حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى مستويات تقترب من التوقف شبه الكامل؛ فقد أظهرت بيانات “كبلر” عبور خمس سفن تجارية فقط يوم السبت الماضي، من دون تسجيل أي عبور يوم الأحد، مقابل 31 سفينة خلال عطلة نهاية الأسبوع السابقة، كما بقيت حركة العبور في مطلع سبتمبر عند أرقام أحادية، في وقت باتت فيه ناقلات النفط والغاز العملاقة تتجنب المضيق بدرجة كبيرة بسبب اشتعال حرب السفن.

تكلفة متصاعدة للصدمة

في هذا الإطار، يؤكد أستاذ الإدارة المالية بجامعة باشاك شهير التركية، فراس شعبو، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن دول الخليج لا تواجه مشكلة في الملاءة المالية بل تواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في “تكلفة الصدمة” المستمرة جراء الحرب، حيث توفر المصدات المالية المتمثلة في صناديق الثروة السيادية مساحة لامتصاص هذه الصدمات، لكن ذلك يكون فعالاً لفترة مؤقتة وليس دائمة.
ورغم قوة التصنيفات الائتمانية الحالية لدول الخليج، إلا أن شعبو يؤكد أن الاعتماد المتكرر على هذه المصدات لا يعالج جذور المشكلة، خاصة إذا تحول اضطراب الملاحة في مضيق هرمز من حالة لحظية إلى أزمة مستمرة، ما ينقل أثر الصدمة من كونه مؤقتاً إلى ضغط هيكلي على النمو والإيرادات وزيادة في الإنفاق، ما قد يؤثر في النهاية على الجدارة الائتمانية للدول إذا استمرت الأزمة طويلاً.

وهنا يرى شعبو ضرورة التفريق بين مكونات أصول الصناديق السيادية الخليجية، فهي ليست كتلة واحدة من الأموال المجمدة، بل تتوزع بين احتياطيات سائلة تشكل خط الدفاع الأول (بنسبة قليلة)، وأصول قابلة للتسييل بسرعة لكنها قد تتعرض للخسارة في الأسواق المضطربة، وأصول طويلة الأجل غير سائلة تشكل الحصة الكبرى، ولا يمكن تحويلها لنقد سريع، ولذا فإن السؤال الأهم ليس عن حجم الأصول الكلي، بل عن نسبة السيولة المتاحة ومدتها الزمنية لامتصاص الأزمة، حسب تقديره.

وبالنسبة لتأثير ارتفاع أسعار النفط، فهو سيف ذو حدين؛ حسب توصيف شعبو، “فصحيح أنه يصب في مصلحة الدول المصدرة، ويعوض جزءاً من الخسائر، إلا أن تضييق قنوات التصدير يؤدي إلى انخفاض الكميات المصدرة وارتفاع هائل في تكاليف النقل والتأمين والواردات، ما قد يسبّب تراجعاً في النشاط الاقتصادي العام، وبالتالي فإن استمرار الأزمة لفترة طويلة يمثل خطراً أكبر بكثير من الصدمة السعرية قصيرة الأجل” وفق أستاذ الإدارة المالية بجامعة باشاك شهير التركية.
وزادت إيران من هذه الضغوط المباشرة على حركة الملاحة، بعدما رفعت في 2 أيلول عدد السفن المدرجة على قائمتها السوداء في المضيق إلى 56 سفينة، تشمل ناقلات نفط وغازاً طبيعياً مسالاً وغازاً بترولياً مسالاً، مهددة السفن المدرجة بالغرامات أو المصادرة أو الاحتجاز، ومحذرة أيضاً من اتخاذ إجراءات بحق السفن التي تتعامل معها عبر عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى، وفقاً لما أوردته وكالة “رويترز”.

3 سيناريوهات لتداعيات الأزمة

إزاء ذلك، يطرح شعبو ثلاثة سيناريوهات محتملة لتداعيات الأزمة المالية على دول الخليج: الأول هو السيناريو قصير الأمد الذي يفترض تسوية سريعة وعودة تدريجية للملاحة، ما يسمح للدول باستخدام احتياطياتها واقتراض الدعم وإعادة هيكلة الإنفاق دون ضغط كبير على التصنيفات السيادية، وهو السيناريو الأقل احتمالاً في المدى المنظور، حسب تقديره.

ويتمثل السيناريو الثاني، والأكثر قلقاً حسب توصيف شعبو، في استمرار الاضطرابات لعدة أشهر، ما يحول المشكلة اللوجستية إلى أزمة مالية واقتصادية حقيقية تتسم بانخفاض النمو وارتفاع التضخم والإنفاق، وهروب رؤوس الأموال وتراجع أرباح البنوك وتأجيل المشاريع الاستثمارية في قطاعات النقل واللوجستيات والسياحة والعقارات، ما يضع دول الخليج أمام اختبار صعب في الحفاظ على الإنفاق والدعم دون استنزاف مفرط للأصول أو زيادة كبيرة في الدين.

أما السيناريو الأسوأ، باحتمال يتراوح بين 20% إلى 25% وفق تقدير شعبو، فيتمثل في حدوث ضرر مباشر ومستمر في البنية التحتية مثل منشآت النفط والموانئ والمصافي وخطوط الأنابيب ومحطات الطاقة، وهنا تتحول الأزمة من تعطيل للصادرات إلى انخفاض في القدرة الإنتاجية نفسها، ما يقلل قدرة الصناديق السيادية على التعويض، لأن المشكلة تصبح في نقص التدفقات النقدية المستقبلية وليس مجرد سيولة مؤقتة، وهو ما قد يؤدي مباشرة إلى مراجعة سلبية للتصنيفات الائتمانية.

تباين خليجي في القدرة على المواجهة

في السياق، يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، علي أحمد درويش، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن تقرير وكالة “فيتش” بشأن التصنيفات الائتمانية لدول الخليج يعد أمراً لا يمكن التعامل معه إلا بجدية بالغة في المرحلة الراهنة، خاصة مع استمرار الحرب لفترة زمنية طويلة وتعطّل حركة الملاحة بمضيق هرمز، ما يكشف عن تباين كبير في القدرة على المواجهة بين دول مجلس التعاون، حيث تتمتع السعودية مثلاً بميزة نسبية تتمثل في وجود ممرات بديلة عبر البحر الأحمر تخفف من الضغط عليها مقارنة بدول خليجية أخرى لا تملك هذه الرفاهية الجغرافية.
وتستلزم هذه الظروف إعادة هيكلة جذرية لخطوط الإمداد والتصدير، غير أن قدرة المصدات المالية وصناديق الثروة السيادية على حماية الجدارة الائتمانية قد تضعف مع طول أمد الأزمة، إذ استهلكت بعض الدول الخليجية جزءاً من احتياطياتها للحفاظ على استقرار نمط الحياة والبنية الاقتصادية، ما يدفع نحو طرح مبادرات لإيجاد بدائل لوجستية قد تكون مكلفة أو غير مجدية تماماً للدول المحصورة جغرافياً حول المضيق، كما يوضح درويش.
ومن الحلول المقترحة لتعزيز الصمود المالي، حسب درويش، تفعيل الشراكات بين القطاع العام والخاص ولا سيما المصارف، التي يمكنها التفاوض مع شركات التأمين وإعادة التأمين لفتح اعتمادات تجارية وتخفيف حدة ارتفاع تكاليف التأمين، وهو ما يساهم في الحد من استنزاف القدرة المالية للدول على جذب الأموال من الخارج أو استخدام الصناديق الداخلية والخارجية بشكل غير محدود.
وفي حال استمرار الحرب وتعطل حركة الملاحة في المضيق حتى عام 2027، يرجّح درويش أن تواجه دول الخليج تحدياً فعلياً في الوفاء بالاستحقاقات المالية والحفاظ على الاستقرار النقدي، ما يستدعي تضافر الجهود بين القطاعين العام والخاص لإيجاد منافذ جديدة وبرمجة تكاليف التأمين وتمويل التجارة بآليات مبتكرة، علماً بأن القدرة الحالية على المواجهة تبقى محدودة الزمن، وأن الدول التي لا تملك بدائل جغرافية ستكون الأكثر عرضة للخطر إذا لم تُبتكر حلول عملية عاجلة.

كريم رمضان
المصدر: العربي الجديد
 
آخر الأخبار