وحدات تباع قبل أن تبنى، وأقساط تمتد لسنوات، ومدخرات مواطنين تتحول إلى استثمارات في مشروعات لم تكتمل بعد، وهو ما يجعل ضبط السوق العقارية وحماية حقوق المشترين قضية تتجاوز حدود العلاقة بين المطور والعميل.
وجاءت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي الأخيرة بضرورة ضبط السوق العقارية، والتعامل بحزم مع الشركات المتأخرة في تنفيذ مشروعاتها، لتفتح الباب أمام إعادة النظر في منظومة الرقابة على القطاع.
فمع اتساع حجم السوق وتزايد قيمة الاستثمارات، لم يعد التحدي مرتبطاً فقط بزيادة المبيعات وإطلاق مشروعات جديدة، وإنما بقدرة المنظومة التنظيمية على ضمان التزام المطورين بمواعيد التنفيذ وحماية أموال العملاء والحفاظ على الثقة في السوق.
وعلى المستوى الدولي، تتباين تجارب تنظيم السوق العقارية بحسب طبيعة كل سوق وأولوياته، ورغم اختلاف الأدوات، تجمع هذه التجارب على هدف واحد: الحد من المخاطر وتعزيز الثقة واستدامة السوق.
قال رئيس شركة بيتا إيجيبت ونائب رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، علاء فكري، إن تطوير منظومة الرقابة على السوق العقارية المصرية أصبح ضرورة لضمان استدامة القطاع وحماية حقوق جميع أطراف المنظومة، مشيراً إلى أن التجارب الدولية، وخاصة الإماراتية والسعودية، تقدم نماذج يمكن الاستفادة منها عند وضع إطار تنظيمي يتناسب مع طبيعة السوق المصرية.
وأوضح فكري أن المقارنة بين التجربتين تكشف عن وجود عناصر مشتركة، إلا أن لكل نموذج خصوصيته، لافتاً إلى أن النموذج الأنسب لمصر ليس نقل تجربة دولة بعينها بصورة حرفية، وإنما بناء نموذج مصري يستفيد من أفضل الممارسات الدولية.
أولاً: نموذج الإمارات.. جهة تنظيمية موحدة ورقابة متكاملة
قال فكري إن تجربة دبي تعد من أبرز النماذج العربية في تنظيم السوق العقارية، حيث تجمع بين تسجيل وترخيص المشروعات، والرقابة على المطورين، وتنظيم البيع على الخارطة، إلى جانب حماية أموال المشترين، من خلال دور تنظيمي ورقابي قوي لدائرة الأراضي والأملاك والجهات المختصة بالسوق.
وأوضح أن حسابات الضمان تمثل أحد أهم ركائز النموذج الإماراتي، إذ يلزم المطورون الذين يبيعون وحدات على الخارطة بفتح حساب ضمان مستقل لكل مشروع، مع خضوع حركة الأموال وضوابط الصرف للرقابة، بما يضمن توجيه أموال العملاء إلى المشروع الذي جمعت من أجله.
وأضاف أن النموذج يعتمد كذلك على الشفافية وإتاحة المعلومات للمشتري عبر المنظومة الرقمية، التي تمكنه من الاستعلام عن ترخيص المشروع وحالته ونسب الإنجاز وتفاصيله.
ثانياً: النموذج السعودي.. ترخيص مسبق للبيع على الخارطة
تقدم التجربة السعودية نموذجاً مختلفاً من خلال الهيئة العامة للعقار ومنظومة تنظيم البيع والتأجير على الخارطة “وافي”، التي تضع إطاراً رسمياً لترخيص مشروعات البيع على الخارطة وتسجيل المطورين، بما يجعل النشاط خاضعاً للرقابة المسبقة وليس مجرد عملية تسويقية.
وأشار فكري إلى أن الترخيص يرتبط بمتطلبات تنظيمية، إلى جانب إيداع أقساط المشترين في حساب ضمان مستقل لكل مشروع، مع ضوابط على استخدام الأموال، بما يضمن ارتباط أموال العميل بالمشروع الذي دفع مقابله. كما توفر المنظومة آليات للتعامل مع مشروعات البيع على الخارطة المتعثرة، بما يعزز حماية المشترين ويوفر إطاراً أكثر وضوحاً لإدارة المخاطر.
ثالثاً: النموذج البريطاني.. الشفافية والمساءلة
قال عضو مجلس إدارة “المجموعة العربية الكويتية” والمدير التنفيذي لشركة “بيت الاستثمار العربي”، الذراع العقارية للمجموعة، طارق عيد، إن التجربة البريطانية تركز بدرجة أكبر على الشفافية وحماية المشتري والمساءلة بعد البيع، من خلال وضع معايير واضحة تحكم مراحل بيع الوحدات والتعاقد والتسليم وخدمات ما بعد البيع، مع إلزام المطور بتوفير معلومات دقيقة للمشتري حول الوحدة والتكاليف والالتزامات المستقبلية.
كما تتيح المنظومة للمشتري اللجوء إلى جهات متخصصة في المشروعات السكنية الجديدة بصورة مستقلة للتعامل مع الشكاوى المتعلقة بجودة البناء أو أداء المطور، إلى جانب استمرار مسؤولية المطور عن خدمات ما بعد البيع.
أي النماذج الأمثل لمصر؟
يرى فكري أن مصر لا تحتاج إلى استنساخ نموذج دولي بالكامل، في ظل اختلاف حجم السوق وعدد المطورين وطبيعة المشروعات وآليات التمويل، وإنما إلى نموذج رقابي هجين يجمع أبرز نقاط القوة في التجارب الدولية.
وأضاف أن النموذج المقترح يجب أن يرتكز على جهة تنظيمية مستقلة وقوية تتولى الترخيص والرقابة والتفتيش ومتابعة المشروعات، مع تطبيق حسابات الضمان تدريجياً، خاصة في مشروعات البيع على الخارطة، وربط استخدام أموال العملاء بمعدلات الإنجاز الفعلية.
ومن جانبها، قالت رئيس مجلس إدارة شركة عمار للتطوير العقاري ورئيس لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بشعبة الاستثمار العقاري، عبير عصام، إن ضبط السوق يتطلب منع بيع المشروعات قبل استيفاء المتطلبات الأساسية المتعلقة بالأرض والتراخيص والتصميمات والقدرة على التنفيذ، بما يتماشى مع فلسفة الترخيص المسبق في “وافي”.
كما دعت إلى إنشاء قاعدة بيانات ومنصة رقمية موحدة تتيح للمواطن التحقق من ترخيص المطور والمشروع، والاطلاع على موقف التنفيذ ونسب الإنجاز، إلى جانب آلية متخصصة وسريعة لفض المنازعات العقارية.
مصر تحتاج إلى تنظيم تدريجي وليس صدمة تنظيمية
وأشار فكري إلى أن تطبيق النموذج الرقابي يجب أن يتم تدريجياً لتجنب زيادة الأعباء على الشركات أو التأثير في الاستثمار والتنفيذ، على أن يبدأ بالمشروعات الكبرى ومشروعات البيع على الخارطة، مع منح الشركات فترة انتقالية لتوفيق أوضاعها.
ويرى عيد أن إصلاح المنظومة يبدأ بترخيص المشروعات قبل البيع من خلال ملف يوضح ملكية الأرض والتراخيص والتكلفة والتمويل والبرنامج الزمني والقدرة على استكمال التنفيذ، إلى جانب نظام إنذار مبكر ومنصة رقمية تتيح متابعة نسب التنفيذ والسيولة وموعد التسليم وتصنيف المشروعات وفق مستويات المخاطر.
ولفت عيد إلى أهمية تنظيم الإعلانات والوسطاء، ومنع الترويج للمشروعات غير المرخصة، مع إنشاء جهاز متخصص لحماية المتعامل العقاري والتعامل السريع مع شكاوى التأخير واختلاف المواصفات والإعلانات المضللة، ووضع آلية لإنقاذ المشروعات المتعثرة عبر إعادة الهيكلة أو تغيير المقاول والإدارة أو نقل المشروع إلى مطور مؤهل قبل اللجوء للعقوبات.
المصدر: العربية نت
