في حصيلة اقتصادية وجماهيرية تعكس اتساع المشاركة وتنامي الاهتمام بالسوق السورية، اختتم معرض دمشق الدولي دورته الثالثة والستين يوم الجمعة الماضي، وسط مساعٍ لاستعادة النشاط الإنتاجي، وتوسيع قاعدة الأعمال، واستقطاب رؤوس الأموال. وتكشف المشاركة المحلية والعربية والدولية الواسعة، إلى جانب تنوع القطاعات والمشروعات التي احتضنتها الدورة، عن اتساع الفرص التجارية والاستثمارية المطروحة في السوق السورية.
وتكتسب هذه الدورة أهميتها من ارتباط مخرجاتها بقطاعات إنتاجية وخدمية متعددة، وما تتيحه من مجالات لتطوير المشروعات وبناء الشراكات وتنشيط حركة التجارة، وتبقى القيمة الاقتصادية لهذه المخرجات مرتبطة بقدرة المرحلة المقبلة على تحويل التفاهمات والعقود إلى مشروعات فعلية، وما يمكن أن تولده من استثمارات وإنتاج وفرص عمل وحركة اقتصادية مستدامة.
وأظهرت النتائج الأولية للدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي، التي أُقيمت على أرض مدينة المعارض بدمشق بين 26 آب و4 أيلول تحت شعار «سوريا تشرق من جديد»، توقيع عقود واتفاقيات ومذكرات تفاهم وطلبات إنتاج وتوريد وتفاهمات تجارية واستثمارية بقيمة تجاوزت 150 مليار ليرة، أي ما يزيد على مليار دولار، مقارنة بمخرجات الدورة الثانية والستين التي قاربت 100 مليون دولار، بنمو يتجاوز عشرة أضعاف خلال عام واحد، وفق بيانات المؤسسة السورية للمعارض والأسواق الدولية.
وشملت المخرجات المعلنة مشروعات واتفاقيات في قطاعات الصناعة والزراعة والنقل والمياه والطاقة والبنية التحتية والسياحة والخدمات اللوجستية، بينها حزمة مشروعات صناعية بمدينة حسياء في حمص بقيمة تقديرية تصل إلى 500 مليون دولار، إلى جانب مشروعات وتفاهمات مرتبطة بمدن باب الهوى والشيخ نجار وحماة والرقة، وتفاهمات اقتصادية وتجارية مع عدد من الدول والشركات العربية والدولية.
كما شهدت الدورة تخصيص الأيام الثلاثة الأولى لرجال الأعمال والمستثمرين والوفود الرسمية، وتنظيم لقاءات ثنائية B2B وB2G بين الشركات والمستثمرين والجهات الحكومية، أسهمت في بحث المشروعات والفرص الاستثمارية وتوقيع الاتفاقيات وبناء شراكات قابلة للتنفيذ، كما شهدت إطلاق منتدى دمشق الاقتصادي العالمي كمنصة اقتصادية تعمل على مدار العام لمتابعة الفرص والتفاهمات التي بدأت خلال المعرض وتحويلها إلى مشروعات منتجة وفرص عمل وصادرات وشراكات طويلة الأجل.
وعلى المستوى الجماهيري، استقطب المعرض نحو 1.4 مليون زائر خلال أيامه، إلى جانب الوفود الرسمية والاقتصادية والشركات والعارضين، بمشاركة نحو ألف جهة محلية وعربية ودولية تمثل قرابة 60 دولة، كما شهدت الدورة عودة الجناح الألماني الرسمي بعد أكثر من أربعة عقود، إلى جانب مشاركة سعودية وتركية وعربية ودولية واسعة، فيما سجلت فعاليات المعرض، وفق إدارة المؤسسة السورية للمعارض والأسواق الدولية، انضباطاً تنظيمياً وأمنياً دون تسجيل مشكلات أمنية.
مؤشر اقتصادي
رأى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، أن توقيع عقود واتفاقيات بقيمة تتجاوز مليار دولار خلال معرض دمشق الدولي الثالث والستين يشكل مؤشراً اقتصادياً مهماً، لما يرتبط بهذه العقود من فرص محتملة للاستثمار والإنتاج وتوفير فرص العمل وتنشيط حركة الأسواق في سوريا، ففي اقتصاد يسعى إلى تنشيط الإنتاج وتوسيع قاعدة الاستثمار، تمثل عودة رؤوس الأموال والمشروعات الجديدة عاملاً أساسياً في تحريك الدورة الاقتصادية، فيما تعكس قيمة العقود المعلنة اتساع الفرص الاستثمارية وإمكانيات البناء عليها عبر تحويل الاتفاقيات إلى مشروعات قيد التنفيذ والإنتاج.
وأوضح سليمان لصحيفة «الثورة السورية» أن أهمية هذه العقود تبرز في حال تحولت إلى مصانع ومشروعات وبنية تحتية وفرص عمل وإنتاج قابل للتصدير، إذ سيتجاوز أثرها عندها بكثير القيمة الاسمية للعقود، لتصبح جزءاً من عملية إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية، أما إذا بقيت الاتفاقيات في إطار التوقيع والإعلان دون تنفيذ ملموس، فإن أثرها سيظل محدوداً.
وأشار سليمان إلى أن توجيه نسبة كبيرة من العقود نحو مشروعات إنتاجية يعزز أثرها في الاقتصاد، من خلال رفع القدرة الإنتاجية وتوفير فرص العمل وتنشيط حركة الأسواق، فالمصانع والمشروعات الزراعية والخدمية ومشروعات البنية التحتية تفتح مجالات جديدة للتوظيف، وتدعم الشركات والقطاعات المرتبطة بها عبر الطلب على المواد والخدمات، بما يوسع دائرة النشاط الاقتصادي، وفي ظل كون البطالة من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصادات الخارجة من الحروب، يؤدي الاستثمار الخاص والعام دوراً أساسياً في خلق فرص العمل، إلى جانب زيادة الإنتاج المحلي ودخول العاملين وتحسين حركة الطلب في الأسواق.
وأضاف أن القيمة المعنوية للعقود الموقعة تضاهي في أهميتها قيمتها المالية، إذ يعكس استعداد المستثمرين للدخول في مشروعات جديدة وجود فرص اقتصادية قابلة للاستثمار، ومع انتقال المشروعات المعلنة إلى مراحل التنفيذ والإنتاج، تتعزز فرص جذب استثمارات إضافية، في ضوء أهمية تجارب المستثمرين في تقييم السوق ومدى سهولة تنفيذ المشروعات وتحقيق العوائد، وتوفر المشروعات الناجحة والشفافة أساساً لبناء الثقة بالسوق السورية وتعزيز جاذبيتها أمام مزيد من المستثمرين.
واعتبر سليمان أن قيمة مليار دولار المعلنة للعقود والاتفاقيات تمثل قيمة إجمالية للمشروعات والتفاهمات المرتبطة بها، فيما يتوزع تنفيذها على فترات زمنية مختلفة وفق طبيعة كل مشروع ومراحله، كما تختلف الاتفاقيات في طبيعتها بين استثمارات ومشروعات تجارية وتوريدية، ما يجعل تدفق الأموال إلى الاقتصاد والخزينة مرتبطاً بمراحل التنفيذ الفعلي، ويقاس الأثر الاقتصادي لهذه العقود بحجم الاستثمارات المنفذة والإنتاج المتحقق وفرص العمل التي تولدها، إلى جانب انعكاساتها على حركة الأسواق والنشاط الاقتصادي.
الأثر المباشر
من جهته، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور خالد تركاوي، أن قوة المعارض عموماً، ومعرض دمشق الدولي خصوصاً، تظهر في أثرها المباشر في تنشيط الاقتصاد داخل دمشق ومحيطها، إلى جانب ما تتيحه من فرص لبناء العلاقات بين التجار، والتي يمكن أن تؤسس لشراكات وعلاقات تجارية طويلة الأمد.
وقال تركاوي لصحيفة «الثورة السورية»: إن عقد الصفقات، المعلنة منها وغير المعلنة، يحمل أهمية كبيرة للاقتصاد الوطني من خلال تحفيز النشاط التجاري والإنتاجي، بما ينعكس على الاستثمار والنمو الاقتصادي.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن تسهيل عقد الصفقات التجارية يمهد لتحولها إلى استثمارات تحتاج بدورها إلى وقت لدخول الاقتصاد والإسهام في نشاطه، فيما يمثل الوصول إلى هذه الصفقات مؤشراً على نجاح المعرض وقدرته على خلق فرص اقتصادية جديدة.
وأوضح تركاوي أن قياس الأثر الاقتصادي المباشر لهذه العقود يحتاج إلى تفاصيل حول طبيعة الصفقات وقيمتها وآليات تنفيذها، مرجحاً أن تأتي نسبة كبيرة منها في سياق استثماري، بما يفتح المجال أمام مزيد من فرص العمل وزيادة النشاط الإنتاجي في سوريا.
وفي السياق ذاته، ربط الخبير التنموي عدنان إبراهيم، أهمية هذه العقود بقدرتها على توسيع الأثر الاقتصادي للمعرض وتحويله إلى منصة للاستثمار والشراكات، مؤكداً أن دلالتها تتجاوز قيمتها المالية إلى ما تعكسه من انتقال المعرض من فعالية تجارية لعرض المنتجات والخدمات إلى منصة لعقد الشراكات واستقطاب رؤوس الأموال وفتح قنوات جديدة أمام التجارة والاستثمار.
وأضاف إبراهيم لصحيفة «الثورة السورية» أن توقيع عقود بقيمة مليار دولار يمكن أن يشكل دفعة مهمة للاقتصاد السوري، خصوصاً عند تحول الاتفاقيات الموقعة إلى مشروعات فعلية تدخل حيز التنفيذ، فالاستثمارات الجديدة قادرة على تحريك مجموعة واسعة من القطاعات، بدءاً من الإنشاءات والطاقة والنقل، وصولاً إلى الصناعة والزراعة والخدمات، كما يمكن لهذه المشروعات أن تسهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط الطلب على المواد الأولية والخدمات المحلية، وزيادة حركة الإنتاج والتجارة، بما يوسع نطاق النشاط الاقتصادي.
وشدد إبراهيم على أن الأثر الاقتصادي لهذه العقود يرتبط بدرجة تنفيذها على أرض الواقع، إذ تتعزز نتائج الاتفاقيات الاستثمارية مع انتقالها إلى مشروعات تدخل مرحلة الإنتاج وتوفر فرص العمل وتولد الإيرادات.
ولفت إلى أن أرقام العقود الموقعة تحمل مؤشرات إيجابية، فيما يرتبط نجاح تنفيذها بتوفر بيئة استثمارية مستقرة وواضحة، وقوانين قابلة للتطبيق، وإجراءات سريعة، وبنية تحتية مناسبة، إضافة إلى آليات فعالة لحماية المستثمرين وضمان حقوق جميع الأطراف، كما يتطلب نجاح المشروعات وضوح مصادر التمويل والجداول الزمنية للتنفيذ، وتحديد آليات المتابعة والرقابة، بما يضمن انتقال الاتفاقيات من مرحلة التوقيع إلى مشروعات قائمة وفاعلة في الاقتصاد.
اختبار فرص العودة
في قراءة أوسع لدلالة هذه العقود على موقع السوق السورية، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن محمد، أن الإعلان عن توقيع عقود ومذكرات تفاهم بقيمة مليار دولار يحمل دلالة رمزية وعملية، إذ يعكس اهتمام أطراف إقليمية ودولية باستكشاف فرص العودة إلى السوق السورية، ويشير إلى قدرة الحكومة على طرح مشروعات قابلة لاستقطاب التمويل رغم الظروف الاقتصادية المعقدة.
وأوضح محمد لصحيفة «الثورة السورية» أن انعكاسات هذه الاستثمارات يمكن أن تظهر على المدى القصير والمتوسط في عدة مسارات، أبرزها تحريك سوق العمل، إذ تستطيع المشروعات بهذا الحجم توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ولا سيما في قطاعات التشييد والبناء والطاقة، بما يسهم في خفض معدلات البطالة ودعم دخول الأسر.
وتمتد الانعكاسات إلى سوق الصرف، مع إمكانية دخول تدفقات من العملات الأجنبية إلى السوق المحلية، الأمر الذي قد يخفف الضغوط على سعر الصرف ويدعم استقرار الليرة السورية، شريطة اقتران هذه التدفقات بسياسات نقدية رشيدة، كما يمكن للاستثمارات الموجهة إلى قطاعات الكهرباء والنقل والمياه أن تسهم في تحسين البنية التحتية ورفع جودة الخدمات الأساسية وخفض تكاليف الإنتاج.
وأشار محمد إلى أن دخول مستثمرين أجانب إلى السوق السورية يمكن أن يعزز ثقة المستثمر المحلي، ويدفع جزءاً من رؤوس الأموال المحلية نحو المشروعات الإنتاجية، بما يدعم النشاط الاقتصادي ويوسع قاعدة الاستثمار.
في المقابل، ترتبط قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق أثر مضاعف بمعالجة مجموعة من التحديات البنيوية، إذ يبقى مبلغ مليار دولار محدوداً مقارنة بحجم احتياجات إعادة الإعمار المقدرة بمئات المليارات، فيما قد تحد الإصلاحات المؤسسية غير المكتملة وضعف الشفافية وتذبذب السياسات النقدية من اتساع أثر الاستثمارات في الاقتصاد، وفق محمد.
وحدد الخبير ثلاثة عوامل رئيسية لتعظيم الأثر الاقتصادي لهذه الاستثمارات، أولها قدرة البيئة القانونية والتشريعية على حماية الاستثمارات وضمان استمراريتها، والحد من مخاطر البيروقراطية والفساد وتغير القرارات، ويتمثل العامل الثاني في اندماج المشروعات مع سلاسل القيمة المحلية، بما يعزز ارتباطها بالاقتصاد الوطني ويوسع امتدادها إلى القطاعات والأنشطة المرتبطة بها، أما العامل الثالث فيتعلق بقدرة الدولة على توجيه جزء من العوائد نحو مشروعات تنموية تخدم الشرائح الأكثر تضرراً، بما يدعم قدراً من العدالة في توزيع ثمار النمو.
وخلص محمد إلى أن مليار دولار يمكن أن يشكل بذرة للتعافي الاقتصادي عند توظيفه ضمن رؤية تنموية شاملة، فيما يتحدد أثره النهائي بقدرة السياسات الاقتصادية على تحويل هذه الاستثمارات إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل مستدامة، بالتوازي مع معالجة الاختلالات الهيكلية التي تحد من استفادة الاقتصاد السوري من تدفقات الاستثمار.
ميساء العلي
المصدر: الثورة السورية
