يمثل الخبز أحد أكثر مكونات الأمن الغذائي حساسية في العالم العربي، أكبر منطقة مستوردة للقمح عالميا، ما يجعل اضطراب موانئ البحر الأسود أكثر من مجرد أزمة تجارية بعيدة. فكل ارتفاع في كلفة القمح المستورد ينتقل إما إلى المستهلك عبر أسعار أعلى، أو إلى الحكومات عبر فاتورة دعم أكبر.
وتزداد حساسية الأزمة في 2026 لأن روسيا وأوكرانيا، وهما من أبرز موردي القمح للمنطقة، تواجهان اضطرابا متزامنا في قدرتهما على التصدير، في وقت تراجعت فيه قدرة أوروبا على لعب دور المورد البديل بسبب ضعف محصولها بفعل الحرارة والجفاف.
وتظهر مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، حجم الانكشاف العربي بوضوح، إذ جاء أكثر من 82% من وارداتها من القمح في النصف الأول من 2026 من روسيا وأوكرانيا، وفقا لبيانات شركة “ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس”.
قمح أغلى وفاتورة أكبر
وبدأت الضغوط تظهر أولا في الأسعار، فقد لامست العقود الآجلة للقمح في شيكاغو أعلى مستوى لها في 3 سنوات، قبل أن تتراجع إلى نحو 7.79 دولارات للبوشل أواخر آب الماضي.
ويقدر المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية أن أسعار القمح أصبحت أعلى بقرابة 25% من مستويات كانون الثاني 2026، لتبلغ أعلى مستوى في عامين.

وبحسب شركة “أوكر أغرو كونسلت” الأوكرانية المتخصصة في تحليلات الأسواق الزراعية، عُرض القمح الروسي بنسبة بروتين 12.5% عند نحو 298.5 دولارا للطن في 26 آب، مقارنة بـ282.6 دولارا في مطلع تموز.
وبالنسبة إلى دول تستورد ملايين الأطنان سنويا من القمح الروسي، فإن زيادة بهذا الحجم تعني ارتفاعا مباشرا في فاتورة الواردات حتى إذا لم تتغير الكميات المشتراة.
وهنا تظهر المعادلة الأكثر حساسية في الاقتصادات العربية، إذ تتحمل الأسر الزيادة عبر ارتفاع أسعار الخبز والمنتجات الغذائية، أو تتحمل الحكومات جزءا منها عبر زيادة الإنفاق على الدعم.
وفي حزيران 2024، رفعت الحكومة المصرية سعر رغيف الخبز البلدي المدعوم من 5 قروش (10% من السنت الأمريكي الذي يشكل 100 منه دولارا واحدا) إلى 20 قرشا (0.39 سنت)، في أول زيادة منذ 1989. وأرجع المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية القرار حينها إلى الاعتماد على الاستيراد وارتفاع أسعار القمح وضعف الجنيه.
وتحاول القاهرة بالفعل الحد من انتقال الضغوط إلى المستهلك، إذ أفادت تقارير إعلامية بأن السلطات المصرية فرضت منذ آذار ضوابط على أسعار الخبز غير المدعوم، ووسعت في منتصف آب برنامجا للدعم النقدي ليشمل مزيدا من السلع الغذائية.
ويفيد المركز الليبي للدراسات الإستراتيجية أن الدول العربية مجتمعة استوردت قرابة 60% من احتياجاتها من الحبوب من روسيا وأوكرانيا، وضمن هذه الدول مصر ولبنان واليمن وتونس.
موردان رئيسان تحت الضغط
وتكمن المشكلة الأساسية في أن أزمة الإمدادات تضرب روسيا وأوكرانيا في الوقت نفسه.
فبحسب وكالة بلومبيرغ، دفعت الضربات الروسية على أوديسا وموانئ أوكرانية أخرى كييف إلى خفض توقعاتها للصادرات الزراعية الأوكرانية بأكثر من النصف.
وفي المقابل، ذكر موقع “موسكو تايمز” الروسي أن الهجمات الأوكرانية على الموانئ والسفن الروسية أدت إلى خروج ما يقدر بنحو 90% من طاقة تصدير الحبوب الروسية عبر البحر الأسود من الخدمة، مع توقف منشآت رئيسية في نوفوروسيسك وتامان.
كما أصبحت حركة الشحن أكثر كلفة وخطورة مع ارتفاع المخاطر على السفن التجارية وشركات التأمين، بينما لا تستطيع البدائل البرية والنهرية تعويض طاقة الموانئ بالكامل.
وتشير شركة “ستاندرد آند بورز غلوبال” إلى أن المصدرين الأوكرانيين الذين يعتمدون على نهر الدانوب يواجهون بدورهم اختناقات وقيودا على الطاقة الاستيعابية.
والنتيجة بالنسبة إلى المشترين العرب أن أحد أقرب وأرخص مصادر القمح في العالم أصبح أقل استقرارا، وأعلى كلفة في الوقت نفسه.
البدائل موجودة ولكن أغلى
ويبقى تعويض قمح البحر الأسود ليس بهذه السهولة، إذ تتزامن اضطرابات الإمدادات الروسية والأوكرانية مع تراجع المحاصيل لدى عدد من كبار المنتجين في العالم.

ويشير المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية إلى الجفاف الواسع في نصف الكرة الشمالي بوصفه عاملا إضافيا وراء ارتفاع أسعار القمح.
وتتوقع وزارة الزراعة الأمريكية انخفاض إنتاج روسيا وأوكرانيا مجتمعتين 11% في موسم 2026-2027، مع تراجع صادراتهما 7%.
وفي أوروبا، خفّضت رابطة “كوسيرال” الأوروبية لتجارة الحبوب تقديراتها لإنتاج القمح اللين في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا إلى 140.8 مليون طن بسبب الحرارة والجفاف الصيفيين، بينما خفّضت وزارة الزراعة الأمريكية تقديرات مخزونات القمح العالمية في نهاية الموسم إلى 272.8 مليون طن.
كما يتوقع أن ينخفض محصول كندا من القمح بنحو 13%.
ونقلت وكالة رويترز عن تجار أن سفينتين كان من المقرر أن تحملا نحو 60 ألف طن من القمح الفرنسي إلى مصر من ميناء لا باليس على الساحل الغربي لفرنسا في 30 آب الماضي، في مؤشر على تزايد أولوية تأمين الإمدادات حتى مع ارتفاع كلفة البدائل.
وتشير “ستاندرد آند بورز غلوبال” إلى أن شراء القمح من فرنسا أو رومانيا أو بلغاريا أو أستراليا يعني عموما رحلات أطول، وتكاليف شحن أعلى.
وتتحرك مصر أيضا نحو عقود أطول أجلا لمشتريات القمح، إذ أفادت مصادر محلية مصرية بأن شركة الظاهرة الإماراتية والمشتري الحكومي المصري وقّعا اتفاقا لـ5 سنوات لتوريد القمح بقيمة 500 مليون دولار.
وتساعد هذه الخطوات على تقليل مخاطر الانقطاع، لكنها لا تلغي الكلفة، بل تنقل الأزمة من سؤال توافر القمح إلى سؤال سعره، وأثره على فاتورة الاستيراد والموازنة.
لا اتفاق يعيد الاستقرار
وفي أزمة 2022، أسهمت مبادرة حبوب البحر الأسود، التي توسطت فيها الأمم المتحدة وتركيا، في إعادة جزء كبير من التدفقات إلى السوق، وهو ما ساعد على تهدئة الأسعار، أما الأزمة الحالية فلا تملك حتى الآن آلية مماثلة.

وبحسب “موسكو تايمز”، لا ترى روسيا سببا لإحياء ممر الحبوب، في ظل استمرار الخلاف بشأن الالتزامات المرتبطة بصادراتها من الغذاء والأسمدة.
وفي المقابل، تسعى تركيا إلى إعادة فتح مسار تفاوضي، إذ نقلت وكالة رويترز عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قوله إن أنقرة أعدت خطة لضمان المرور الآمن للحبوب عبر البحر الأسود، وتجري اتصالات مع روسيا وأوكرانيا.
لكن تفاصيل الخطة والجدول الزمني لتنفيذها لا تزال غير واضحة، ما يعني أن المخاطر اللوجستية والتأمينية ستظل مرتفعة، ما لم تظهر ضمانات فعلية لحركة السفن.
هل المائدة العربية أمام أزمة؟
حتى الآن، لا تشير المعطيات إلى أزمة أمن غذائي شاملة، لكنها تكشف ضغطا متزايدا على كلفة الاستيراد والدعم.
وتقول “ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس” إن مصر تمتلك ما يكفي من القمح لتغطية احتياجاتها حتى نحو شباط المقبل، فيما يستطيع المشترون الكبار انتظار وصول محاصيل نصف الكرة الجنوبي من أستراليا والأرجنتين إلى السوق، وهذا الهامش هو ما يفصل حاليا بين أزمة أسعار وأزمة إمدادات.
لكن استمرار اضطرابات البحر الأسود، بالتزامن مع ضعف المحصول الأوروبي وارتفاع تكاليف الشحن وعدم وجود اتفاق آمن للملاحة، يجعل فاتورة القمح مرشحة للبقاء تحت الضغط.
وبالنسبة إلى الحكومات العربية، تبقى الخيارات الاقتصادية محدودة، إما دفع المزيد مقابل الواردات، أو زيادة الإنفاق على الدعم، أو تمرير جزء من الكلفة إلى المستهلك.
أحمد أبو الطراتبيش
