تعكس مشاركة نحو 1000 جهة وشركة من 60 دولة في معرض دمشق الدولي بدورته الـ63، تنامي الاهتمام الدولي بالسوق السورية، وتحول المعرض إلى منصة لفرص الاستثمار والشراكات الاقتصادية المرتبطة بإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
وتأتي الدورة الحالية، وهي الثانية بعد التحرير، في وقت يشهد فيه الاقتصاد السوري انفتاحاً على المستويين الإقليمي والدولي، ما يمنح المعرض دوراً يتجاوز عرض المنتجات والتعريف بالشركات إلى توفير مساحة مباشرة للقاء المستثمرين والقطاع الخاص والجهات الحكومية، وبحث المشاريع والفرص الاستثمارية ونقل الخبرات والتقنيات.
وكانت الدورة الـ62، التي أقيمت بين 28 آب و5 أيلول 2025، شهدت مشاركة نحو 800 شركة محلية وخارجية من 46 دولة عربية وأجنبية، واستقطبت مليونين و261 ألف زائر، فيما تجاوزت قيمة العقود والاتفاقيات المبرمة خلالها 935 مليار ليرة سورية قديمة.
ونقلت وكالة “سانا” السورية للأنباء عن خبراء اقتصاديون أن ارتفاع عدد الدول والشركات المشاركة في الدورة الحالية، إلى جانب عودة جهات دولية إلى المعرض، يمثل مؤشراً على تحسن صورة السوق السورية واستعادة قطاع الأعمال الدولي جزءاً من ثقته بها، لكنهم يعتبرون أن المؤشر الأكثر أهمية يتمثل في قدرة هذا الحضور على إنتاج اتفاقيات ومذكرات تفاهم ومشروعات قابلة للتنفيذ، ولا سيما في الصناعة والطاقة والبنية التحتية والإنتاج.
عودة الثقة إلى قطاع الأعمال في سوريا
ويعتبر الخبير الاقتصادي سامر منى أن مشاركة نحو 60 دولة في الدورة الـ63 لا تعني زيادة رقمية فحسب، وإنما تعكس استمرار حالة الاستقرار وعودة الثقة إلى قطاع الأعمال في سوريا، خصوصاً مع مشاركة دول وشركات لم تكن حاضرة في الدورات السابقة، ويشير منى إلى أن عودة الشركات الأوروبية، ومنها الشركات الألمانية، تحمل دلالات اقتصادية وسياسية، وتؤكد تنامي الاهتمام الدولي بمستقبل السوق السورية والفرص التي يمكن أن يوفرها الاقتصاد خلال مرحلة إعادة الإعمار.
ويضيف أن هذا الحضور يعكس تحولاً في النظرة إلى سوريا، من سوق استهلاكية بالدرجة الأولى إلى سوق تمتلك فرصاً في الصناعة والطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار، لافتاً إلى أن تنوع القطاعات المشاركة، من الطاقة والصناعات الغذائية والهندسية إلى البناء والتشييد، يعزز هذا التحول.
بوابة لدخول الشركات الأجنبية إلى السوق السورية
ويرى الخبير الاقتصادي فراس شكور أن معرض دمشق الدولي أصبح بوابة فعلية لدخول الشركات الأجنبية إلى السوق السورية، حيث تشارك فيه شركات أمريكية وأوروبية وخليجية وسط اهتمام متزايد بقطاعات استراتيجية، بينها النفط والغاز والبنية التحتية والطاقة والنقل.
ويؤكد شكور أن المرحلة الحالية تفتح مجالاً جديداً للتعاون بين الشركات السورية ونظيراتها الأجنبية، سواء عبر إنشاء معامل ومصانع جديدة، أو الاستفادة من الخبرات والتقنيات العالمية وتدريب الكوادر السورية، إضافة إلى تطوير الصناعات التحويلية والمنتجات النفطية وغيرها من القطاعات، مشيراً إلى أن وجود الشركات الدولية يتزامن مع مشاريع إعادة تأهيل الكهرباء والغاز والنفط والطرق والموانئ وغيرها من البنى الأساسية، ما يوسع نطاق الفرص أمام الاستثمارات والشراكات الأجنبية.
بدوره، يلفت الخبير الاقتصادي حسام عايش إلى أن أهمية اتساع المشاركة لا تقاس بعدد الدول والشركات فقط، وإنما بنوعية العلاقات التي يمكن أن تنشأ بينها، وبقدرة المعرض على تحويل اللقاءات الاقتصادية إلى شراكات واتفاقيات ومشاريع فعلية، ويصف بأن معرض دمشق الدولي بات أقرب إلى “سوق سنوية” للصفقات والشراكات وتبادل الخبرات والتقنيات، بعدما كان يركز بصورة أكبر على عرض المنتجات والتعريف بها، معتبراً أن هذا التحول يجعله نافذة تطل منها سوريا على التطورات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية.
ويكتسب حضور المؤسسات الحكومية إلى جانب القطاع الخاص أهمية خاصة في الدورة الحالية، بحسب عايش، الذي يرى فيه عاملاً يساعد على تعزيز الثقة والشفافية وتسهيل انتقال الاتفاقيات ومذكرات التفاهم من مرحلة التفاوض إلى التنفيذ، موضحاً أن وجود الوزارات والهيئات الحكومية في المعرض يتيح لها التعرف بصورة مباشرة إلى احتياجات المستثمرين والشركات الأجنبية، والاطلاع على التطورات التكنولوجية والقانونية والاقتصادية، بما يمكن أن ينعكس على تطوير السياسات والتشريعات وتذليل العقبات أمام الاستثمار.
ويشير الخبراء الثلاثة إلى أن قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية ستكون من أبرز المستفيدين من هذا التحول، في ظل حجم الاحتياجات المرتبطة بإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
وتشمل الفرص المطروحة إعادة تأهيل الطرق والجسور وشبكات النقل والمياه والصرف الصحي والاتصالات، إضافة إلى الإسكان والمرافق العامة والطاقة الكهربائية والمتجددة، بما فيها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فضلاً عن الصناعات الغذائية والهندسية والقطاعات الإنتاجية والخدمية.
ومنذ انطلاقه عام 1954، شكل معرض دمشق الدولي واحداً من أقدم المعارض الدولية في منطقة الشرق الأوسط، واحتضن على مدى عقود لقاءات الشركات المحلية والعربية والأجنبية، وعروض المنتجات والتقنيات والخدمات، والتعريف بالفرص التجارية والاستثمارية، واليوم، ومع اتساع المشاركة الدولية والحضور الاقتصادي في دورته الـ63، يتجه المعرض إلى أن يكون مساحة لبناء الشراكات وربط الشركات بفرص الاستثمار والمشاريع المتاحة، بما يعزز دوره في دعم التعافي وإعادة الإعمار في سوريا بحسب ما ذكرته الوكالة.
