في الوقت الذي تتغير فيه قواعد سوق العمل بوتيرة متسارعة، لم يعد امتلاك وظيفة واحدة كافياً لكثير من جيل الشباب لتحقيق الاستقرار المالي أو حتى الشعور بالأمان المهني.
وبدلاً من المسار التقليدي للعمل بدوام كامل، يتجه عدد متزايد من العاملين نحو ما يُعرف اليوم بـ”تكديس الدخل”، أي الجمع بين أكثر من وظيفة أو مصدر دخل في وقت واحد لبناء شبكة مالية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة تقلبات الحياة.
تيمكا غومليون تعمل حالياً في وظيفتين؛ الأولى كمضيفة في أحد أماكن الفعاليات، والثانية كمستقبِلة في المركز الطلابي، بينما تواصل في الوقت نفسه دراستها لهندسة الحاسوب في جامعة مقاطعة كولومبيا.

الضرورة المالية
وقالت غومليون البالغة من العمر 35 عاماً إنها تلجأ إلى تعدد الوظائف بدافع الضرورة المالية، مضيفة أنه مع ارتفاع تكاليف المعيشة تتوقع أن تستمر في العمل بأكثر من وظيفة حتى بعد حصولها على مسار مهني يتوافق مع تخصصها.
وتابعت: «وظيفة واحدة ستكون أسهل، لكنني أعلم أنه إذا امتلكت أكثر من وظيفة، فهذا يعني شيكاً إضافياً يمكنني توفيره أو استخدامه كمصروف شخصي».
وتُعد غومليون واحدة من بين عدد متزايد من الأمريكيين الذين يعتمدون أسلوب «تكديس الدخل»، وهو مفهوم يشير إلى العمل في أكثر من وظيفة لبناء استقرار مالي أكبر، سواء عبر عمل جانبي إلى جانب وظيفة أساسية بدوام كامل، أو من خلال عدة وظائف بدوام جزئي، أو عبر أعمال حرة مستقلة.
وبحسب بيانات حكومية، فقد ارتفعت نسبة من يعملون في أكثر من وظيفة خلال السنوات الأخيرة بعد تراجعها خلال جائحة كوفيد-19.
وفي نيسان الماضي، بلغ عدد البالغين الأمريكيين الذين يشغلون أكثر من وظيفة نحو 8.4 مليون شخص، أي ما يقارب 5.2% من إجمالي القوى العاملة، وفقاً لمكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
وقال أندرو غارين، الأستاذ المساعد للاقتصاد في كلية هاينز بجامعة كارنيغي ميلون: “من المهم النظر إلى السياق التاريخي؛ إذ شهدنا خلال فترة كوفيد انخفاضاً حاداً في هذا الرقم إلى مستويات تاريخية متدنية مقارنة بما قبل الجائحة”.
منصات التكنولوجيا
أضاف غارين أن منصات التكنولوجيا لعبت دوراً محورياً في توسيع فرص العمل الجانبي، مثل تطبيقات التوصيل”دور داش” و”أوبر”، ومنصات العمل الحر مثل “فيفرFiverr و”أب وورك” Upwork، إضافة إلى “تاسك رابيت” TaskRabbit لأعمال المهام الصغيرة، فضلاً عن فرص صُنّاع المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأوضح غارين أن “التكنولوجيا فتحت فعلياً نوعاً جديداً من الأعمال الجانبية أمام الكثيرين”.
تكديس الدخل: مهارات إضافية أم ضرورة اقتصادية؟
إلى جانب البعد المالي، يرى بعض العاملين أن تعدد الوظائف يساهم في توسيع خبراتهم المهنية.
فآيدن هو، البالغ من العمر 19 عاماً، يعمل في ثلاثة مشاريع مختلفة في مجال تقنيات الصوت والصورة والبث، بالتوازي مع دراسته لعلوم الحاسوب في كلية مجتمع شمال فيرجينيا.
وقال هو: “بالنسبة لي، العمل في هذه الوظائف يساعدني أساساً في تغطية تكاليف الدراسة، لكنه في الوقت نفسه يعلّمني مهارات جديدة”.
وبحسب استطلاع أجرته شركة “Fiverr” عام 2025، قال 64% من جيل «زد» في الولايات المتحدة إن تعدد مصادر الدخل ضروري لتحقيق الأمان المالي.
كما رأى 55% منهم أن الوظائف التقليدية قد تصبح غير ذات جدوى في المستقبل، فيما أشار 39% إلى أنهم يعملون بالفعل بشكل حر أو يخططون لذلك كمصدر دخل إضافي.
وشمل الاستطلاع 5,001 من أفراد جيل «زد» و2,000 من جيل ألفا داخل الولايات المتحدة، ونُفذ بالتعاون مع مؤسسة “سينساس وايد”.
تسريح الموظفين
ويرى خبراء أن المخاوف المتزايدة من تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، إلى جانب موجات تسريح الموظفين، تدفع كثيرين إلى البحث عن مصادر دخل بديلة كوسيلة تحوط ضد عدم الاستقرار.
وقال بول وولف، الرئيس السابق للموارد البشرية ومؤلف كتاب “البشر أولا” : “أعتقد أن هذا يعكس حالة السوق. لقد كان سوق العمل مضطرباً لفترة ليست قصيرة”.
وأضاف أن الشركات يمكن أن تستفيد أيضاً من ظاهرة تكديس الدخل، إذا ساعدت الوظائف الإضافية الموظفين على تطوير مهارات جديدة.
وشدد وولف على أهمية إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين الموظف وصاحب العمل قائلاً: “عندما يتم فرض القيود، يلجأ الناس إلى إخفاء أعمالهم الجانبية”.
واقترح نهجاً أكثر مرونة: “الأفضل أن يكون هناك إفصاح واضح عما يقوم به الموظف، وإذا ظهرت أي تعارضات يمكن مناقشتها والتوصل إلى اتفاق بشأنها”.
من جهته، قال هو إنه حصل على منحة دراسية ستنتهي بتعيينه في وظيفة بدوام كامل في وزارة الدفاع الأمريكية بعد التخرج، لكنه يطمح رغم ذلك إلى مواصلة العمل في مجال تقنيات الصوت والصورة.
واختتم قائلاً: “في كل مهمة أعمل عليها أتعلم كيف تعمل قطعة معينة من البرمجيات أو الأجهزة”.
المصدر: “سي إن بي سي”
