تعكس الزيادة المتسارعة في حركة الطيران المدني في سوريا مساراً أوسع لاستعادة البلاد روابطها الاقتصادية والتجارية والسياحية مع العالم، إذ يشكل النقل الجوي مؤشراً على مستوى الانفتاح والتواصل مع الأسواق الخارجية، فيما يفتح اتساع شبكة الرحلات والوجهات المجال أمام حركة أكبر للسياح ورجال الأعمال والمستثمرين، وينشط قطاعات مرتبطة بالطيران، منها التجارة والنقل والفنادق والخدمات.
وشهد قطاع النقل الجوي خلال عام 2026 تطوراً متسارعاً بعد سنوات من العزلة في عهد النظام المخلوع، مع توسع شبكة شركات الطيران والوجهات وعودة الرحلات المباشرة مع عدد من المدن الأوروبية، بالتوازي مع تطوير المطارات السورية وإعادة تفعيل مطارات جديدة، وفي مقدمتها مطار دير الزور، إلى جانب خطط لتأهيل مطار اللاذقية وتوسعة مطاري دمشق وحلب، بما يزيد الطاقة الاستيعابية والقدرة على استقبال مزيد من القادمين.
نحو 60 ألف طائرة عبرت الأجواء السورية
أكد رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري، في تصريح خاص لـ«الثورة السورية»، أن حركة النقل الجوي في سوريا شهدت تطوراً متسارعاً خلال عام 2026 مقارنة بعام 2025.
وقال الحصري: «إن قطاع النقل الجوي في سوريا شهد خلال عام 2026 نشاطاً ملحوظاً، سواء على مستوى حركة المسافرين والرحلات عبر المطارات السورية، أو على مستوى حركة الطائرات العابرة للأجواء السورية».
وأضاف أن «أرقام حركة العبور الجوي تعكس هذا التطور بشكل واضح؛ إذ سجلت الأجواء السورية 59,802 طائرة عابرة خلال الفترة من كانون الثاني وحتى تموز 2026، مقابل 14,879 طائرة خلال الفترة نفسها من عام 2025، أي بزيادة تقارب 302 بالمئة، بما يعني أن حركة العبور أصبحت أكثر من أربعة أضعاف ما كانت عليه خلال الفترة المماثلة من العام الماضي».
وأشار إلى أن شهر تموز الماضي وحده شهد عبور 20,315 طائرة للأجواء السورية، مقابل 3,893 طائرة في تموز من عام 2025، بزيادة تقارب 422 بالمئة، مؤكداً أن «هذه المؤشرات تعكس بشكل واضح عودة سوريا إلى موقعها الطبيعي ضمن شبكة النقل الجوي الإقليمية والدولية، ولا سيما أن التحسن لم يقتصر على الرحلات القادمة والمغادرة من المطارات السورية، وشمل أيضاً حركة الطائرات العابرة للأجواء السورية».
وتابع الحصري: «بالتوازي مع ذلك، شهد مطارا دمشق وحلب خلال تموز حركة نشطة، حيث تجاوز مجموع المسافرين عبرهما 309 آلاف مسافر خلال شهر واحد، ما يؤكد النمو المتواصل في حركة النقل الجوي».
رحلات أوروبية من وإلى مطاري دمشق وحلب
وحول أبرز شركات الطيران والوجهات التي عادت للعمل عبر مطاري دمشق وحلب، أوضح الحصري أن المطارين شهدا خلال الفترة الماضية توسعاً ملحوظاً في شبكة الربط الجوي، إذ وصل عدد شركات الطيران العاملة خلال شهر تموز إلى 16 شركة في مطار دمشق و12 شركة في مطار حلب، مع شبكة واسعة من الوجهات العربية والإقليمية والدولية.
وأردف قائلاً: «تُوّجت الجهود التي بذلتها الهيئة خلال الفترة الماضية لإعادة فتح سوريا على محيطها الإقليمي والدولي بعودة الرحلات الجوية المباشرة مع عدد من المدن الأوروبية، حيث بدأت شركة Sundair الألمانية تشغيل رحلات مباشرة بين برلين ودمشق اعتباراً من 15 آب 2026، فيما بدأت شركة LEAV Aviation الألمانية تشغيل رحلات مباشرة بين دوسلدورف ودمشق اعتباراً من 29 تموز 2026، وبين كولون وحلب اعتباراً من 1 آب 2026».
وأكمل: «ننظر إلى عودة هذه الرحلات الأوروبية باعتبارها خطوة مهمة في مسار إعادة بناء شبكة الربط الجوي السورية، ونعمل على أن تتبعها خلال المرحلة المقبلة المزيد من الشركات والوجهات الأوروبية والدولية، بما يعزز حضور سوريا على خارطة النقل الجوي العالمية».
خطة تشمل مطارات دمشق وحلب ودير الزور
وحول الخطط الحالية لزيادة عدد الرحلات والوجهات وتحسين الخدمات في المطارات السورية، قال الحصري: «نعمل على توسيع شبكة النقل الجوي من خلال استقطاب المزيد من شركات الطيران، وزيادة عدد الرحلات، وفتح وجهات جديدة إقليمية ودولية، بالتوازي مع رفع الجاهزية التشغيلية والفنية للمطارات وتطوير الخدمات المقدمة للمسافرين».
واستطرد: «تشمل خطتنا، إلى جانب مطاري دمشق وحلب، إعادة تفعيل وتطوير مختلف المطارات السورية. وفي هذا الإطار، شهد مطار دير الزور الدولي، بعد افتتاحه في 5 آب الجاري، عودة الحركة الجوية، حيث استقبل في اليوم نفسه رحلتين للخطوط الجوية السورية، إحداهما داخلية قادمة من دمشق، والثانية دولية قادمة من الكويت. كما بدأت شركة طيران الجزيرة الكويتية تشغيل رحلاتها المنتظمة والمباشرة إلى دير الزور اعتباراً من 8 آب، بما يعزز الربط الجوي الدولي للمحافظة ويفتح المجال أمام إضافة المزيد من الشركات والوجهات مستقبلاً. واعتباراً من 1 أيلول المقبل، ستبدأ شركة LEAV Aviation الألمانية تشغيل رحلاتها المنتظمة والمباشرة بين كولن ودير الزور».
وقال الحصري: «نعمل بالتوازي على تطوير البنية التحتية للمطارات، وتحديث أنظمة الملاحة والاتصالات والمراقبة الجوية، ورفع مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين، بما يضمن مواكبة النمو المتزايد في الحركة الجوية. وهدفنا بناء شبكة نقل جوي متكاملة تشمل مختلف المحافظات السورية، وتربط سوريا بمحيطها الإقليمي والعالم، وتوفر للمسافر خيارات أوسع وتجربة سفر أكثر سهولة وكفاءة وأماناً».
وعن عودة الحركة الجوية وتأثيرها في السياحة والاقتصاد، أشار رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي إلى أن تنامي الحركة انعكس بصورة مباشرة على أعداد المسافرين وحجم النشاط في المطارات السورية.
وقال: «خلال تموز 2026 وحده، تجاوز عدد المسافرين عبر مطاري دمشق وحلب 309 آلاف مسافر، وهو مؤشر واضح على تنامي الطلب على السفر من وإلى سوريا. وهذا النمو يشير إلى عودة سوريا تدريجياً إلى شبكة النقل الجوي الإقليمية والدولية، بما يسهل حركة السوريين والمغتربين، ويعزز حركة رجال الأعمال والمستثمرين والزوار. كما أن زيادة الرحلات والوجهات تنعكس على قطاعات عديدة مرتبطة بالطيران، وفي مقدمتها السياحة والفنادق والنقل والتجارة والخدمات، وبالتالي فإن تعافي قطاع الطيران يشكل أحد العوامل المهمة في دعم التعافي الاقتصادي الأوسع».
وأضاف: «ننظر إلى قطاع الطيران باعتباره رافعة أساسية للحركة الاقتصادية والسياحية والاستثمارية؛ فكل وجهة جديدة وكل شركة طيران جديدة تدخل السوق السورية تسهم في تعزيز حركة الأشخاص والبضائع، وتوسيع فرص التواصل مع الأسواق الخارجية».
تحديات وإجراءات لمواكبة نمو الرحلات والمسافرين
وحول أبرز التحديات التي تواجه قطاع الطيران حالياً والإجراءات المتخذة لمعالجتها، أوضح الحصري أن التحديات الرئيسية تتمثل في استكمال تأهيل البنية التحتية للمطارات، وتحديث منظومات الملاحة والاتصالات والمراقبة الجوية، ورفع الجاهزية الفنية والتشغيلية، ومواكبة النمو المتسارع في أعداد الرحلات والمسافرين.
كذلك قال الحصري: «نتعامل مع هذه التحديات من خلال مسار متكامل يشمل استكمال أعمال التأهيل والتطوير في المطارات، وتحديث الأنظمة الفنية والملاحية، ورفع كفاءة الكوادر الوطنية، وتعزيز التعاون مع شركات الطيران والمنظمات والجهات الدولية المختصة. وفي الوقت ذاته، تبقى سلامة وأمن الطيران أولوية مطلقة، ولذلك فإن أي توسع في الحركة الجوية يجب أن يترافق مع جاهزية فنية وتشغيلية قادرة على استيعاب هذا النمو وفق المعايير الدولية المعتمدة».
وأكمل: «نتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة إعادة بناء وتطوير شاملة لقطاع الطيران السوري، وقد بدأنا نلمس نتائج هذا العمل من خلال عودة شركات ووجهات جديدة، وعودة الربط المباشر مع أوروبا، وتوسع الحركة في مطاري دمشق وحلب، وافتتاح مطار دير الزور الدولي وعودة الرحلات الداخلية والدولية إليه. وهدفنا في المرحلة المقبلة الانتقال من مرحلة استعادة الحركة الجوية إلى مرحلة التوسع والنمو، عبر المزيد من الوجهات وشركات الطيران والرحلات، إلى جانب مطارات أكثر جاهزية وخدمات أكثر كفاءة، بما يعيد سوريا إلى موقعها الطبيعي على خارطة النقل الجوي الإقليمية والدولية».
سوريا تعود إلى خارطة النقل والاستثمار
من جانبه، أوضح المستشار الاقتصادي أسامة القاضي، في حديث لـ«الثورة السورية»، أن تنامي نشاط قطاع النقل الجوي، ولا سيما في مطاري دمشق وحلب، يشكل دلالة على استعادة سوريا تواصلها مع العالم وعودتها تدريجياً إلى موقعها ضمن منظومة النقل الجوي الإقليمية والدولية، بما يعزز دورها في حركة الاستثمار والتجارة والسياحة.
وأشار إلى أن قطاع الطيران السوري يحتاج إلى استكمال تحديث بنيته التحتية، وتطوير التجهيزات التقنية، وتعزيز عمليات الرقمنة، إلى جانب تأهيل الكوادر العاملة في المطارات، موضحاً أن هذه المتطلبات تتزامن مع خطط توسعة مطاري دمشق وحلب، والعمل على تأهيل مطار اللاذقية خلال المرحلة المقبلة.
وبيّن القاضي أن استكمال هذه المشاريع من شأنه دعم مستقبل حركة الطيران في سوريا، بالتوازي مع الانفتاح التدريجي للمجال الجوي السوري أمام حركة الطيران الدولية، معتبراً أن ذلك يمثل مؤشراً إيجابياً على استعادة سوريا مكانتها كعقدة جوية استراتيجية مهمة في المنطقة.
وأكد القاضي أن حركة العبور الجوي تمثل مورداً اقتصادياً للخزينة العامة، إذ يخضع عبور الطائرات في الأجواء السورية لرسوم توفر إيرادات إضافية يمكن أن تنعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني والمواطنين.
وذكر أن الحركة الجوية في الأجواء السورية سجلت خلال عام 2025 زيادة بنحو خمسة أضعاف مقارنة بعام 2024، بالتزامن مع عودة شركات عديدة إلى مطاري دمشق وحلب وارتفاع عدد الرحلات الجوية.
وأشار القاضي إلى أن المطارات السورية سجلت خلال عام 2025 هبوط نحو 2400 طائرة، في حين تجاوز عدد الطائرات التي هبطت في المطارات السورية حتى آب الجاري 11,800 طائرة، أي بزيادة تقدر بأكثر من 9 آلاف طائرة، مع تركز الجزء الأكبر من هذه الحركة في مطاري دمشق وحلب.
واعتبر أن تحسن أداء مطار دير الزور واستكمال تأهيل مطار اللاذقية سيعززان مكانة سوريا على خارطة النقل الجوي، ويسهمان في تحسين حركة الطيران بصورة عامة، بما ينعكس على أعداد السياح وحجم البضائع المتداولة عبر الاستيراد والتصدير، إضافة إلى تسهيل عودة السوريين إلى بلدهم.
وتوقع القاضي أن تصبح الخطوط الجوية السورية بحلول عام 2030 لاعباً مهماً في سوق النقل الجوي في الشرق الأوسط، وقادرة على المنافسة بصورة أفضل، مشيراً إلى أن استكمال توسعة مطاري دمشق وحلب سيمنح قطاع الطيران السوري طاقات استيعابية كبيرة، إذ يمكن أن تصل الطاقة الاستيعابية لمطار دمشق الدولي إلى أكثر من 31 مليون مسافر، فيما تتجاوز الطاقة الاستيعابية لمطار حلب 15 مليون مسافر بعد إنجاز أعمال التوسعة.
وأشار إلى أن هذه التطورات ستضع سوريا في موقع جيد على خارطة النقل الجوي الإقليمي، وتدعم الحركة السياحية والتجارية، وتتيح توسيع التواصل مع مختلف دول العالم.
مؤشر مهم على التعافي الاقتصادي
ومن زاوية اقتصادية، أوضح نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية، الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، في حديث لـ«الثورة السورية»، أن تنامي الحركة الجوية في سوريا يمثل مؤشراً مهماً على التعافي الاقتصادي، إذ يعكس ارتفاع حركة الطيران تحسناً في سهولة السفر والتواصل وحركة الأشخاص من سوريا وإليها.
ولفت إلى أن آثار عودة النشاط الجوي تتجاوز حركة المسافرين إلى تسهيل حضور المعارض والمؤتمرات والملتقيات الاقتصادية، مؤكداً أهمية استثمار الأرقام والبيانات المرتبطة بتطور حركة الطيران وتحويل هذا النشاط إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وشدد الحلاق على أهمية استقرار جداول الرحلات الجوية وانتظامها، موضحاً أن قدرة سوريا على تحقيق تواصل لوجستي مع مختلف دول العالم، ولا سيما دول الجوار، عبر شبكات النقل البري والجوي والبحري، تشكل عاملاً مهماً في تعزيز النشاط الاقتصادي.
وبيّن أن قطاع الأعمال يحتاج إلى حركة نقل جوي مرنة تتيح لرجال الأعمال السفر وإنجاز أعمالهم المرتبطة بالنشاط الصناعي والتجاري والسياحي، مشيراً إلى أن العديد من المنشآت السياحية والاقتصادية تحتاج بصورة مستمرة إلى تجهيزات ومستلزمات تؤمّن من الخارج، ما يجعل سهولة السفر عاملاً أساسياً لاستمرار النشاط الاقتصادي.
ووفق الحلاق، فإن عودة النشاط السياحي ستترافق، على الأرجح، مع اتساع الحضور الدبلوماسي وافتتاح المزيد من السفارات، بما يسهم في تيسير حركة السفر ومنح التأشيرات إلى وجهات مختلفة، سواء في أوروبا أو شرق آسيا والصين وغيرها، وهو ما يمكن أن يدعم حركة التجارة مع هذه الدول.
وأكد أن النقل الجوي يمثل أحد العوامل الأساسية في تعزيز هذا التواصل، موضحاً أن سهولة السفر تسهم في رفع مستوى الكفاءة والإنتاجية وخفض المصاريف والنفقات المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية.
وذكر أن انخفاض تكاليف الحركة والتنقل يمكن أن ينعكس على مستويات الربحية والتكاليف، ويسهم في خفض تكلفة السلع والخدمات على المستهلك، معتبراً أن مجمل هذه الآثار تحمل انعكاسات اقتصادية إيجابية، وتؤكد أن تنامي حركة النقل الجوي يعد أحد المؤشرات المهمة على مسار التعافي الاقتصادي في سوريا.
ومع استمرار توسعة المطارات وتحديث البنية التحتية وعودة المزيد من شركات الطيران والوجهات، تتزايد فرص تحويل نمو الحركة الجوية إلى قيمة اقتصادية تدعم السياحة والتجارة والاستثمار وتسهّل حركة السوريين والزوار. وتتمثل الأولوية خلال المرحلة المقبلة في الحفاظ على هذا الزخم وترسيخه، عبر رفع الجاهزية الفنية والتشغيلية وضمان أعلى معايير السلامة، بما يمكّن قطاع الطيران السوري من الانتقال من مرحلة استعادة الحركة إلى النمو المستدام والمنافسة إقليمياً ودولياً.
