لم تعد قوة الاقتصادات الحديثة تُقاس فقط بحجم شركات التكنولوجيا العملاقة أو ارتفاع مؤشرات وول ستريت، بل بقدرتها أيضاً على خلق وظائف مستقرة، وبناء طبقة وسطى قوية، وتحقيق نمو يصل إلى المدن الصغيرة كما يصل إلى المراكز المالية الكبرى.
وفي الولايات المتحدة، يتزايد الاقتناع بأن الاقتصاد الأميركي، رغم تفوقه العالمي، بدأ يعاني اختلالات عميقة ظهرت في اتساع فجوة الدخل، وتراجع فرص الطبقة الوسطى، وتآكل القاعدة الصناعية التي كانت يومًا العمود الفقري للقوة الاقتصادية الأميركية.
مؤشرات الخلل
قبل أن يهيمن وباء كورونا على المشهد العالمي، كانت مؤشرات الخلل في نموذج النمو الأميركي قد بدأت بالظهور بوضوح. فسنوات طويلة من النمو غير المتوازن بين القطاعات والمناطق الجغرافية أدت إلى ازدهار صناعات ومدن بعينها، مقابل تراجع مناطق ومجتمعات كاملة خارج دائرة الانتعاش الاقتصادي. وبينما تحولت بعض المدن الأميركية إلى مراكز ضخمة للتكنولوجيا والتمويل، عانت مدن ومقاطعات كثيرة من فقدان الوظائف وتراجع الاستثمارات.
في الوقت ذاته، أصبح سوق العمل الأميركي أكثر استقطابًا؛ إذ ارتفع عدد الوظائف ذات الأجور المرتفعة والمنخفضة، بينما تقلصت الوظائف متوسطة الدخل التي كانت تاريخيًا أساس الطبقة الوسطى الأميركية. هذه التحولات ساهمت في تعميق عدم المساواة الاقتصادية، فيما جاء وباء كورونا ليزيد الوضع سوءًا، مع اتساع الفجوات الاجتماعية والاقتصادية بصورة أكبر.
ويحذر التقرير من أن تجاهل هذه الاتجاهات سيؤدي إلى ترك مزيد من الأميركيين خارج دائرة النمو، وهو ما سينعكس سلبًا على الاقتصاد الأميركي بأكمله.
إحياء قطاع التصنيع
وفي مواجهة هذه التحديات، يطرح التقرير إحياء قطاع التصنيع الأميركي باعتباره جزءًا أساسيًا من الحل. فالقطاع الذي كان لعقود القلب النابض للاقتصاد الأميركي، يمكنه – بحسب التقرير _ أن يلعب دورًا محوريًا في تقليص التفاوتات الاجتماعية وتحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة وشمولًا.
ورغم أن التصنيع لا يمثل اليوم سوى نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي والوظائف، فإنه لا يزال يشكل قوة اقتصادية ضخمة تفوق حجمه النسبي بكثير.
يقود القطاع نحو 20% من الاستثمارات الرأسمالية في الولايات المتحدة، ويسهم في 35% من نمو الإنتاجية، ويمثل 60% من الصادرات الأميركية، إضافة إلى نحو 70% من إنفاق الشركات على البحث والتطوير.
بالرغم من هذا الدور المحوري، لم يحظَ التصنيع الأميركي بالمستوى نفسه من الازدهار الذي شهدته قطاعات أخرى خلال السنوات الأخيرة، فبينما واصل القطاع النمو من حيث الحجم المطلق، تراجعت حصته العالمية إلى 17% فقط مقارنة بـ25% قبل عقدين.
ومع تراجع التصنيع، ارتفعت معدلات عدم المساواة، حتى أصبحت الولايات المتحدة اليوم أكثر اقتصادات دول مجموعة السبع تفاوتًا من حيث توزيع الدخل والثروة.
استعادة النمو
ويشير بحث صادر عن “معهد ماكينزي العالمي” إلى أن استعادة النمو والقدرة التنافسية في 16 صناعة تحويلية رئيسية يمكن أن ترفع الناتج المحلي الإجمالي الأميركي السنوي بأكثر من 15%.
كما أن تعزيز التصنيع يمكن أن يساعد في معالجة أزمات سلاسل الإمداد التي أربكت الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة، سواء عبر تخفيف الاضطرابات قصيرة الأجل التي فاقمتها الجائحة، أو عبر تحسين القدرة التنافسية الأميركية على المديين المتوسط والطويل.

ولا يقتصر تأثير التصنيع على الاقتصاد الكلي فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي أيضًا. فالقطاع الصناعي يضم شركات تحقق قيمة كبيرة للمساهمين، ما يعني أن المستثمرين وأسواق المال مطالبون بإعادة توجيه اهتمامهم نحو هذا القطاع الحيوي.
كما أن تحديث الأصول الصناعية الأميركية يمكن أن يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية بمليارات الدولارات، ليس فقط لتطوير البنية التحتية الصناعية ورقمنتها، بل أيضًا لتحفيز دورة اقتصادية إيجابية داخل المجتمعات المحلية في مختلف أنحاء البلاد.
التفاوتات الجغرافية
ويؤكد التقرير أن زيادة الاستثمارات في التصنيع يمكن أن تسهم في معالجة التفاوتات الجغرافية داخل الولايات المتحدة، خصوصًا في المناطق التي لم تستفد من طفرة التكنولوجيا والخدمات المالية. فالتصنيع يشكل اليوم المحرك الاقتصادي الرئيسي وصاحب العمل الأكبر في نحو 500 مقاطعة أميركية، كما أنه يوظف شرائح واسعة من السكان بصورة أكثر شمولًا مقارنة بقطاعات أخرى.
وفي كثير من الحالات، لا تتطلب الوظائف الصناعية شهادة جامعية مدتها أربع سنوات، بينما توفر في الوقت ذاته أجورًا أعلى من وظائف الخدمات، ما يجعل التصنيع أداة مهمة لتوسيع الفرص الاقتصادية أمام عدد أكبر من المواطنين. ويرى التقرير أن هذه المجتمعات الصناعية تقدم نموذجًا يمكن البناء عليه لإحياء الطبقة الوسطى الأميركية.
كما يمكن لإحياء قطاع التصنيع أن يضيف ما يصل إلى 1.5 مليون وظيفة جديدة، خصوصًا للعمال ذوي المهارات المتوسطة، وهو ما قد يساعد في إعادة التوازن إلى سوق العمل الأميركي وتعزيز الطبقة الوسطى التي تعرضت لضغوط متزايدة خلال العقود الماضية. وباختصار، فإن إحياء التصنيع يعني أيضًا إحياء المجتمعات المحلية التي تضررت من التحولات الاقتصادية.
مساران رئيسيان
بيد أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب – بحسب التقرير – التركيز على مسارين رئيسيين: تحديث الصناعة وتطوير القوى العاملة. فالقطاع الصناعي يشهد تحولات هائلة نحو مستقبل رقمي وآلي ومتقدم وأكثر استدامة، إلا أن العديد من الشركات الصغيرة لا تملك الأدوات أو الموارد الكافية لمواكبة هذا التحول. ولذلك، يحتاج الأمر إلى تعاون واسع بين مختلف القطاعات الاقتصادية لتوفير التمويل والمهارات اللازمة لهذه الشركات كي تتمكن من المنافسة والاستمرار.
ويمكن لقادة القطاعين العام والخاص المساهمة في تحديث المصانع الصغيرة عبر برامج تمويلية ومسرعات أعمال متخصصة تستهدف تعزيز الكفاءة والرقمنة، وفي الوقت ذاته، يتعين على القطاع الصناعي جذب مزيد من المواهب وتطوير مهارات العمال الحاليين، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالتكنولوجيا والرقمنة.
ويشير التقرير إلى وجود عدد قياسي من الوظائف الشاغرة في قطاع التصنيع الأميركي حاليًا. ففي أكتوبر من العام الماضي، تجاوز عدد الوظائف المفتوحة مليون وظيفة، وهو أعلى مستوى مسجل تاريخيًا، ويفوق عدد سكان مدينة سان فرانسيسكو بأكملها.

جذب الكفاءات
ولجذب الكفاءات الجديدة، تحتاج الشركات الصناعية إلى تحسين صورة القطاع لدى العمال والشباب. ويمكن تحقيق ذلك عبر التعاون مع المدارس والجامعات وتمويل برامج التعليم المهني، بما يساعد على تعريف الأجيال الجديدة بالفرص التي يوفرها التصنيع، سواء من حيث الابتكار أو الوظائف المستقرة أو فرص التقدم الوظيفي.
بيد أن جذب العمالة الجديدة وحده لن يكون كافيًا. فرفع مهارات العاملين الحاليين، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا الرقمية، يجب أن يكون أولوية أيضاً، ومن دون ذلك، ستتسع الفجوة بين المهارات التي يمتلكها العمال اليوم وتلك التي تتطلبها الوظائف الحديثة.
ويرى التقرير أن الرقمنة، إذا اقترنت بالتدريب المناسب، يمكن أن تجعل العمل الصناعي أكثر إنتاجية وجاذبية، كما تعزز القدرة التنافسية للصناعة الأميركية.
3 أولويات
ويختتم التقرير بالتأكيد على أن الفرصة قد تكون مواتية الآن لإعادة بناء قطاع التصنيع الأميركي، في ظل تزايد القناعة لدى القطاعين العام والخاص بأهمية دعم صناعة طالما شكلت ركيزة أساسية للاقتصاد الأميركي.
ولكي يستعيد التصنيع مكانته كقوة اقتصادية كبرى، يدعو التقرير إلى التركيز على ثلاث أولويات رئيسية: تشجيع المستثمرين وأسواق المال على توجيه اهتمام أكبر للتصنيع، وجذب المواهب الجديدة وتدريب العمالة لوظائف المستقبل، إضافة إلى تحديث البنية التحتية الصناعية الأميركية ورقمنتها.
ويؤكد التقرير أن نجاح قطاع التصنيع في استثمار هذه اللحظة عبر الابتكار وتنمية المهارات سيقود إلى نمو اقتصادي أكثر استدامة وشمولًا، وفي الوقت نفسه سيعزز القدرة التنافسية للولايات المتحدة على الساحة العالمية.
المصدر: أرقام- ماكنزي
