بعد سنوات من تراجع إنتاج القمح وتأثر المواسم الزراعية بالظروف المناخية والاضطرابات التي شهدتها البلاد، حققت سوريا خلال الموسم الحالي مستوى من الإنتاج مكّنها من الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من القمح، وسط تحسن ملحوظ في الموسم المطري وعودة النشاط الزراعي في مناطق واسعة من محافظات الجزيرة.
وأعاد ارتفاع الإنتاج هذا الموسم ملف القمح إلى الواجهة، بعدما شكّل تأمينه خلال السنوات الماضية تحدياً أمام الجهات المعنية، في ظل الحاجة إلى تغطية الاستهلاك المحلي وتأمين كميات كافية للمطاحن والمخابز وتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي.
وتبحث «الثورة السورية» في العوامل التي أسهمت في تحقيق الاكتفاء الذاتي، وحجم تأثير الموسم المطري وعودة محافظات الجزيرة إلى الخطة الزراعية، إلى جانب دور عمليات التسويق واستلام المحصول في دعم زراعة القمح.
عوامل قادت إلى الاكتفاء الذاتي
وفي هذا السياق، أوضح مدير عام المؤسسة السورية للحبوب، المهندس حسن العثمان، لصحيفة «الثورة السورية»، أن أبرز العوامل التي أسهمت في تحقيق سوريا الاكتفاء الذاتي من القمح هذا الموسم تمثلت في عودة الاستقرار إلى ربوع سوريا، وعودة النازحين إلى أراضيهم واستثمارها، ودمج مؤسسات الدولة مع مؤسسات الزراعة في المحافظات الشرقية، إضافة إلى وفرة الأمطار.
وفيما يتعلق بعودة مؤسسات الدولة إلى محافظات الجزيرة، أوضح العثمان أن المؤسسة السورية للحبوب عملت على دمج المؤسسات في المحافظات الشرقية مع مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أنه خلال فترة قصيرة لا تتجاوز 50 يوماً تمت إعادة تهيئة الصويمعات والصوامع، وفتح المراكز وتزويدها باللوجستيات اللازمة من أدوات مخبرية وغيرها، إلى جانب تنظيم الكادر البشري لعملية الاستلام.
ولفت إلى أن المؤسسة تعمل، حفاظاً على المخزون، على نقل القمح من العراءات في محافظة الحسكة إلى صوامع ومطاحن المحافظات الأخرى، نظراً لوجود فائض في المحافظة، بهدف الحفاظ عليه والاستفادة منه في عمليات الطحن، مشيراً إلى نقل نحو 400 ألف طن حتى الآن.
التسويق يعزز زراعة القمح
وفيما يتعلق بأثر انتظام عمليات استلام المحصول من مختلف المحافظات، أكد العثمان أن تصريف المادة هو أساس في زراعتها، موضحاً أنه لولا وجود تصريف واستلام ودعم من الدولة لمحصول القمح، لما وجد الفلاح مبرراً لزراعة هذه المادة.
وأضاف أن التسويق هو أساس أي منتج، وأن استلام المؤسسة كميات كبيرة من القمح أسهم في دفع المزارعين إلى توسيع المساحات المزروعة، نتيجة ثقتهم بأن الدولة ستشتري محاصيلهم.
وأشار العثمان إلى أن الكميات المستلمة هذا العام، إلى جانب الكميات المخزنة لدى المؤسسة من القمح المستورد، تكفي حاجة سوريا لأكثر من 16 شهراً، أي إلى ما بعد فترة حصاد عام 2027، مع تطلعات المؤسسة إلى موسم وفير خلال العام المقبل.
وأكد أن المؤسسة تواصل استعداداتها وتعمل على توسيع سعاتها التخزينية، بما يتيح استيعاب كامل الكميات المنتجة خلال العام القادم.
وفرة الأمطار تعزز الإنتاج
وفي سياق متصل، أوضح مدير الاقتصاد والتخطيط الزراعي في وزارة الزراعة، الدكتور سعيد إبراهيم، لصحيفة «الثورة السورية»، أن الأمطار كان لها دور كبير في زراعة معظم المساحات المخططة، ولا سيما المساحات البعلية، مشيراً إلى أنها شجعت المزارعين على زراعة محصول القمح بعد التخوف من موسم جفاف مشابه للموسم الماضي، الذي شهدت خلاله سوريا واحدة من أقسى موجات الجفاف، وُصفت بأنها الأسوأ منذ سبعة عقود.
وأضاف أن هطول الأمطار خلال شهر نيسان أسهم بشكل كبير في تحسين الإنتاج والإنتاجية، إلى جانب التحسن الواضح في مخزون السدود المخصصة للري، نتيجة زيادة كمية الوارد المائي بشكل كبير مقارنة بالموسم السابق، موضحاً أن معظم المساحات البعلية خرجت من الإنتاج في الموسم الماضي رغم زراعة كامل المساحات المزروعة.
وبيّن إبراهيم أن النتائج الأولية وتقديرات الإنتاج لهذا الموسم بلغت نحو 3.5 ملايين طن، بحسب البيانات الأولية الواردة من المحافظات، موضحاً أن النتيجة النهائية يجري تقديرها حالياً من خلال نتائج بحث العينة العشوائية الذي يُنفذ بالتعاون مع هيئة التخطيط والإحصاء.
وأشار إلى أن كمية الإنتاج بلغت 1,347,209 أطنان عام 2024، من مساحة بلغت 702,364 هكتاراً، وانخفضت عام 2025 إلى 612,159 طناً من مساحة بلغت 543,744 هكتاراً، فيما بلغت عام 2026، وفق البيانات الأولية، 2,764,575 طناً من مساحة بلغت 1,480,239 هكتاراً.
الحسكة تتصدر المساحات والإنتاج
وفيما يتعلق بعودة محافظات الجزيرة إلى الخطة الزراعية، لفت إبراهيم إلى أن محافظة الحسكة تحتل المرتبة الأولى في المساحات المزروعة بمحصول القمح، إذ بلغت نحو 200 ألف هكتار مروي و363 ألف هكتار بعل، وتشكل هذه المساحات نحو 37.3% من إجمالي المساحات المزروعة بالقمح على مستوى سوريا.
وتابع أن الإنتاج المقدر في محافظة الحسكة بلغ نحو 1.3 مليون طن، ما يشكل نحو 38% من كمية الإنتاج المقدرة، فيما بلغت كمية القمح المسلمة في المحافظة نحو 1,160,000 طن، وتشكل نحو 42% من الكميات المسلمة في باقي المحافظات.
وأوضح أن مسألة انعكاس دخول مؤسسات الدولة إلى محافظات الجزيرة على تنظيم العملية الزراعية وإدخال إنتاجها ضمن الإنتاج الوطني هي من اختصاص مديريتي الزراعة في الرقة والحسكة.
وأشار إبراهيم إلى وجود فروقات واضحة في كميات الإنتاج والمساحات المزروعة خلال هذا الموسم والموسمين السابقين، موضحاً أن هذه الفروقات تظهر نسبة الزيادة في المساحات المنفذة وكميات الإنتاج المقدرة.
وأكد أن مجموعة من العوامل تضافرت للوصول إلى هذا المستوى من إنتاج القمح، وفي مقدمتها وفرة الأمطار وتحسن مخزون السدود.
وأضاف أن من العوامل الأخرى وجود مراكز البحوث الزراعية المتخصصة في استنباط الأصناف المتحملة للإجهادات البيئية وذات الإنتاجية العالية، واستبعاد الأصناف منخفضة الإنتاجية، إضافة إلى دور المؤسسة العامة لإكثار البذار في تأمين الأصناف وفق الخارطة الصنفية وبأسعار تشجيعية، مشيراً إلى أن هذه العوامل مجتمعة كان لها دور في نجاح محصول القمح هذا الموسم والحصول على إنتاج وفير.
الأمطار رفعت إنتاجية القمح البعلي
من جهته، أشار الخبير الزراعي المختص بالاقتصاد والإرشاد الزراعي، المهندس مدحت عنقود، لصحيفة «الثورة السورية»، إلى أن غزارة الأمطار أسهمت بشكل جوهري ومباشر في زيادة إنتاج القمح البعلي، باعتبار أن هذه الزراعة تعتمد كلياً على مياه الأمطار من دون ري إضافي.
وبيّن أن غزارة الهطولات أدت إلى رفع متوسط إنتاجية الهكتار البعلي من مستويات متدنية تتراوح بين 0.5 وطن واحد للهكتار في سنوات الجفاف، إلى ما بين 2 و2.5 طن للهكتار أو أكثر في مناطق الاستقرار الأولى والثانية خلال الموسم الحالي.
وأضاف عنقود أن غزارة الأمطار أسهمت في توسع المساحات المحصودة والحد بشكل كبير من ظاهرة «الجفاف المبكر» أو فشل المحصول، ما جعل معظم المساحات المزروعة بعلاً قابلة للحصاد الفعلي بوفرة عالية.
وفيما يتعلق بما ميّز الموسم المطري الحالي عن المواسم السابقة، أوضح أن الميزة التنافسية لهذا الموسم لم تقتصر على كمية الهطول المباشرة، وإنما شملت التوزيع الزمني والمكاني للأمطار.
وأشار إلى أن التوزيع المنتظم للأمطار تزامن مع المراحل الفسيولوجية الحرجة للقمح، وهي الإنبات والتفرع وامتلاء الحبوب، لافتاً إلى أن استمرار الهطولات حتى أواخر الربيع منع ظاهرة «ضمور الحبوب» التي تحدث غالباً بسبب الموجات الحارة المبكرة، ما رفع وزن الألف حبة وزاد الإنتاجية النوعية.
واعتبر أن غزارة الأمطار انعكست إيجاباً أيضاً على المساحات المروية، من خلال تقليل تكاليف المازوت والكهرباء المخصصة للري، وتوفير مياه الآبار.
الجزيرة ترفع الإنتاج الوطني
وأكد عنقود أن محافظات الجزيرة، وهي الحسكة والرقة ودير الزور، تُعد «سلة غذاء سوريا»، مشيراً إلى أنها تشكل تاريخياً نحو 60 إلى 70% من إجمالي إنتاج القمح السوري.
وبيّن أن إدخال المساحات الواسعة المروية والبعلية ضمن جدول مستلزمات الإنتاج، من بذار وأسمدة ومحروقات، رفع إجمالي الإنتاج الوطني، ونقل الدولة من أرقام إنتاج حرجة كانت لا تتجاوز مليون طن إلى مستويات تقارب أو تتجاوز 2.5 إلى 3 ملايين طن.
وأوضح عنقود أن الأمطار وعودة الجزيرة هما العاملان الأساسيان لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ولكن بشروط، مشيراً إلى أن تحقيق الاكتفاء الذاتي، الذي يتطلب نحو 2 إلى 2.2 مليون طن سنوياً للاستهلاك والبذار، لا يمكن من دون المساحات الشاسعة للجزيرة، كما أن دخول هذه المساحات دون موسم مطري جيد كان سيصطدم بتكاليف الري العالية وشح الطاقة.
ولفت إلى أن الاكتفاء الذاتي لم يكن ليتحقق، وفق تقديره، من دون السياسات السعرية التشجيعية، من خلال تحديد سعر مجزٍ لشراء الكيلو من الفلاحين، وتأمين الحد الأدنى من البذار المحسن والأسمدة، إضافة إلى تسهيل عمليات الاستلام واللوجستيات.
استدامة الاكتفاء تحتاج عوامل إضافية
وأوضح عنقود أنه لا يمكن ضمان استمرار الاكتفاء الذاتي بالاعتماد على الظروف الحالية وحدها، لأن المناخ متغير وغير مضمون، مشيراً إلى أن الاعتماد على الأمطار يتأثر بطبيعة المناخ المتوسطي المتذبذب، وأن أي موسم جفاف مقبل قد يهدد الاكتفاء الذاتي مجدداً إذا ظلت الزراعة البعلية المحرك الأساسي للإنتاج.
وأضاف أن استدامة الإنتاج تتطلب تطوير نظم الري، والتوسع في الري الحديث بالرش والمصاطب، لتخفيض استهلاك المياه ورفع كفاءة المساحات المروية، إلى جانب استنباط أصناف بذار قمح ذات دورة نمو قصيرة ومقاومة للإجهادات المائية والحرارية.
وشدد في ختام حديثه على ضرورة استقرار توفير الأسمدة والمحروقات بأسعار مدعومة للفلاح، لضمان عدم عزوفه عن الزراعة في السنوات العجاف، إضافة إلى استغلال وفرة هذا الموسم لبناء مخزون استراتيجي في الصوامع يغطي احتياجات البلاد لمدة لا تقل عن عامين، لمواجهة أي شح مطري مستقبلي.
وبذلك، تربط الجهات المعنية تحقيق الاكتفاء الذاتي هذا الموسم بارتفاع الإنتاج ووفرة الأمطار وعودة إنتاج محافظات الجزيرة، فيما يرى عنقود أن استمرار هذا المستوى خلال المواسم المقبلة يحتاج إلى تطوير نظم الري وتأمين مستلزمات الإنتاج وبناء مخزون استراتيجي لمواجهة تقلبات المواسم المطرية.
إسماعيل قريان
المصدر: الثورة السورية
القمح السوري من التراجع إلى الاكتفاء.. كيف تحقق وهل يستمر؟
