منازل بلا سكان .. لماذا تتزايد العقارات الشاغرة رغم قفزات الإيجارات؟

زمن القراءة: 9 دقائق

في كثير من المدن، تصل أسعار الإيجارات إلى مستويات تجعلك تعتقد أن كل شقة قد حظيت بساكن، وأن العثور على منزل شاغر أصبح مهمة شبه مستحيلة.
لكن خلف هذه الصورة المزدحمة، تختبئ مفارقة أكثر تعقيدًا، إذ نجد مساكن كثيرة تبقى خالية في أسواق تعاني في الوقت نفسه من ارتفاع تكلفة السكن ونقص المعروض.
فعلى سبيل المثال، يوجد بالعاصمة البريطانية لندن أكثر من 105 آلاف مسكن شاغر بقيمة تتجاوز 40 مليار جنيه إسترليني (54 مليار دولار أمريكي)، في وقت تواجه فيه المدينة أزمة متفاقمة في توفير السكن مع ارتفاع الإيجارات.
وتكشف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حجم هذه المفارقة؛ إذ تشير في أحدث تقاريرها عن الإسكان إلى أن المساكن الشاغرة تمثل 7% على الأقل من إجمالي مخزون المساكن في 21 دولة تتوافر عنها بيانات قابلة للمقارنة.
وترتفع النسبة إلى 10% على الأقل في الدول التي تشمل بياناتها المساكن الموسمية ومنازل العطلات.
وهكذا، لا تبدو المشكلة دائماً في غياب المباني بقدر ما تكمن في وجود مساكن لا تدخل السوق أصلًا.
عقارات تتحول إلى صناديق أمانات
لفهم سبب بقاء بعض الوحدات السكنية الفاخرة خالية لسنوات، علينا أن ننظر إلى العقار من زاوية مختلفة.

ففي النظام المالي العالمي، لم يعد امتلاك شقة في مدينة عالمية كبرى يعني بالضرورة البحث عن مكان للسكن أو حتى تحقيق دخل من الإيجار، بل يمكن أن يكون وسيلة للاحتفاظ بالثروة نفسها.
وبالنسبة إلى أصحاب الثروات الكبيرة والمستثمرين الدوليين، قد تتحول شقة فاخرة في مدينة مستقرة إلى أصل يحتفظون به كجزء من محفظتهم، حتى لو لم تطأها قدم ساكن واحد.
وتقدم لندن مثالًا واضحًا على تحول بعض العقارات من مساكن محتملة إلى أصول استثمارية؛ إذ بلغ عدد المساكن الشاغرة في العاصمة البريطانية 105.1 ألف مسكن في 2025، بزيادة 81% مقارنة بعام 2016.
كما ارتفع عدد المساكن الشاغرة لأكثر من ستة أشهر إلى 47.3 ألفًا، بزيادة 138% خلال الفترة نفسها.
ويشير مجلس لندن صراحةً إلى أن شراء بعض المساكن الجديدة كاستثمارات وتركها خالية، فيما يعرف باستراتيجية “اشترِ واتركه”، يمثل أحد العوامل التي تسهم في بقاء العقارات شاغرة.
وتظهر بيانات مكتب التعداد السكاني الأمريكي أن عدد الوحدات السكنية الشاغرة في الولايات المتحدة بلغ نحو 14 مليون وحدة في 2024.
وفي اليابان، تشير أحدث بيانات رسمية إلى أن هناك نحو 9 ملايين مسكن شاغر في عام 2023، بما يعادل 13.8% من إجمالي المساكن، وكلاهما مستوى قياسي.
وتكشف هذه الأرقام أن ظاهرة العقارات الشاغرة ليست حكرًا على سوق بعينه، بل تظهر حتى في بعض أكثر المدن طلبًا على السكن في العالم.
متى يصبح العقار الفارغ استثماراً؟
قد يتساءل البعض عن السبب وراء تفضيل مالكي العقارات ترك عقار تصل قيمته إلى ملايين الدولارات خاليًا بدلًا من تأجيره، لكن الإجابة تصبح أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى العقار باعتباره أصلًا يمكن أن ترتفع قيمته بمرور الوقت.
وتقدم سنغافورة مثالًا واضحًا على أهمية المكسب الرأسمالي في حسابات مالكي العقارات، فقد ارتفع مؤشر أسعار العقارات السكنية الخاصة في المدينة بنحو 38% خلال الفترة من نهاية 2020 إلى نهاية 2025.
وبالنسبة إلى مالك عقار تبلغ قيمته مليوني دولار، فإن ارتفاعًا تراكميًا بهذه النسبة يعني زيادة نظرية تقارب 760 ألف دولار في قيمة الأصل خلال خمس سنوات، قبل احتساب أي إيرادات إيجارية أو تكاليف تمويل وصيانة وضرائب.
وهذه الحسابات توضح لماذا يمكن أن ينظر بعض المستثمرين إلى العقار باعتباره وسيلة لزيادة ثرواتهم من خلال ارتفاع قيمته، وليس فقط مصدرًا لدخل الإيجار.
ولا يعني ذلك أن ارتفاع الأسعار وحده يبرر ترك العقار خاليًا، أو أن جميع الملاك يتبعون هذه الاستراتيجية، لكنه يوضح الحافز الاقتصادي الذي قد يجعل بعضهم يركز على المكسب الرأسمالي طويل الأجل.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى التحدي نفسه على المستوى الدولي؛ إذ توضح أن الشغور طويل الأجل للمساكن يقلل المعروض من الوحدات المتاحة للبيع أو الإيجار، ويمكن أن يزيد الضغوط على الأسعار في الأسواق التي تعاني بالفعل من قيود في المعروض.
تحديات التأجير قد تترك المباني فارغة
قد يبدو ترك شقة خالية قرارًا غير منطقي؛ فحتى الإيجار المنخفض أفضل من عدم الحصول على أي دخل.
ويقدر مجلس جنوب أوكسفوردشاير أن مسكنًا من غرفتين إذا ظل خاليًا عامًا قد يكلف مالكه 18.9 ألف جنيه إسترليني (25.5 ألف دولار أمريكي) سنويًا بين الإيجار الضائع والضرائب والمرافق والتأمين والإصلاحات.
لكن حسابات بعض الملاك تقول شيئًا مختلفًا، خصوصًا عندما تكون تكلفة التأجير مرتفعة أو عندما يخشى المالك أن يؤدي خفض السعر إلى تثبيت قيمة أقل للعقار لسنوات.
في بعض الأسواق، تبدأ المشكلة من قوانين حماية المستأجرين، ففي نيويورك مثلًا، يمكن أن تستغرق قضايا الإخلاء وقتًا طويلًا، ما يعني أن المالك قد يضطر إلى تحمل تكاليف قانونية وخسارة إيرادات خلال فترة النزاع.
ولا يعني ذلك أن قوانين حماية المستأجرين هي السبب المباشر وراء كل عقار شاغر، لكنها تضيف عنصرًا من المخاطر إلى قرار التأجير، خصوصًا بالنسبة إلى المالك الذي يوازن بين العائد المتوقع وتكلفة إدارة المستأجر.
وفي بعض المدن، لا تتوقف المسألة عند مخاطر الإخلاء، بل تمتد إلى القيود المفروضة على مقدار الزيادة التي يمكن إدخالها على الإيجارات.
ففي كاليفورنيا، يحد قانون الولاية المعروف باسم “قانون حماية المستأجرين” من الزيادات السنوية في الإيجارات لمعظم الوحدات المشمولة بالقانون، بينما تفرض بعض المدن المحلية قيودًا أكثر صرامة على بعض أنواع العقارات.
وحدّث مكتب المدعي العام في كاليفورنيا في يوليو 2026 المعلومات الخاصة بالحد الأقصى للزيادة بموجب قانون حماية المستأجرين، وهو 10% إجمالًا أو 5% مضافًا إليه التغير في تكلفة المعيشة لمعظم الوحدات المشمولة.
وبالنسبة إلى المالك، قد لا يفضل تأجير الوحدة في مثل تلك الأوضاع لأن هذه القيود تعيق قدرته على تعديل السعر مستقبلًا مع تغير ظروف السوق.
لكن هناك سببًا آخر أكثر ارتباطًا بحسابات المستثمرين والمؤسسات العقارية، وهو أن انخفاض القيمة الإيجارية قد يؤثر في قيمة العقار نفسه.
ولهذا قد يفضل بعض مالكي المباني السكنية ترك بعض الوحدات شاغرة مؤقتًا، أو تقديم حوافز مثل شهر مجاني أو إعفاءات محددة، بدلًا من خفض الإيجار الأساسي المسجل في العقد.
عندما تحاول الحكومات إعادة الحياة للمباني الخالية
لجأت المدن بشكل متزايد إلى الضرائب والتنظيمات لجعل الشغور طويل الأجل أكثر تكلفة، وتعد فانكوفر في كندا من أبرز الأمثلة التي تحظى بمتابعة واسعة، إذ ألزمت المدينة ملاك العقارات السكنية بالإفصاح سنويًا عن حالة عقاراتهم ضمن ضريبة المنازل الشاغرة.
ووفقًا للتقرير السنوي للمدينة لعام 2023، انخفض عدد العقارات الشاغرة بنسبة 58% بين عامي 2017 (عندما فُرضت الضريبة) و2023.
كما أفادت المدينة بأن 169.8 مليون دولار كندي (122 مليون دولار أمريكي) جرى تخصيصها لمبادرات الإسكان الميسور التكلفة منذ تطبيق الضريبة.
ورغم النتائج الإيجابية التي حققتها تجربة فانكوفر، تحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن هذه السياسات تتطلب بيانات موثوقة عن حالات الشغور، إلى جانب أنظمة للرصد والتنفيذ.
كما تشير إلى أن التكاليف الإدارية يمكن أن تكون كبيرة، وأن فعالية هذه الضرائب تعتمد بدرجة كبيرة على تصميمها وعلى ظروف سوق الإسكان المحلية.
في النهاية، قد تكون أكثر صورة مضللة في سوق الإسكان هي تلك التي نراها من الشارع: مبنى جميل، نوافذه مغلقة، ولا أحد يفتح بابه.
خلف تلك النوافذ يمكن أن تختبئ أسباب مختلفة تمامًا؛ منزل ينتظر ورثة، وشقة تنتظر مستأجرًا، وعقار يحتاج إلى تجديد.
ولهذا لا تكمن المفارقة في وجود مبانٍ فارغة وسط مدن تعاني نقصًا في السكن فحسب، بل في أن المنطق الاقتصادي الذي يجعل العقار أصلًا ثمينًا قد يكون في بعض الحالات هو نفسه الذي يفصل العقار عن وظيفته الأساسية: أن يكون مكانًا يعيش فيه الناس.
وهنا يتحول السؤال من لماذا لا يؤجر المالك عقاره؟ ليُطرح سؤال الحقيقي: هل صُمم سوق العقارات ليكافئ من يسكن العقار، أم من يحتفظ به؟
المصادر: أرقام- مكتب الإحصاءات الياباني- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- مكتب التعداد السكاني الأمريكي- مكتب الإحصاءات الوطنية في المملكة المتحدة- البنك الدولي- مجلس جنوب أوكسفوردشاير- مجلس مدينة لندن

آخر الأخبار