طفرة الذكاء الاصطناعي .. مكاسب اليوم ومخاطر الغد

زمن القراءة: 11 دقائق

في سباق الذكاء الاصطناعي، قد لا تكون المشكلة فيما تستطيع الآلات إنجازه اليوم، بل في ما قد يعجز البشر عن إنجازه غداً. فبينما تحتفي الشركات والحكومات بالقفزة الهائلة التي حققتها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في رفع الإنتاجية، يلوح في الأفق سؤال أكثر عمقاً: هل نبني اقتصاداً أكثر كفاءة، أم نستهلك تدريجياً الرصيد المعرفي الذي صنع هذه الكفاءة؟
التكنولوجيا التي تختصر سنوات من التعلم والعمل قد تحقق مكاسب سريعة، لكنها في الوقت نفسه قد تحرم جيلاً كاملاً من الخبرات التي لا تُكتسب إلا بالممارسة والتجربة والخطأ. وإذا استمر هذا المسار، فقد يجد العالم نفسه بعد عقدين أمام قوة عاملة أكثر سرعة في إنجاز المهام، لكنها أقل قدرة على الابتكار واتخاذ القرار في المواقف غير المسبوقة.
بداية طفرة اقتصادية
ورغم أن المكاسب التي حققتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في مختلف القطاعات أصبحت حقيقة مدعومة بالأرقام، فإن كثيرين ينظرون إليها باعتبارها بداية طفرة اقتصادية طويلة الأمد ستزداد قوة مع اتساع استخدام هذه التقنيات.
غير أن هذا التصور، بحسب باحثين، يقوم على افتراض خفي بدأ يتآكل، وهو استمرار وجود الخبراء القادرين على توجيه هذه الأدوات والاستفادة منها بأقصى كفاءة. الخبراء الذين يحققون اليوم أعلى مستويات الإنتاجية لم يبنوا خبراتهم بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وإنما قبل ظهوره بسنوات طويلة؛ حيث أمضوا مسيرتهم في تطوير مهارات التفكير النقدي، واكتسبوا القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، وتمييز الإجابات الدقيقة من الخاطئة.
وبعبارة أخرى، فإن الذكاء الاصطناعي لا يصنع هذه الخبرة بل يعتمد عليها. فالقيمة الحقيقية تنبع من وجود أشخاص يمتلكون رصيداً معرفياً تراكم عبر عقود، بينما بدأت البيئة التي أنتجت هذا الرصيد تتغير بسرعة، ما يهدد بتراجع أعداد الخبراء مستقبلاً.
تكوين الخبرة البشرية
على خلاف المخاوف التقليدية التي ركزت على فقدان الوظائف أو اتساع فجوة الدخل، فإن القضية تتعلق بكيفية تكوين الخبرة البشرية نفسها. فالسؤال ليس من سيستخدم الذكاء الاصطناعي، وإنما كيف سيكتسب الجيل الجديد القدرة على التفكير المستقل إذا أصبحت الآلات تنجز الجزء الأكبر من العمل الذهني منذ البداية.
وتوضح الدراسات الحديثة أن الذكاء الاصطناعي يحقق أكبر أثر في الوظائف التي تعتمد على استرجاع المعلومات ومعالجتها، مثل خدمة العملاء والاستشارات والأعمال الروتينية. ففي دراسة شملت موظفي خدمة عملاء بشركة برمجيات أمريكية، ارتفعت إنتاجية الموظفين الأقل خبرة بنسبة 34% عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما كان تأثيرها محدوداً على المحترفين.
سرعة وجودة الأداء
وتوصلت دراسة أخرى أجريت داخل مجموعة بوسطن الاستشارية إلى نتائج مشابهة، حيث ساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين سرعة وجودة الأداء، لكن الفائدة الأكبر ذهبت إلى أصحاب المستويات الأقل، وهو ما يشير إلى أن هذه الأدوات تقلص الفجوة بين المبتدئين والمحترفين في المهام الروتينية.
لكن هذه النتائج تؤكد أن الذكاء الاصطناعي ينقل المعرفة المتراكمة التي أنتجها الخبراء إلى الموظفين الجدد بصورة أسرع؛ فهو يسترجع المعلومات ويقدمها بطريقة سهلة، لكنه لا يخلق القدرة على إصدار الأحكام في المواقف الجديدة أو التعامل مع المشكلات المعقدة التي لا تمتلك حلولاً جاهزة.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين نوعين من العمل المعرفي؛ فهناك أعمال تعتمد على الوصول إلى المعلومات الصحيحة وتطبيقها، وهي البيئة التي يبرع فيها الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل توجد مهام تعتمد على ابتكار فرضيات علمية، أو تصميم تقنيات غير مسبوقة، أو تشخيص حالات طبية نادرة.
“المعرفة الضمنية”
هذه المهام المعقدة لا تعتمد على استرجاع المعلومات فقط، بل تتطلب الإبداع والاستفادة من الحدس المهني، إضافة إلى ما يسميه الفيلسوف مايكل بولاني «المعرفة الضمنية»، وهي المعرفة التي يكتسبها الإنسان بالممارسة الطويلة ولا يمكن نقلها بالكامل عبر الكتب أو التعليمات.
كما أظهرت الدراسات أن أداء الذكاء الاصطناعي يتراجع بوضوح عندما يواجه مسائل تقع خارج حدود المعرفة التي تدرب عليها، ففي تجربة أجريت على مستشارين إداريين، انخفضت جودة الأداء بنحو 19 نقطة مئوية عندما استخدموا الذكاء الاصطناعي في حل مشكلات لم يكن قادراً على التعامل معها بصورة صحيحة.
واللافت أن المشكلة لم تكن في تقديم النظام لإجابات خاطئة فحسب، بل في أن كثيراً من المستخدمين لم يمتلكوا الخبرة الكافية لاكتشاف تلك الأخطاء، فاعتمدوا على إجابات بدت منطقية رغم عدم صحتها.
“الحدود التكنولوجية المتعرجة”

يصف الباحثون هذه الظاهرة بـ«الحدود التكنولوجية المتعرجة»، حيث يصعب على المستخدم معرفة اللحظة التي يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي نطاق كفاءته، ولا يستطيع اكتشاف ذلك إلا من يمتلك خبرة حقيقية في المجال. وتكشف هذه النتائج عن مفارقة مهمة؛ فالذكاء الاصطناعي يقلص الفجوة في أسفل هرم المهارات، لكنه قد يوسعها في قمته.
وتعود خبرة كبار المتخصصين اليوم إلى سنوات طويلة من التدريب المتعمد، وهو المفهوم الذي طوره عالم النفس أندرس إريكسون، ويقوم على مواجهة مشكلات معقدة بصورة متكررة، وتلقي تغذية راجعة مستمرة، والتعلم من الأخطاء حتى تتحول الخبرة إلى قدرة شبه فطرية على اتخاذ القرارات الصحيحة.
المحامي الذي يكتشف ثغرة في عقد بمجرد قراءته، أو اختصاصي الأشعة الذي يشعر بوجود خلل في صورة طبية قبل تحديد موضعه، لم يكتسب هذه المهارات من قراءة الإجابات الجاهزة، بل من سنوات طويلة من المحاولة والخطأ والعمل دون مساعدة.
غير أن هذه المرحلة التعليمية الشاقة أصبحت أقل وضوحاً في بيئة العمل الحديثة، فالمحلل المبتدئ الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لإعداد تقرير قد ينتج عملاً لا يقل جودة عن زميله المحترف، ما يجعل الشركة ترى أن استخدامه أكثر كفاءة، لكن ما لا تظهره مؤشرات الإنتاجية هو أن سنوات العمل الشاق هي التي تصنع الخبير القادر بعد عقد من الزمن على اكتشاف الأخطاء.
النماذج التجارية الحالية
وتزداد المشكلة مع طبيعة النماذج التجارية الحالية، التي صُممت لتقديم الإجابات بسرعة وإرضاء المستخدم، وليس لتدريبه على التفكير المستقل. فهذه الأنظمة تُكافأ كلما قدمت إجابة مباشرة، بينما لا تملك حافزاً لتأخير الإجابة أو دفع المستخدم إلى اكتشافها بنفسه، رغم أن هذا الأسلوب هو الأكثر فاعلية في بناء الخبرة على المدى الطويل.
ويرى المتفائلون أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول إلى أفضل معلم عرفه العالم، من خلال تقديم تعليم فردي لكل طالب أو موظف، وهو ما قد يعوض نقص الخبرة البشرية، استناداً إلى دراسات تربوية أظهرت أن التعليم الفردي يحقق نتائج تتجاوز بكثير أساليب التعليم الجماعي التقليدية.
“محرك إجابات”
لكن الواقع يختلف عن هذه الصورة المثالية؛ فمعظم المستخدمين لا يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مدرباً أو موجهاً، وإنما باعتباره «محرك إجابات». فالطالب يطلب الحل النهائي للمسألة الرياضية، والموظف يطلب فقرة جاهزة للتقرير بدلاً من الحصول على ملاحظات تساعده على تطوير أفكاره، لتتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لاختصار مراحل التعلم.
ويخضع تصميم هذه النماذج في النهاية لاعتبارات السوق؛ فلو رفض أحد الأنظمة إعطاء إجابة مباشرة وقرر توجيه المستخدم خطوة بخطوة، فمن المرجح أن ينتقل المستخدم ببساطة إلى منصة منافسة تقدم له الحل فوراً. لذلك تبقى الفجوة واسعة بين الإمكانات التعليمية للتقنية نظرياً، وطريقة استخدامها عملياً.
خبرة تراكمية
لا تقتصر المخاطر على التعليم، بل تمتد إلى سوق العمل نفسه. فالمكاسب الإنتاجية الحالية تعتمد بدرجة كبيرة على وجود خبراء يمتلكون خبرة تراكمية تمكّنهم من توجيه الأدوات واكتشاف أخطائها، لكن هؤلاء لن يبقوا في سوق العمل للأبد، ومع مرور السنوات سيخرجون للتقاعد ليحل محلهم جيل نشأ في بيئة تعتمد بالكامل على الآلة.
ويحذر الكاتب من أن هذا الجيل الجديد قد يواجه صعوبة بالغة في التعامل مع المشكلات غير المسبوقة، لأن الظروف التي تصنع الخبرة العميقة لم تعد متوافرة. وتكشف دراسات حديثة أن الشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي أصبحت تقلص توظيف المبتدئين مع استمرارها في الاحتفاظ بالخبراء وكبار الموظفين.
الوظائف الأكثر تأثراً
وأظهرت بيانات شملت ملايين العاملين في الولايات المتحدة تراجعاً نسبياً بنحو 16% في توظيف الفئة العمرية بين 22 و25 عاماً داخل الوظائف الأكثر تعرضاً لتأثير الذكاء الاصطناعي، في حين خفضت المؤسسات التي اعتمدت التقنية تعيين الموظفين الجدد بصورة ملحوظة، دون أن تشهد الوظائف العليا تغيرات مماثلة.
ويصف الباحثون هذا الاتجاه بأنه «تحول تكنولوجي منحاز إلى الأقدمية»؛ إذ توقفت الشركات عن تعيين أعداد كبيرة من الخريجين الجدد بعدما أصبحت الأدوات قادرة على إنجاز مهامهم الروتينية. وعلى المدى القصير، يبدو هذا القرار منطقياً لخفض التكاليف، أما على المدى البعيد، فقد يتحول إلى أزمة حقيقية لأن الموظفين الذين لا يتم توظيفهم اليوم هم خبراء المستقبل.
وتزداد المشكلة تعقيداً إذا اتخذت جميع الشركات القرار نفسه في الوقت ذاته، لأن الصناعة بأكملها ستفقد تدريجياً خط الإمداد الذي ينتج الكوادر المتخصصة، وعندها لن تجد أي مؤسسة من تستقطبه عندما تحتاج إلى قيادات جديدة أو أصحاب خبرات متخصصة لإدارة العمليات المعقدة.
كتابة الأكواد
ويضرب الكاتب مثلاً من تاريخ صناعة البرمجيات؛ ففي العقود الأولى للحوسبة، كان المبرمجون يعملون في ظل قيود صارمة تتعلق بسرعة المعالجات، وهو ما أجبرهم على ابتكار خوارزميات عالية الكفاءة. ومع تطور الأجهزة واختفاء القيود، تراجع تدريجياً الحافز إلى تطوير حلول مبتكرة كما كان يحدث في السابق.
ويرى أن الذكاء الاصطناعي قد يحدث أثراً مشابهاً في التفكير البشري؛ فالمشكلات التي كانت تتطلب سابقاً ابتكار أفكار جديدة تجد اليوم حلاً مقبولاً وجاهزاً، وهو ما يقلل الحاجة للبحث عن حلول إبداعية. ويظهر هذا التحدي بوضوح في البرمجة؛ فالذكاء الاصطناعي يجيد كتابة الأكواد بلغات منتشرة مثل «بايثون» لأنه تدرب عليها، لكن إذا ظهرت غداً لغة برمجة جديدة تماماً، فسيعتمد تطويرها كلياً على المبرمجين الذين يمتلكون فهماً عميقاً للمفاهيم الأساسية.
وينطبق الأمر ذاته على مختلف المجالات، إذ تشير تجارب علمية إلى أن القصص التي كُتبت بمساعدة الذكاء الاصطناعي بدت أكثر تشابهاً مع بعضها؛ مما يعني أن التقنية ترفع المستوى المتوسط للأداء لكنها تقلص مساحة الاختلاف والتنوع التي تولد منها الابتكارات الكبرى.
ويخلص الكاتب إلى أن الطفرة الإنتاجية حقيقية، لكنها لن تكون مستدامة إذا استمرت المجتمعات في استهلاك الخبرات المتراكمة دون الاستثمار في بناء خبرات جديدة. فالأمر لا يكمن في تطوير نماذج أكثر قوة، بل في إعادة تصميم منظومات التعليم والتوظيف، بحيث تظل التكنولوجيا وسيلة لبناء الخبرة البشرية لا بديلاً عنها.
المصدر: “بروكينغز”

آخر الأخبار