سوريا ومجموعة “مينافاتف”: الخروج من القائمة الرمادية باستراتيجية وطنية تحصّن الاقتصاد من الجريمة المالية

زمن القراءة: 13 دقائق

بعد الإطاحة بنظام الأسد في كانون الأول 2024، لم يمض وقت طويل حتى بدأت سوريا استعادة حضورها على الساحة الدولية، انطلاقا من التعاون مع دول الإقليم في مجالات متعددة، وفي مقدمتها مكافحة الجريمة والإرهاب.
وانتقلت سوريا من دولة معزولة وخاضعة للعقوبات الدولية إلى شريك فاعل في ملفات أمنية حساسة، وانضمت إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”، الذي تقوده الولايات المتحدة، نتيجة تعاونها الجاد في هذا الملف، وجهودها في مكافحة الإرهاب وتمويله وغسل الأموال، إلى جانب ملاحقة مهربي المخدرات وتجفيف مصادر تمويل التنظيمات المدرجة على قوائم الإرهاب.
وترى الناشطة السياسية ميديا حمدوش، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن سوريا قطعت خطوات مهمة في مكافحة الإرهاب وغسل الأموال، ولا سيما على مستوى تطوير الإطار المؤسسي وتعزيز التعاون مع الجهات الإقليمية والدولية المختصة.
وتوضح حمدوش: “من الطبيعي أن يحتاج هذا المسار إلى تطوير مستمر، والأهم هو وجود إرادة واضحة للمضي في استكمال الإصلاحات وتعزيز الامتثال للمعايير الدولية. فمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لم تعد مجرد التزام قانوني، بل أصبحت ركيزة أساسية لحماية الاقتصاد الوطني، وتعزيز الثقة بالقطاع المالي، وتهيئة بيئة أكثر جذبا للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الخارج”.
وفي هذا الاتجاه، عقد في مقر الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، الخميس الماضي في 23 تموز، اجتماع رفيع المستوى جمع هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وممثلي الجهات الوطنية المعنية مع وفد من مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “MENAFATF”، برئاسة حامد سيف الزعابي.
وبحث المشاركون في الاجتماع متطلبات المرحلة المقبلة، وتعزيز التنسيق بين مختلف الجهات المتخصصة، بما ينسجم مع أفضل الممارسات والمعايير الدولية، في تحول بارز في مسار التعاون المالي الإقليمي لسوريا.
وتعمل مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “مينافاتف” بوصفها منظمة إقليمية تعنى بتعزيز الامتثال للمعايير الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، وتضم في عضويتها دول المنطقة.
وتعد مجموعة العمل المالي “FATF”، التي تأسست عام 1989 بمبادرة من “مجموعة السبع”، هيئة دولية مستقلة تضع المعايير العالمية لحماية النظام المالي من غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح.
ولا يمكن قراءة زيارة وفد مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوصفها إجراء بروتوكوليا عابرا، فهي تمثل خطوة عملية لكسر العزلة الرقابية التي فرضتها الظروف المعقدة على مدى أكثر من عقد ونصف العقد، بحسب الكاتب والباحث الاقتصادي سعد الدين فجيني.
ويرى فجيني أن أهمية الزيارة تتجلى في نقاط جوهرية، من أبرزها كسر العزلة الرقابية وحالة جفاف قنوات التواصل، وتوفير الدعم الفني المتخصص، وتحديث المعايير والمؤشرات الوطنية، ومواءمة الأدلة الاسترشادية الوطنية مع التحديثات الواسعة التي أدخلتها مجموعة العمل المالي الدولية “FATF” على توصياتها الأربعين خلال العقد الماضي، بما يضمن سد الثغرات الرقابية.
أول زيارة للمجموعة منذ عام 2010
اكتسب الاجتماع أبعادا استثنائية، لكونه جاء ضمن أول زيارة رسمية للمجموعة إلى سوريا منذ عام 2010، وفي إطار تعزيز التعاون معها ودعم الاستعدادات الوطنية لعملية التقييم المتبادل التي ستخضع لها سوريا عام 2027.
وتعد عملية التقييم المتبادل إحدى أهم الآليات الدولية لقياس فعالية منظومات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، وفقا للمعايير الصادرة عن مجموعة العمل المالي “FATF”.
ولفت المشاركون إلى أن الزيارة تمثل محطة رئيسية في مسار تعزيز جاهزية الجمهورية العربية السورية لعملية التقييم المتبادل، بما يسهم في دعم الإصلاحات المؤسسية، وترسيخ نزاهة النظام المالي، وتعزيز الثقة والتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بحسب بيان نقلته الوكالة العربية السورية للأنباء “سانا”.
وترى حمدوش أن الاجتماع يمثل خطوة مهمة في مسار إعادة دمج سوريا في المنظومة المالية الإقليمية والدولية، معتبرة أن الالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لم يعد مجرد ملف فني أو مصرفي، بل أصبح أحد المؤشرات الأساسية التي تبنى عليها الثقة بالنظام المالي لأي دولة.
وتشير إلى أن ذلك سينعكس لاحقا على قدرة سوريا على تطوير علاقاتها المصرفية مع الخارج، وتهيئة بيئة أكثر استقرارا لجذب الاستثمارات ودعم عملية التعافي الاقتصادي.
وعلى المستوى السياسي، تحمل هذه الخطوة دلالات مهمة، وفق حمدوش، لأنها تعكس رغبة سوريا في تعزيز حضورها ضمن المنظومة المالية الإقليمية والدولية، وإظهار التزامها بالمعايير المعتمدة عالميا في مجالات الشفافية والحوكمة المالية.
كما تبعث الخطوة برسالة إيجابية إلى الدول والمؤسسات المالية والمستثمرين، مفادها أن سوريا تعمل على بناء مؤسسات أكثر كفاءة وموثوقية، بما يسهم في توسيع التعاون الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.
وشارك في الاجتماع وزراء الداخلية والعدل والاقتصاد والصناعة والمالية والأوقاف والشؤون الاجتماعية والعمل والإدارة المحلية والبيئة والاتصالات وتقانة المعلومات، ورئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، ورئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، ورئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية.
ويرى الباحث سعد الدين فجيني أن مستوى الحضور الحكومي السوري يعكس رسائل سياسية وتدابير مؤسسية شديدة الوضوح إلى المنظومة المالية العالمية، من خلال إظهار الالتزام السياسي الحازم وتعزيز السيادة المالية.
ويقول إن حضور خمسة وزراء أساسيين في المنظومة الرقابية يؤكد وجود إرادة جادة وقرار سياسي حازم للامتثال الكامل والتجاوب مع المتطلبات الدولية.
وتسعى الزيارة إلى بناء ثقة رقابية متبادلة تمهد الطريق لإعادة دمج القطاع المصرفي السوري، العام والخاص، في المنظومة الدولية، بما يسهم بصورة مباشرة في خفض كلفة الحوالات المالية الرسمية الواردة إلى المواطنين، وتسريع زمن معالجتها، والحد من لجوء الأفراد إلى قنوات الحوالات غير المشروعة، وفق حديث فجيني لصحيفة “الثورة السورية”.
إخراج سوريا من القائمة الرمادية
بحسب تصريح صحفي لحاكم مصرف سوريا المركزي ورئيس هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب محمد صفوت رسلان، دار الحوار خلال الاجتماع حول إخراج سوريا من القائمة الرمادية.
وبين رسلان أن الاجتماع رفيع المستوى يعكس التزاما حقيقيا من الحكومة السورية والوزراء المعنيين، ويؤكد وجود تعاون وتنسيق كاملين في هذا الملف المعقد والمهم للمرحلة المقبلة في سوريا.
وأكد أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في سوريا تمثل مسألة بالغة الأهمية، موضحا أن مصرف سوريا المركزي، بالتعاون مع الهيئة والوزارات والمديريات المعنية، يعمل على وضع إطارين زمني وعملي لمعالجة الإشكاليات القائمة في هذا الملف، بهدف الخروج من القائمة الرمادية في أقرب وقت.
وأشار إلى أن تحقيق هذا الهدف سيسهم في انفتاح سوريا وتشبيكها مع المنظومات المالية والمصرفية والاقتصادية العالمية، بما يعود بالنفع الكبير على البلاد.
ولضمان العبور الآمن نحو شطب اسم سوريا من القائمة الرمادية، يرى الباحث سعد الدين فجيني أن على الحكومة تنفيذ حزمة من المتطلبات الفنية والتشريعية الأساسية، تشمل تحديثا تشريعيا شاملا للمرسوم رقم 33 لعام 2005.
ويوضح فجيني: “هذا الإطار بات يتطلب تعديلا جذريا لمواكبة الجرائم المستحدثة، مثل الأصول الافتراضية والعملات المشفرة، وتغليظ العقوبات المالية، والتحديد الدقيق للمستفيد الحقيقي، لمنع الحسابات الوهمية والشركات الواجهية”.
وأكد أهمية تفعيل مخرجات الاستراتيجية الوطنية الجديدة المعتمدة وتطبيق النهج القائم على المخاطر، بالتوازي مع الإسراع في استكمال التقييم الوطني للمخاطر وإصدار نتائجه، بهدف تحديد القطاعات الأكثر عرضة للانتهاكات.
وشدد على ضرورة تعزيز القدرات التقنية للتحليل الجنائي والربط الفوري، من خلال تطوير أدوات البحث والتحري والتحليل المالي لدى وزارة الداخلية والجهات القضائية، وتزويد هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بصلاحيات الربط الإلكتروني اللحظي الكامل بين المصارف والجمارك والوزارات المعنية، بما يتيح تعقب التدفقات النقدية الساخنة بدقة وتجفيف منابع الجريمة المنظمة.
وأكد وزير الداخلية أنس خطاب، خلال الاجتماع، التزام الوزارة بتعزيز التكامل مع المؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين، موضحا دورها في إنفاذ القانون، وملاحقة الشبكات الإجرامية، وتجفيف مصادر تمويلها.
وأشار إلى استمرار العمل على تطوير قدرات وحدات البحث والتحقيق، وتوسيع الاعتماد على التقنيات الحديثة وأساليب التحليل المالي والجنائي، بما يعزز كفاءة المنظومة الوطنية المعنية بمكافحة الجرائم المالية.
وأوضح خطاب أن هذه الجهود تهدف إلى حماية الاقتصاد الوطني، وترسيخ سيادة القانون، ورفع قدرة المؤسسات السورية على مواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والأنشطة المالية غير المشروعة.
آلية عمل سريعة
عبر رئيس مجموعة “مينافاتف” حامد سيف الزعابي عن ارتياحه لمخرجات الاجتماع، مشيرا إلى الاتفاق على آلية عمل سريعة للالتزام بالمعايير، من خلال الاستراتيجية الوطنية لمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي أطلقت الثلاثاء الماضي، وعبر التقييم الوطني للمخاطر الذي بدأ العمل عليه بالتنسيق مع الجهات المعنية، وبوجود هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب منسقا وطنيا.
وكان رئيس هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب محمد صفوت رسلان قد أطلق، الثلاثاء الماضي، ورشة عمل بعنوان “نحو استراتيجية جديدة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح في سوريا”، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “UNDP”.
وحضر الورشة وزراء الداخلية أنس خطاب، والعدل مظهر الويس، والمالية محمد يسر برنية، والاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار، والاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل.
وأكد رسلان، في كلمة خلال إطلاق الورشة، أن “إعداد هذه الاستراتيجية لا يقتصر على صياغة وثيقة جديدة، بل يمثل فرصة لترسيخ رؤية وطنية مشتركة، وتوحيد الجهود بين جميع الجهات المعنية، بما يضمن رفع كفاءة منظومة المكافحة وتعزيز التنسيق والتكامل المؤسسي”.
وشدد على أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح أصبحت اليوم “ركنا أساسيا من أركان الاستقرار الاقتصادي والمالي، وعنصرا رئيسيا في حماية الاقتصاد الوطني، وتعزيز نزاهة النظام المالي، وترسيخ الثقة بالمؤسسات، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار والتنمية المستدامة”.
تحصين الاقتصاد
وخلال إطلاق الاستراتيجية، قال رسلان إن سوريا تؤكد التزامها المستمر بتطوير منظومتها الوطنية بما ينسجم مع المعايير الدولية، وفي مقدمتها توصيات مجموعة العمل المالي “FATF”، مع مراعاة الأولويات الوطنية وخصوصية البيئة المؤسسية.
وأشار إلى العمل على استكمال الإصلاحات التشريعية والمؤسسية والفنية، وتعزيز فعالية منظومة المكافحة، بما يدعم جهود سوريا لاستيفاء المتطلبات الدولية والخروج من القائمة الرمادية في أقرب وقت ممكن، عبر العمل الجاد والتنفيذ الفعال والتعاون الوثيق بين جميع الجهات الوطنية.
واعتبر الممثل المقيم بالإنابة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا روحي الأفغاني أن “هذه الاستراتيجية تأتي في سياق أولويات سوريا الجديدة، بعد أكثر من عقد من العزلة المالية، إذ شهدت هذه الفترة رفعاً تدريجياً لمعظم العقوبات الدولية، وعودة تدريجية للاستثمار والتجارة، إلى جانب مؤشرات مبكرة على التعافي الاقتصادي”.
وأضاف الأفغاني أن الاستراتيجية تشكل “الإطار الذي يعيد توجيه التدفقات تدريجيا نحو القنوات الرسمية، ويحصن الاقتصاد السوري من المخاطر، من خلال نظم مالية شفافة تحظى بالثقة الوطنية والدولية، وتسهم في دعم مسار الخروج من القائمة الرمادية”.
وأكد رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عامر العلي، الجمعة، أنه لا مكان لغسل الأموال في سوريا الجديدة، مشيرا إلى وجود شراكة فاعلة بين الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش وهيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وسلطات إنفاذ القانون.
وأشار إلى التعاون مع وفد مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “MENAFATF”، ومشاركة عدد من الوزارات والهيئات ذات الصلة، بهدف دعم عملية التقييم المتبادل.
وأوضح العلي، في تدوينة عبر منصة “إكس”، أن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش تنظر إلى جريمة غسل الأموال بوصفها جريمة عابرة للحدود ووليدة للفساد، وتشكل غطاء غير مشروع لمتحصلات الجريمة والفساد.
وأكد السعي الحثيث للوقاية من هذه الجريمة عبر فرض رقابة فاعلة ومنع أشكال الفساد كافة، وصولا إلى تحقيق الحوكمة والتنمية المستدامة التي تلبي تطلعات الشعب السوري وتضحياته.
وختم الباحث سعد الدين فجيني حديثه بالتأكيد أن “الاستجابة للمتطلبات الدولية للامتثال ليست مجرد التزام قانوني أو ترف إداري، بل هي ضرورة حتمية لحماية الاقتصاد الوطني، وصيانة الأمن القومي المالي، وبناء شبكة أمان اقتصادية تضمن لسوريا مكانا طبيعيا وموثوقا على الخريطة المالية العالمية، وتمهد لجهود إعادة الإعمار والتعافي الشامل”.
أغيد أبو زايد
المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار