معركة الجيو .. كيف يغير الذكاء الاصطناعي قواعد الظهور الرقمي؟

زمن القراءة: 9 دقائق

حين تتوقف محركات البحث عن عرض الروابط وتبدأ في تقديم الإجابات، يصبح السؤال الأهم: كيف تضمن العلامات التجارية أن تكون جزءاً من تلك الإجابات؟
هذا التحول لم يعد مجرد توقعات مستقبلية، بل واقع يتشكل بسرعة مع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تعيد رسم ملامح البحث على الإنترنت، وتفرض على المسوقين وصناع المحتوى قواعد جديدة للوصول إلى الجمهور.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم تحسين الظهور في محركات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative Engine Optimization – GEO) أو “الجيو” باعتباره المرحلة التالية بعد تحسين محركات البحث التقليدية (SEO)، في وقت لا تزال فيه «غوغل» تحتفظ بموقعها المهيمن، وإن كانت تواجه تحديات متزايدة من منصات الذكاء الاصطناعي.
موجة تغيير
يرى جوش لوهر، مدير تحسين محركات البحث في شركة “كونتينتفول”Contentful، أن قطاع البحث الرقمي يمر بأكبر موجة تغيير منذ أكثر من 15 عاماً.
خلال العام الماضي وحده شهدت الصناعة سلسلة من التطورات المتلاحقة، بدءاً من تسريب وثائق داخلية مرتبطة بخوارزميات «غوغل»، مروراً بإطلاق ميزة “أيه آي أوفرفيوز” Overviews AI ثم “أيه آي مود”AI Mode، وصولاً إلى تحديثات الخوارزميات التي أثرت بشكل ملحوظ في أداء المواقع المستقلة والناشرين وشركات التسويق بالعمولة.
ويشير لوهر إلى أن هذه المرحلة تشبه إلى حد كبير ما حدث عام 2011 عندما أوقفت «غوغل» إتاحة بيانات الكلمات المفتاحية للمسوقين، وهو القرار الذي أحدث آنذاك حالة من الارتباك في أوساط خبراء تحسين محركات البحث.
بيد أنه يؤكد أن الفارق اليوم يتمثل في أن التغيير أكثر عمقاً، لأن مستقبل البحث أصبح مرتبطاً مباشرة بالذكاء الاصطناعي.
إجابات مولدة بالذكاء الاصطناعي
تعمل ميزات AI Overviews وAI Mode على تقديم إجابات مولدة بالذكاء الاصطناعي في أعلى صفحة نتائج البحث، بحيث يحصل المستخدم على ملخص مباشر للإجابة دون الحاجة إلى زيارة مواقع الإنترنت المختلفة.
ومع استمرار تحديثات «غوغل» لمكافحة المحتوى منخفض الجودة والرسائل المزعجة، أصبحت البيئة الرقمية أكثر صعوبة أمام العديد من المواقع التي كانت تعتمد على الزيارات العضوية كمصدر رئيسي للجمهور.
وفي ظل هذه التحولات، ظهر مفهوم GEO أو تحسين الظهور في محركات الذكاء الاصطناعي، والذي يُعرف أيضاً باسم تحسين محركات الإجابة (Answer Engine Optimization – AEO) .
ويختلف هذا المفهوم عن تحسين محركات البحث التقليدية، إذ لا يركز على رفع ترتيب صفحة ويب ضمن النتائج العضوية، بل يهدف إلى جعل العلامة التجارية أو الكيان المعرفي جزءاً من الإجابات التي تولدها نماذج الذكاء الاصطناعي.
تحسين المحتوى
يشرح لوهر أن تحسين محركات البحث التقليدي يركز على تحسين المحتوى حتى يظهر في النتائج الأولى عند البحث، بينما يسعى GEO إلى بناء حضور قوي لكيان معين داخل قواعد المعرفة التي تعتمد عليها نماذج اللغة الكبيرة، بحيث تتمكن من التعرف إليه والاعتماد عليه بوصفه مصدراً موثوقاً عند صياغة الإجابات.
ويُقصد بالكيان هنا شخص أو شركة أو منتج أو خدمة أو مفهوم يمكن لنموذج الذكاء الاصطناعي التعرف إليه وربطه بمعلومات دقيقة وثابتة. بدلاً من السعي فقط إلى تصدر نتائج البحث، تصبح الأولوية أن يجيب روبوت المحادثة بثقة عند سؤاله عن شركة أو منتج معين، مستنداً إلى بيانات موثوقة ومتسقة.
كما يختلف الهدف النهائي بين النهجين؛ ففي حين يسعى SEO إلى جذب نقرة من المستخدم تقوده إلى موقع إلكتروني، يعمل GEO على جعل العلامة التجارية جزءاً من الإجابة نفسها، خاصة مع تزايد اعتماد المستخدمين على المحادثات المتسلسلة مع روبوتات الذكاء الاصطناعي بدلاً من تنفيذ عمليات بحث منفصلة.
تطور تجربة البحث
في السياق ذاته، يؤكد لوهر أن التحول الحالي لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة تطور طويل في تجربة البحث على الإنترنت.
مع مرور الوقت، أصبح محرك «غوغل» الذي اشتهر في بداياته بواجهة بسيطة وسريعة، أكثر ازدحاماً بالإعلانات والعناصر التفاعلية والصناديق المعلوماتية، وهو ما أفسح المجال أمام منصات الذكاء الاصطناعي لتقديم تجربة أكثر بساطة تعتمد على إجابة مباشرة وسريعة.
ويضرب مثالاً بمنصة “تشات جي بي تي” ChatGPT التي توفر للمستخدم إجابة فورية دون الحاجة إلى التنقل بين عشرات الروابط، معتبراً أن هذا الأسلوب يعيد إلى الأذهان البساطة التي كانت تميز «غوغل» في سنواتها الأولى.
ومع ذلك، يشير إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تزال عرضة للأخطاء، مستشهداً بالواقعة الشهيرة التي اقترح فيها نظام Gemini إضافة الغراء إلى البيتزا، وهي إجابة أثارت موجة واسعة من الانتقادات وأظهرت أن هذه النماذج ليست معصومة من الخطأ، رغم استمرار تطورها بوتيرة متسارعة.
هيمنة “غوغل”
ورغم الضجة الكبيرة التي تحيط بمنصات الذكاء الاصطناعي، يؤكد لوهر أن الحديث عن تراجع هيمنة «غوغل» لا يزال سابقاً لأوانه. فبحسب بيانات مطلع عام 2025، سجلت «غوغل» أكثر من 14 مليار عملية بحث يومياً، مقابل نحو 37 مليون عملية فقط عبرChatGPT، أي أن حجم عمليات البحث على «غوغل» يزيد بنحو 373 مرة مقارنة بالمنصة المنافسة.
وتوضح هذه الأرقام أن «غوغل» ما زالت الوجهة الرئيسية للبحث عبر الإنترنت، إلا أن ازدياد تعقيد صفحات النتائج وكثرة الإعلانات والعناصر البصرية يدفع شريحة متنامية من المستخدمين إلى تجربة بدائل تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تماماً كما انتقل المستخدمون قبل سنوات من «ياهو» إلى «غوغل» بحثاً عن تجربة أبسط وأكثر سرعة.
وفي المقابل، تكشف البيانات أن الزيارات القادمة من محركات الذكاء الاصطناعي لا تزال أقل بكثير من الزيارات القادمة من البحث التقليدي، إذ يشير لوهر إلى أن البحث التوليدي يرسل زيارات تقل بنحو 91% عن البحث التقليدي، بينما تنخفض الزيارات القادمة من روبوتات المحادثة بنسبة تصل إلى 96% مقارنة بمحركات البحث.
جودة الزيارات
ورغم هذا التراجع الكبير في حجم الزيارات، فإن جودة هذه الزيارات تبدو أعلى، فالمستخدم الذي ينتقل من إجابة مولدة بالذكاء الاصطناعي إلى موقع إلكتروني يكون قد أنهى بالفعل معظم مراحل البحث والمقارنة، وهو ما يرفع احتمالات اتخاذه قراراً بالشراء أو التسجيل أو تنفيذ الإجراء المطلوب، ويجعل قيمة كل زيارة أعلى من ذي قبل.
ومن هنا، يرى لوهر أن التركيز على عدد الزيارات وحده لم يعد مؤشراً كافياً لقياس النجاح، بل ينبغي تقييم القيمة التي يحققها كل زائر، ومدى مساهمته في زيادة التفاعل أو المبيعات أو بناء العلاقات مع العملاء.
ويضيف أن قياس أداء GEO لا يزال يمثل تحدياً كبيراً، نظراً لغياب منصة موحدة أو مؤشرات قياس مستقرة كما هو الحال في عالم تحسين محركات البحث. ومن ثم، ينصح المسوقين بتبني مجموعة من المؤشرات البديلة، تشمل متابعة عدد مرات ظهور العلامة التجارية داخل إجابات نماذج اللغة الكبيرة، ومراقبة نمو عمليات البحث التي تحمل اسم العلامة التجارية، وربط الأداء بمؤشرات التفاعل وجودة العملاء المحتملين بدلاً من الاكتفاء بحجم الزيارات.
شركات ناشئة وأدوات متخصصة
كما يشير إلى أن السوق يشهد حالياً ظهور شركات ناشئة وأدوات متخصصة تهدف إلى قياس حضور العلامات التجارية داخل منصات الذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يسهم مستقبلاً في تطوير معايير أكثر دقة لتقييم الأداء.
ومن أبرز الظواهر المرتبطة بهذا التحول ما يعرف بـ”الإنترنت بلا نقرات” (Zero-Click Internet) ، حيث يحصل المستخدم على الإجابة مباشرة من صفحة البحث أو من روبوت المحادثة دون زيارة أي موقع إلكتروني.
ورغم المخاوف التي أثارتها هذه الظاهرة لدى الناشرين وأصحاب المواقع، يؤكد لوهر أن غياب النقرات لا يعني غياب التأثير، لأن المستخدم قد يتعرف إلى العلامة التجارية ويكوّن انطباعاً إيجابياً عنها حتى دون الدخول إلى موقعها.
وختاماً، يؤكد لوهر أن مستقبل التسويق الرقمي لن يقوم على المفاضلة بين SEO وGEO، بل على دمجهما ضمن استراتيجية واحدة. فبعض المستخدمين سيواصلون البحث بالطريقة التقليدية والتنقل بين الروابط، بينما يفضل آخرون الحصول على إجابة مباشرة من الذكاء الاصطناعي.
ولذلك تحتاج الشركات إلى بناء حضور قوي في كلا المسارين، لأن المنافسة لم تعد تدور حول احتلال المرتبة الأولى في نتائج البحث فقط، بل حول أن تصبح المصدر الذي تعتمد عليه أنظمة الذكاء الاصطناعي عند صياغة الإجابة نفسها.
ومع استمرار تطور نماذج اللغة الكبيرة، يبدو أن معركة الظهور الرقمي ستنتقل تدريجياً من سباق على الروابط إلى سباق على الثقة والمصداقية داخل منظومة الذكاء الاصطناعي.
المصدر: موقع “كونتينفول”

آخر الأخبار