أكدت مواقع ومعاهد دراسات أن الإمارات ترسم خريطة جديدة للتجارة العالمية في ظل التحولات الحالية التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وذكر المعهد الإيطالي للدراسات السياسية، أن الإمارات باتت عقدة لا غنى عنها في التجارة العالمية، مشيراً إلى أن التحديات الجيوسياسية الإقليمية الراهنة، أثبتت الرؤية الاستباقية للدولة، التي مكنتها من تطوير إحدى أكثر المنظومات اللوجستية تطوراً في العالم، كما نجحت في تحويل الترابط إلى درع استراتيجية للتحوط ضد حالة عدم اليقين، من خلال التنويع وتعدد البدائل.
وأضاف المعهد أنه قبل وقت طويل من اندلاع التوترات الإقليمية الحالية، بدأت الدولة بالاستعداد لسيناريوهات طالما أثارت مخاوف الاقتصادات الكبرى، والمتمثلة في اضطراب طرق التجارة الخليجية، وتدفقات الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، لتتعامل مع مفهوم الترابط والتواصل الجغرافي، ليس كهدف اقتصادي فحسب، بل كركيزة أساسية لاستراتيجية الأمن القومي وبناء المرونة الوطنية.
منظومات لوجستية
وقال المعهد: على مدى العقد الماضي، طورت الإمارات واحدة من أكثر المنظومات اللوجستية تطوراً في العالم، دامجةً الموانئ والممرات، وبنية الطاقة التحتية، والشبكات الرقمية، والاتفاقيات التجارية في استراتيجية جيو-اقتصادية موحدة.
ويهدف هذا التوجه – وفقاً لتقرير المعهد الإيطالي للدراسات السياسية – إلى ترسيخ مكانة الدولة كعقدة لا غنى عنها في التجارة العالمية، تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وتابع: ترتكز هذه الاستراتيجية على مبدأ التنويع، فإدراكاً منها لنقاط الضعف المرتبطة بالاعتماد المفرط على طريق أو شريك واحد، ضخت الدولة استثمارات هائلة في ممرات بديلة، قادرة على العمل بكفاءة خلال فترات عدم الاستقرار الإقليمي.
ويعد تطوير البنية التحتية للساحل الشرقي ركيزة هذا التوجه، حيث توفر موانئ الفجيرة وخورفكان وصولاً مباشراً إلى خليج عمان والمحيط الهندي، ما يقلل الاعتماد على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وتتكامل هذه الموانئ مع خط أنابيب النفط الخام في أبوظبي، المعروف بخط «حبشان-الفجيرة»، والذي ينقل بين 1.5 و1.8 مليون برميل من النفط الخام يومياً، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل، مع خطط لتحديث هذه البنية التحتية، لمضاعفة القدرة التصديرية للنفط عبر الفجيرة بحلول عام 2027، استجابة لأي إغلاقات محتملة للمضيق.
وقال المعهد: بالتوازي مع ذلك، وسعت الإمارات بصمتها اللوجستية العالمية عبر مشغلين دوليين، مثل مجموعة «موانئ دبي العالمية» و«مجموعة موانئ أبوظبي»، ليتحول دور الدولة من مركز نقل إقليمي، إلى فاعل لوجستي عالمي عابر للقارات.
ومحلياً، عزز مشروع قطار الاتحاد الربط الداخلي بين المناطق الصناعية والموانئ والمراكز الحضرية، واضعاً الأساس للتكامل المستقبلي مع شبكة السكك الحديدية الخليجية.
وتنعكس ضخامة هذه الاستثمارات في الأداء الاستثنائي لقطاع الخدمات اللوجستية، حيث يواصل ميناء جبل علي وميناء خليفة، تسجيل نمو كبير في الإنتاجية، بينما يحافظ مطار دبي الدولي على صدارته العالمية.
وقد تعززت هذه البنية التحتية بسياسات تجارية مرنة، أبرزها برنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة.
ولم تقتصر استراتيجية المرونة على البنية التحتية المادية، بل امتدت لتشمل الفضاء الرقمي، الذي بات يعامل كبنية تحتية وطنية حيوية، توازي الموانئ وخطوط الأنابيب، فقد صُممت مبادرات مثل «استراتيجية الحكومة الرقمية 2025»، و«الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031»، لتحديث الخدمات العامة، وجعل الدولة مركزاً إقليمياً للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتخزين البيانات.
وفي عام 2025، أصبحت الإمارات نقطة هبوط رئيسة للكابلات البحرية الدولية، ووجهة مفضلة لاستثمارات مراكز البيانات الضخمة، وهو ما تبلور في مشاريع ضخمة، مثل مجمع «ستارجيت الإمارات للذكاء الاصطناعي»، ما يعكس اندماج الممرات المادية مع ممرات البيانات، لضمان البقاء في قلب الشبكات الاقتصادية العالمية.
خطى ثابتة
من جهته، أكد موقع «ساوث تشاينا موريننج بوست» الصيني أن الإمارات ترسم خريطة جديدة للتجارة العالمية، وأنها تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها مركزاً محورياً عالمياً للتجارة، مستندة إلى رؤية استراتيجية تهدف إلى مواصلة تعزيز تجارتها الخارجية التي تتجاوز قيمتها تريليون دولار سنوياً من التجارة غير النفطية.
وذكر الموقع أن الموانئ الإماراتية الكبرى، وفي مقدمتها ميناء جبل علي وميناء خليفة، تؤدي دوراً حيوياً في ربط الأسواق الآسيوية والأوروبية، لتشكل بذلك الممر اللوجستي الأهم والأكثر كفاءة على مستوى العالم.
وفي إطار سعيها المستمر لتطوير بنيتها التحتية المتقدمة وضمان أعلى مستويات المرونة في سلاسل الإمداد، تتبنى الدولة خططاً طموحة لتنويع مساراتها التجارية وشبكاتها اللوجستية، بما يضمن استدامة تدفق البضائع وتعزيز تنافسيتها وجاذبيتها الاستثمارية على المدى الطويل.
وتتضمن هذه الرؤية الاستباقية توجيه استثمارات استراتيجية ضخمة لتطوير قدرات موانئ الساحل الشرقي للدولة، مثل موانئ خورفكان والفجيرة ودبا، إلى جانب خطط لإنشاء مرافق لوجستية جديدة بالكامل.
وفي هذا الصدد، أشار معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير دولة للتجارة الخارجية، إلى أن هذه الخطط المدروسة تمثل خطوة نوعية لضمان تنويع الخيارات اللوجستية وتوسيع نطاق الشبكة التجارية الإماراتية، مؤكداً أن الدولة ماضية بقوة في تنفيذ خططها التوسعية لتقديم خيارات لا حصر لها لحركة التجارة العالمية.
وتستهدف هذه الخطوات رفع السعة الاستيعابية لموانئ مثل خورفكان، الذي يتحضر لرفع طاقته إلى 5 ملايين حاوية نمطية، لتتكامل بسلاسة مع القدرات الهائلة لميناء خليفة البالغة 10.5 ملايين حاوية، وميناء جبل علي الذي يستوعب 19 مليون حاوية.
وتمثل المنظومة الاقتصادية المتكاملة التي أسستها الإمارات، لا سيما حول ميناء جبل علي والمنطقة الحرة التابعة له، نموذجاً عالمياً فريداً نجح في جذب نحو 40 % من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة إلى الدولة.
وتؤكد مجموعة موانئ دبي العالمية، التي تتصدر قائمة مشغلي الموانئ عالمياً، أن ريادة ميناء جبل علي تنبع من كونه شبكة متكاملة تدمج بين عمليات التصنيع، والتخزين، والوصول السريع إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
وتتيح هذه المنظومة المترابطة للعملاء خيارات واسعة ومرنة تحقق التوازن المثالي بين التكلفة والكفاءة.
ويتوافق هذا التوجه مع الرؤية المستقبلية لقطاع الشحن، حيث أشار فريد بلعوباب، الرئيس التنفيذي لشركة «جلفتاينر» المشغلة لميناء خورفكان، إلى أن التجارة العالمية تشهد تغيراً نوعياً، فالعملاء يبحثون اليوم عن حلول سلسلة إمداد ذكية ومتكاملة، وهي الميزة الاستثنائية التي تواصل الإمارات تطويرها لتأكيد موقعها بوابة تجارية أكثر تطوراً وموثوقية في العالم.
المصدر: البيان
الإمارات ترسم خريطة جديدة للتجارة العالمية
