بجرّة قلم واحدة خلف الأبواب المغلقة في وايت هول بلندن، تبخرت استثمارات صينية تجاوزت المليار ونصف المليار دولار أمريكي داخل الأراضي البريطانية.
ففي 16 يوليو الجاري، دخل قانون (تأميم صناعة الحديد والصلب) حيز التنفيذ، لتنتزع الحكومة البريطانية ملكية شركة بريتيش ستيل التي يعمل بها نحو 2700 عامل من مجموعة جينغيي الصينية وتحولها إلى أصل حكومي.
لم يتأخر الرد من بكين؛ إذ خرجت وزارة التجارة الصينية في بيان حاد يتهم لندن بطعن قواعد الاستثمار الحرة وتدميرها “تحت قناع الأمن القومي”.
لكن القضية لم تكن مجرد خلاف بين مستثمر أجنبي وحكومة مضيفة، بل عكست تحولًا أوسع في طريقة تفكير الحكومات تجاه الاقتصاد.
فبعد عقود من الخصخصة وتقليص دور الدولة، بدأت دول عديدة تعود إلى امتلاك شركات استراتيجية أو فرض سيطرتها عليها، بحجة الأمن الاقتصادي، واستمرارية سلاسل الإمداد، وحماية الصناعات الحيوية.
بريطانيا لم تكن حالة استثنائية؛ ففي السنوات الأخيرة، اتخذت فرنسا وألمانيا ودول أخرى خطوات مشابهة للسيطرة على شركات تعمل في قطاعات الطاقة والنقل والصناعة.
وجاء هذا بعد أن كشفت جائحة كورونا، وأزمة الطاقة الأوروبية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، هشاشة الاعتماد المفرط على الأسواق العالمية في توفير المنتجات والخدمات الأساسية.
ووسط هذا التحول، يبرز سؤال جوهري: هل أصبحت الحكومات تتراجع عن السوق الحرة عندما تصبح المصالح الاستراتيجية للدولة على المحك؟ أم أن التأميم أداة تلجأ إليها الحكومات لتحقيق أهداف خاصة بحجة الأمن القومي؟
الأمن الاقتصادي يتقدم على كفاءة السوق
لم يعد مفهوم الأمن الاقتصادي يقتصر على حماية الحدود أو تأمين احتياطيات النقد الأجنبي، بل توسع ليشمل الحفاظ على الصناعات الحيوية وسلاسل الإمداد والقدرة الإنتاجية المحلية.
وساهمت جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، في كشف هشاشة اعتماد الاقتصادات الكبرى على الخارج في توفير منتجات استراتيجية، بدءًا من أشباه الموصلات ووصولًا إلى الطاقة والصلب.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن السنوات الأخيرة شهدت توسعًا ملحوظًا في استخدام الحكومات للأدوات الصناعية والاستثمارية لحماية القطاعات الحيوية.
في المقابل، تؤكد منظمة التجارة العالمية أن القيود التجارية والإجراءات المرتبطة بالأمن القومي سجلت مستويات غير مسبوقة مقارنة بما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
ولم يخفِ رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” البعد الاستراتيجي للقرار، مؤكدًا أن تأميم الشركة جاء من أجل “حماية مستقبل صناعة الصلب البريطانية وحماية الوظائف الماهرة”.
فالمملكة المتحدة كانت مهددة بأن تصبح الدولة الوحيدة ضمن مجموعة السبع التي لا تمتلك قدرة تشغيلية لإنتاج الصلب الأولي باستخدام الأفران العالية، وهو ما اعتبرته الحكومة خطراً على الأمن الصناعي والقدرة الدفاعية للبلاد.
فقبل أن تفرض الحكومة البريطانية ملكيتها العامة الكاملة على شركة بريتيش ستيل، ضخت الحكومة 377 مليون جنيه إسترليني (الجنيه يعادل 1.34 دولار أمريكي) لدعم العمليات حتى يناير 2026، بحسب مكتب المراجعة الوطني البريطاني.
وجاء ذلك في ظل توقعات بأن تتجاوز التكاليف 1.5 مليار جنيه إسترليني بحلول عام 2028، لمجرد تجنب الإغلاق المفاجئ والفوضوي لقاعدتها الصناعية.
فالسماح لأفران صهر الحديد في سكانيثورب بالانهيار كان سيجعل المملكة المتحدة معتمدة بالكامل على الأسواق الخارجية لتأمين الصلب الإنشائي الضروري لسككها الحديدية، ومعداتها الدفاعية، وبنيتها التحتية المدنية الحيوية.
الطاقة.. القطاع الذي أعاد الدولة إلى الواجهة
شهد قطاع الطاقة موجة واسعة من عودة الدولة إلى الملكية المباشرة خلال السنوات الأخيرة، ففي فرنسا، استحوذت الحكومة في عام 2023 على كامل أسهم شركة إلكتريسيتيه دي فرانس، أكبر منتج للكهرباء في البلاد، بعدما كانت تمتلك بالفعل نحو 84% من الشركة.
وبلغت تكلفة شراء الحصة المتبقية نحو 9.7 مليار يورو (اليورو يعادل 1.1 دولار أمريكي)، في خطوة جاءت ضمن رؤية الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” لتعزيز سيادة بلاده الاقتصادية، وتقليل التعرض لاضطرابات أسواق الطاقة.
وتوفر هذه الشركة نحو 70% من الكهرباء في فرنسا عبر أسطولها النووي، وهو ما جعل الحكومة تعتبر السيطرة الكاملة على الشركة ضرورة لضمان تنفيذ استراتيجيتها للطاقة على المدى الطويل، خاصة بعد اضطرابات أسواق الطاقة الأوروبية عقب الحرب في أوكرانيا.
وسلكت ألمانيا مسارًا مشابهًا، وإن كان في ظروف مختلفة، ففي نهاية عام 2022 استحوذت الحكومة الألمانية على نحو 99% من شركة يونيبر إس إي، أكبر مستورد للغاز الروسي سابقًا، بعدما تعرضت لخسائر ضخمة نتيجة توقف الإمدادات الروسية.
وبلغت قيمة حزمة الإنقاذ الحكومية أكثر من 50 مليار يورو، لتصبح واحدة من أكبر عمليات الإنقاذ في تاريخ الشركات الألمانية.
ورأت برلين أن انهيار الشركة كان سيهدد أمن الطاقة في أكبر اقتصاد أوروبي، ولذلك فضلت تحمل تكلفة ضخمة لحماية استقرار سوق الكهرباء والغاز، بدلاً من ترك الشركة تواجه الإفلاس.
وفي أمريكا اللاتينية، اتخذت الأرجنتين نهجًا مشابهًا عندما أممت شركة النفط واي بي إف في 2012، مبررة القرار بضرورة تحقيق السيادة على موارد الطاقة، حيث لا تزال الدولة تمتلك الحصة المسيطرة في الشركة حتى اليوم، بينما يظل القرار محل جدل اقتصادي وقانوني.
الإنقاذ المالي… دافع آخر للتدخل
وفي بعض الحالات لا يصل تدخل الدولة إلى التأميم الكامل، وإنما يأخذ شكل الملكية الحكومية المؤقتة لإنقاذ شركات تعتبر “أكبر من أن تفشل”.
ففي الولايات المتحدة، ورغم تبنيها لاقتصاد السوق، تدخلت الحكومة خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008 لإنقاذ شركات عملاقة اعتبرتها “أكبر من أن تفشل”.
وقدمت الحكومة الأمريكية حزمة دعم إجمالية لشركة أيه أي جي بلغت نحو 182 مليار دولار، كما دعمت شركتي جنرال موتورز وكرايسلر ضمن برنامج إنقاذ القطاع المالي البالغة قيمته 700 مليار دولار.
ورغم أن الحكومة الأمريكية أعادت لاحقًا بيع معظم حصصها، فإن التجربة رسخت مبدأ مفاده أن الدولة قد تتحول إلى مالك مؤقت عندما ترى أن انهيار شركة معينة سيهدد الاقتصاد بأكمله.
ورغم تزايد لجوء الحكومات إلى التأميم أو السيطرة المؤقتة على الشركات، فإن نجاح هذه السياسة لا يحظى بإجماع اقتصادي.
فبينما يرى مؤيدوها أنها توفر للدولة القدرة على حماية القطاعات الحيوية خلال الأزمات، يحذر منتقدوها من أن استمرار الملكية الحكومية لفترات طويلة قد يضعف الكفاءة التشغيلية ويزيد الأعباء على المالية العامة.
ويؤكد البنك الدولي أن المؤسسات المملوكة للدولة تؤدي أدوارًا مهمة في العديد من الاقتصادات، خاصة في قطاعات الطاقة والنقل والمرافق العامة، إلا أن أداءها يعتمد بدرجة كبيرة على جودة الحوكمة ووضوح الأهداف التجارية وعدم خضوعها للتدخلات السياسية.
لذلك، لا يعد التأميم في حد ذاته ضمانًا للنجاح أو سببًا للفشل، وإنما تتحدد نتائجه وفقاً لطريقة الإدارة والإطار التنظيمي الذي تعمل في ظله الشركة.
التأميم الانتقائي… تدخل أضيق ونطاق أوسع
لم تعد الحكومات تتجه إلى التأميم الشامل كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، وإنما أصبح تدخلها يتركز في قطاعات محددة ترتبط بالأمن الاقتصادي.
ويظهر ذلك بوضوح في بيانات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، التي تشير إلى استمرار توسع الدول في آليات فحص الاستثمارات الأجنبية؛ إذ أصبح أكثر من 120 اقتصادًا يطبق أنظمة لمراجعة الاستثمارات لأسباب تتعلق بالأمن القومي أو الأمن الاقتصادي.
ويبرز قطاع الرقائق باعتباره أحد أبرز الأمثلة على هذا الاتجاه، إذ أطلقت الولايات المتحدة في عام 2022 قانون الرقائق والعلوم بقيمة 52.7 مليار دولار لدعم تصنيع الرقائق محلياً.
كما أقر الاتحاد الأوروبي في العام التالي قانون الرقائق الأوروبي بهدف مضاعفة حصة أوروبا من إنتاج أشباه الموصلات عالميًا إلى 20% بحلول 2030.
ورغم أن هذه الإجراءات لا تمثل تأميمًا مباشرًا، فإنها تعكس الفلسفة ذاتها، وهي استعداد الدولة للتدخل عندما يتعلق الأمر بصناعة استراتيجية.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن تصاعد المنافسة الجيوسياسية دفع الحكومات إلى توسيع استخدام السياسات الصناعية والاستثمارية لحماية القطاعات الاستراتيجية.
ورصدت المنظمة أكثر من 2500 إجراء للدعم الصناعي حول العالم خلال عام 2023، مقابل أقل من 500 إجراء سنوياً في النصف الثاني من العقد الماضي، مع توقع استمرار هذا الاتجاه في ظل احتدام المنافسة التكنولوجية والصناعية بين الولايات المتحدة والصين.
وبعد عقود ارتبط فيها نجاح السياسات الاقتصادية بتقليص دور الحكومات، أعادت الأزمات العالمية رسم الأولويات، لتصبح بعض الصناعات في نظر الدول أصولًا استراتيجية تتجاوز كونها أنشطة تجارية، بما يستدعي التدخل المباشر لحمايتها وضمان استمراريتها.
المصادر: أرقام- مجلس الوزراء البريطاني- وزارة الأعمال والتجارة البريطانية- صندوق النقد الدولي- البنك الدولي- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- منظمة التجارة العالمية- منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية- وزارة الاقتصاد الألمانية- وزارة الخزانة الأمريكية- وكالة رويترز- مكتب المراجعة الوطني البريطاني
