أبرزها سوريا.. واشنطن تكشف عن برنامج استراتيجي لبدائل مضيق هرمز بالتنسيق مع 5 دول إقليمية

زمن القراءة: 14 دقائق

منذ أواخر شباط الماضي، الذي شهد بدء تبادل الضربات بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران، وما تسبب به ذلك لاحقا من تأثير خطير في سلاسل إمداد الطاقة العالمية وغيرها من الشحنات عبر مضيق هرمز، من خلال إغلاقه كليا، أو السماح لبعض الناقلات بالعبور وفق شروط معينة تفرضها طهران، أو الإعلان عن فتحه بموجب اتفاقات قابلة للتطبيق، ثم الانقلاب السريع عليها، شرعت دول وشركات شحن عدة في البحث عن حلول استراتيجية ومسارات بديلة للحد من الارتهان لهذا الممر المائي ولمن يتحكمون به.
وأعلن “الحرس الثوري الإيراني”، في الثاني عشر من تموز الجاري، إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة حتى إشعار آخر، فيما صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد ذلك بيوم، بأن الولايات المتحدة ستفرض الحصار البحري على إيران مجددا، وستضمن بقاء مضيق هرمز مفتوحا، لكن مقابل رسوم.
وجاء ذلك بعد أن تبادل الجانبان الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، ما ألقى كثيرا من الشكوك على إمكانية العودة إلى مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين في السابع عشر من حزيران الماضي.
ومع تصاعد التوترات في هرمز مجددا، حذر الأمين العام لـ”المنظمة البحرية الدولية” أرسينيو دومينغيز من أن الوضع الحالي داخل المضيق لا يزال بالغ الخطورة، مؤكدا أن عبور السفن التجارية أصبح ينطوي على مخاطر كبيرة.
وأشار إلى أن الشركات المالكة للسفن مطالبة بتقييم المخاطر قبل اتخاذ قرار الإبحار عبر المنطقة، ولا سيما في ظل حالة عدم اليقين والتوترات المتزايدة التي تهدد حركة التجارة الدولية.

وخلال انعقاد أعمال “قمة الأعمال الأميركية – العراقية” في واشنطن، الجمعة 17 تموز الجاري، أعلن المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توماس باراك، في كلمة له، أن الولايات المتحدة تعمل، بالتنسيق مع خمس دول في المنطقة، بينها سوريا، على برنامج للانتقال إلى مسارات بديلة لمضيق هرمز، تقوم على مبدأ “التسليم الاحترازي” .
وأوضح باراك أن قطاع الصناعة والأعمال يشكل “الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق الاستقرار والتنمية”، لافتا إلى أن “المنطقة شهدت خلال الفترة الماضية تحولات كبيرة”، ومبينا أن “ما بدا حالة من الارتباك والفوضى، في ظل التطورات المرتبطة بإيران، أفضى في الواقع إلى إعادة تشكيل التحالفات الأمنية والاستراتيجية” .
وفي حديث لصحيفة “الثورة السورية”، يقول أحمد رمضان، رئيس حركة العمل الوطني: “لا شك أن سوريا مرشحة لأن تصبح العقدة البرية الأهم في المشرق، ونقطة التقاء مسارات الطاقة والتجارة والاتصالات بين الخليج وتركيا وأوروبا، وبين الجزيرة العربية وشرق المتوسط، كما أن موقعها يمنحها دور “دولة عبور” (Transit State)، إذ تربط بين تركيا باعتبارها بوابة أوروبا، والسعودية باعتبارها بوابة إفريقيا وغرب آسيا”.
مفهوم التسليم الاحترازي
يشير مفهوم “التسليم الاحترازي”، الذي أعلنه المبعوث الأميركي باراك، إلى استراتيجية أميركية تهدف إلى بناء مسارات برية وشبكات نقل بديلة، من أجل تفادي الاعتماد على الممرات المائية والمضائق، مثل هرمز، في إطار خطة إقليمية تستمر عامين، لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد.
ووفق باراك، فإن واشنطن ستعمل مع كل من سوريا والأردن وتركيا ولبنان ومصر على إنشاء مسارات بديلة، اعتمادا على مبدأ “التسليم الاحترازي”، وجعل نموذج النقل البحري عبر الممرات المائية الضيقة مسألة ثانوية.
وشدد على أن هذه الخطوة تأتي ضمن توجه أوسع لإيجاد بدائل لطرق الإمداد والتجارة، بما يعزز مرونة سلاسل النقل والطاقة في المنطقة.
وفي ما يتعلق بـ”التسليم الاحترازي” والانتقال من حماية الممرات المائية إلى إنشاء بدائل برية، يذكر رئيس حركة العمل الوطني أن هذا المفهوم يقوم على تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، مثل مضيق هرمز، عبر إنشاء شبكة من خطوط الأنابيب، والسكك الحديدية، والطرق البرية، وخطوط الكهرباء، والألياف الضوئية، بحيث تصل السلع والطاقة إلى وجهتها عبر أكثر من مسار.
ويضيف أنه بدلا من إنفاق العالم موارد ضخمة على حماية ممر بحري واحد معرض للأزمات، مثل مضيق هرمز أو باب المندب، يصبح الهدف إنشاء منظومة إقليمية متعددة المسارات، بحيث لا يؤدي إغلاق أي نقطة إلى تعطيل حركة التجارة والطاقة.
ويتابع أنه، في هذا السياق، تبرز سوريا باعتبارها الحلقة التي تربط الخليج والعراق والأردن بتركيا وأوروبا من جهة، وبموانئ شرق المتوسط من جهة أخرى، ما يجعلها مرشحة طبيعية لأن تكون مركزا لعبور النفط والغاز والكهرباء والاتصالات.
المكاسب المحتملة للدول المشاركة
تشمل المكاسب الاستراتيجية المحتملة للدول المشاركة في المشروع المزمع تعزيز الاستقلال الاقتصادي، من خلال تقليل مخاطر الاعتماد الأحادي على الممرات المائية، بما يضمن استمرارية تدفق الطاقة والتجارة في حال حدوث الأزمات.
كما تمهد هذه المشاركة لتكامل إقليمي، عبر تأسيس منظومة تبادل تجاري واستثماري جديدة، تفتح آفاقا واسعة للنمو والتعاون المشترك مع دول المنطقة، إضافة إلى دعم البنى التحتية، عبر تطوير شبكات النقل والربط البري والطاقة وتحديثها.
وفي هذا الإطار، يذكر رئيس حركة العمل الوطني أن المشروع المذكور لا يقتصر على نقل النفط والغاز، بل يؤسس لاقتصاد إقليمي مترابط، إذ ستكون سوريا المستفيد الأكبر مع نجاحها في استعادة دورها الجغرافي، حيث تتحول إلى ممر رئيس للطاقة والتجارة، وتستقطب استثمارات في البنى التحتية، والموانئ، والسكك الحديدية، وشبكات الكهرباء والاتصالات، إضافة إلى عوائد العبور.
وستعزز تركيا أيضاً موقعها باعتبارها مفتاحا للطاقة والتجارة نحو أوروبا، وستصبح مركز توزيع رئيسا للغاز القادم من الخليج والعراق وشرق المتوسط وآسيا الوسطى، وفقا لرمضان.
ويبين أن السعودية ستوسع أيضا خيارات تصدير الطاقة والبضائع عبر شبكة برية تربطها ببلاد الشام وتركيا وأوروبا، إلى جانب ترسيخ دورها باعتبارها بوابة نحو إفريقيا وغرب آسيا.
أما الأردن ولبنان ومصر، فستستفيد من اندماج أكبر في شبكات النقل والطاقة الإقليمية، بما يرفع حجم التجارة والاستثمارات.
هل من الممكن أن يفقد هرمز أهميته خلال عامين؟
وثق تقرير لشبكة “بلومبيرغ” الأميركية حدوث تحول في سلوك شركات الشحن والتأمين الكبرى التي صنفت مضيق هرمز منطقة “خطر دائم”، مشيرا إلى أنها بدأت بالتحوط عبر زيادة مخزوناتها وتنويع الموردين.
ووفق تقرير “بلومبيرغ”، قبل نحو أسبوع، في سياق تقرير تحت عنوان “خارج نقطة الاختناق.. كيف ترسم الدول خريطة بدائل مضيق هرمز؟”، فإن المفارقة تكمن في أنه، رغم إثبات طهران قدرتها على التحكم بالمضيق، فإن إفراطها في استخدام هذه الورقة يعجل بتبديد قيمتها الاستراتيجية مستقبلاً.
وبذلك، يذكر التقرير أن القلق الدولي لم يعد متمحورا حول تداعيات إغلاق المضيق، بل حول الوقت الذي يحتاج إليه العالم ليصبح هذا الإغلاق بلا أثر في أسواق الطاقة العالمية.
ويقول التقرير إن المحطات الصدامية الأخيرة فرضت معادلة مغايرة، إذ تحول استخدام إيران المكثف لهذا الشريان، أي المضيق، أداة للردع ورفع الكلفة، إلى حافز إقليمي ودولي متسارع لبناء مسارات بديلة، ما يهدد تدريجيا بإضعاف الجدوى الاستراتيجية لهذه الورقة، وتجريدها من قدرتها على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة.
ويضيف أن هذه الاستراتيجية الإيرانية أحدثت اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد، وأدت إلى بقاء آلاف السفن عالقة لأشهر، ما دفع الأطراف الدولية والإقليمية إلى إعادة تقييم مدى ارتهانها لممر واحد، والبحث عن طرق أكثر أمانا.
ونتيجة لذلك، تشكلت ملامح خريطة جديدة لنقل الطاقة لتجاوز المضيق جزئيا، كما أعادت إلى الواجهة مشاريع إقليمية مؤجلة، منها، على سبيل المثال لا الحصر، أنبوب النفط العراقي إلى ميناء العقبة الأردني، وتوسيع استخدام خط كركوك – جيهان مع تركيا.
ويتابع أن هذه المشاريع لا تعني الاستغناء الكامل عن مضيق هرمز، ولا سيما مع تأكيد التقارير المتخصصة عجز المسارات الحالية عن استيعاب كامل الكميات الضخمة المارة عبره، لكنها تمنح المنتجين والمستهلكين هامش مناورة حيويا، وأمانا أكبر في أوقات الأزمات.
ويؤكد رئيس حركة العمل الوطني الفكرة ذاتها، قائلا إنه من الصعب تصور فقدان مضيق هرمز أهميته بالكامل خلال عامين، فالمضيق لا يزال يعبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، ولا توجد بنى تحتية بديلة قادرة، خلال فترة قصيرة، على استيعاب هذه الكميات بالكامل.
لكن ما يمكن تحقيقه هو تقليل الاعتماد النسبي على المضيق، بحيث تصبح لدى الأسواق العالمية خيارات متعددة لنقل جزء من النفط والغاز والكهرباء والسلع، وهو ما يزيد مرونة سلاسل الإمداد ويحد من تأثير أي أزمة.
وبالتالي، وبحسب رمضان، فإن الهدف الواقعي ليس استبدال هرمز، وإنما تقليل قدرة أي أزمة في المضيق على تعطيل الاقتصاد العالمي.
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه نجاح المشروع الذي يطرحه المبعوث الأميركي باراك، يوضح رئيس حركة العمل الوطني أن نجاح هذه الرؤية يتطلب مجموعة من الشروط، منها تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في سوريا والعراق، مشيراً إلى أن سوريا قطعت شوطا مهما في هذا المجال.
ويضيف أن من التحديات أيضا جلب استثمارات بمليارات الدولارات في خطوط الأنابيب، والسكك الحديدية، وشبكات الكهرباء، والموانئ، وتحقيق توافق سياسي بين الدول المشاركة، ومعالجة العقوبات والقيود المالية التي قد تعيق تنفيذ المشاريع، ووجود طلب أوروبي مستقر على الغاز والطاقة القادمين عبر هذه المسارات.
وأشار أيضاً إلى أن المنافسة الجيوسياسية بين القوى الإقليمية والدولية قد تؤثر في سرعة التنفيذ.
تطوير “الممر الأوسط”
أشار المبعوث باراك، في كلمته خلال “قمة الأعمال الأميركية – العراقية”، إلى أن البرنامج الذي يجري العمل عليه مع خمس دول في المنطقة يشمل أيضا تطوير “الممر الأوسط”، الممتد من تركيا عبر أذربيجان وتركمانستان وصولا إلى آسيا الوسطى، بما يسمح بنقل كميات كبيرة من الغاز إلى أوروبا عبر القنوات التجارية.
ولفت إلى أن هذه المشاريع تأتي في إطار بناء منظومة اقتصادية جديدة في المنطقة، تقوم على تعزيز التعاون التجاري وتوسيع فرص الاستثمار بعيدا عن الأزمات والتوترات.
ويعد “الممر الأوسط”، المعروف باسم “TRANS-CASPIAN INTERNATIONAL TRANSPORT ROUTE”، من بين ثلاثة ممرات للتجارة العالمية بين الصين وأوروبا، ويبلغ طوله 4256 كيلومترا من الطرق البرية والسكك الحديدية، إضافة إلى 508 كيلومترات عبر البحر.
وتشكل مدينة كاشغر الصينية نقطة انطلاق هذا الممر باتجاه قرغيزستان، ثم نحو أوزبكستان، فميناء تركمانباشي في تركمانستان، حيث تنقل البضائع عبر حاويات إلى أذربيجان، ومنها إلى جورجيا، ثم إلى تركيا، وتحديدا إلى محطة قارص للسكك الحديدية، ومنها إلى إسطنبول أو الموانئ البحرية التركية، ثم إلى أوروبا وبقية دول العالم.
وبين وزير النقل والبنى التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو، في حوار مع صحيفة “الشرق الأوسط”، نشر في حزيران 2026، أن الجائحات والنزاعات الإقليمية والأزمات العالمية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة أظهرت حقيقة واضحة لا لبس فيها، وهي أن “ممرات النقل ليست مجرد أدوات اقتصادية وتجارية بحتة، بل هي أيضا عناصر أمنية استراتيجية بالغة الحساسية” .
وأضاف: “لذلك، أصبحت الترابطية محورا أساسيا وثابتا للتعاون بين الدول”، مؤكدا أن استدامة التجارة العالمية، وأمن إمدادات الطاقة، وتماسك سلاسل التوريد، باتت تعتمد بشكل كلي على شبكات نقل قوية ومحصنة.
وكان أورال أوغلو قد قال، في تصريح سابق، إن مبادرة “الممر الأوسط” “من شأنها أن تضخ زخما جديدا” في قطاع النقل والخدمات اللوجستية على الصعيد العالمي، بما يسهم في إقامة “ربط استراتيجي” بين آسيا وأوروبا.
وأضاف أن استكمال الاستثمارات المخطط لها في إطار هذا المشروع سيعمل على تقليص مدة الشحن بشكل كبير، إذ إن الشحنات التي كانت تستغرق عبر قناة السويس نحو 35 يوما، وعبر رأس الرجاء الصالح 45 يوماً، ستنخفض مدتها إلى 15 يوما، أو حتى 13 يوما فقط، بمجرد الانتهاء من الأعمال في “الممر الأوسط” .
وأشار أورال أوغلو إلى أن “الممر الأوسط” يوفر ميزة السرعة مقارنة بالنقل البحري، إلى جانب كونه أكثر توفيرا من النقل الجوي، مبينا أنه يحمل إمكانات تجارية سنوية تصل إلى 75 مليار دولار عبر السكك الحديدية.
وأكد أن هذا المسار لن يخدم تركيا فقط، بل سيوفر مكاسب كبيرة لجميع الدول الواقعة على امتداده.
ويذكر رئيس حركة العمل الوطني أن المشروع الذي طرحه المبعوث باراك لا يعمل بمعزل عن الممرات الاقتصادية الأخرى، بل يمثل جزءا من سباق عالمي لإعادة رسم طرق التجارة، فهو يتقاطع مع “الممر الأوسط” الذي يربط آسيا الوسطى بتركيا وأوروبا، ومشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومبادرة “الحزام والطريق” الصينية.
ويقول: إن الميزة التي تمتلكها سوريا تتمثل في وقوعها عند نقطة التقاء هذه المسارات، ما يؤهلها لأن تكون عقدة لوجستية تربط الخليج بتركيا وأوروبا، وتربط كذلك السعودية بموانئ شرق المتوسط، بدلا من أن تكون مجرد دولة عبور منفصلة عن الشبكات الكبرى.
ويختم رئيس حركة العمل الوطني بالقول: “إذا نجحت هذه الرؤية، فإن المنطقة ستنتقل من الاعتماد على ممر بحري واحد إلى شبكة مترابطة من الممرات البرية والبحرية. وفي هذه المنظومة، يمكن أن تستعيد سوريا دورها التاريخي باعتبارها حلقة وصل بين المشرق والخليج وتركيا وأوروبا، بحيث تصبح ممرا رئيسا للنفط والغاز والكهرباء والتجارة والاتصالات” .
كما سيكون التكامل بين تركيا باعتبارها مفتاحا للأسواق الأوروبية، والسعودية باعتبارها مفتاحا للأسواق الإفريقية وغرب آسيا، وسوريا باعتبارها حلقة الربط بينهما، أحد أهم مرتكزات أي منظومة اقتصادية إقليمية جديدة، إذا توافرت الإرادة السياسية والاستثمارات اللازمة.
أسماء الفريح
المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار