استقرار الليرة في دائرة العوامل الاقتصادية.. ما دور تكلفة الطاقة؟

زمن القراءة: 8 دقائق

في إطار تعليقه على قرار تخفيض أسعار المحروقات، وضع حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان مسألة استقرار الليرة السورية في سياق أوسع من السياسة النقدية وحدها، مؤكداً أنها ترتبط ببنية الاقتصاد الإنتاجي ومستوى الاستثمار وحركة الثقة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
ويعيد هذا الطرح فتح النقاش حول محددات سعر صرف الليرة، وكيف تتداخل تكلفة الطاقة مع مستويات الإنتاج والتجارة وحجم الطلب على القطع الأجنبي، بما يجعل استقرار العملة الوطنية نتاجاً لتوازنات اقتصادية مترابطة أكثر من كونه انعكاساً لعامل منفرد.
ورحب حاكم المركزي بقرار تخفيض أسعار المشتقات النفطية، مؤكداً أن الخطوة ستسهم في خفض تكاليف الإنتاج، وتنشيط الأسواق، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وأكد رسلان أن انخفاض أسعار المحروقات سيحفز الحركة الاقتصادية، ويدعم الإنتاج، وينعكس إيجاباً على مختلف القطاعات والأسواق المحلية.
وأوضح أن كل خطوة تعزز الإنتاج الوطني تصب في نهاية المطاف في مصلحة استقرار الليرة السورية، مؤكداً أن قوة العملة الوطنية تمثل انعكاساً مباشراً لقوة الاقتصاد.
وأضاف أن مصرف سوريا المركزي سيواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الاستقرار النقدي، وتعزيز الثقة بالليرة السورية، بالتنسيق مع مختلف الجهات المعنية، دعماً لمسار التعافي الاقتصادي.
جانبان متعارضان
أعلنت وزارة الطاقة، مساء السبت الماضي، خفض أسعار المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 و20 بالمئة.
وتضمنت نشرة الأسعار الجديدة تخفيض بنزين أوكتان 95 بنسبة 20.39 بالمئة ليصبح سعر الليتر 130 ليرة جديدة، وتخفيض بنزين أوكتان 90 بنسبة 19.97 بالمئة ليصبح سعر الليتر 125 ليرة جديدة.
كما شملت تخفيض الديزل بنسبة 14.37 بالمئة ليصبح سعر الليتر 107 ليرات جديدة، وتخفيض سعر أسطوانة الغاز المنزلية بنسبة 15.49 بالمئة لتصبح 1500 ليرة جديدة، وأسطوانة الغاز الصناعية لتصبح 2400 ليرة جديدة.
وتزامن القرار مع تحسن الليرة في السوق الموازية، حيث بلغ سعر الدولار نحو 130 ليرة (13,000 ليرة قديمة)، بعد أن تجاوز خلال الأيام الماضية مستوى 145 ليرة (14,500 ليرة قديمة).
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر، أن قرار تخفيض أسعار المشتقات النفطية يتضمن جانبين متعارضين فيما يتعلق باستقرار سعر الصرف.
وأوضح اسمندر لصحيفة “الثورة السورية” أن الجانب الإيجابي يتمثل في خفض فاتورة الاستيراد والضغط على طلب القطع الأجنبي، مشيراً إلى أن سوريا كانت تستورد معظم احتياجاتها من المشتقات النفطية، إذ بلغت فاتورة الاستيراد نحو 1.2 مليار دولار عام 2022، قبل أن ترتفع إلى ما يقدّر بـ 1.5 مليار دولار في عام 2023 نتيجة ارتفاع الاستهلاك وتراجع التكرير المحلي.
وأكد أن هذا المسار يجعل أي تحسن في تأمين المشتقات النفطية بكميات كافية وبأسعار مناسبة عاملاً مساعداً في تقليص الحاجة إلى الاستيراد، وبالتالي خفض الطلب على الدولار المرتبط بتمويل هذه الواردات، ما ينعكس إيجاباً على سعر صرف الليرة السورية.
في المقابل، لفت إلى وجود جانب سلبي محتمل، موضحاً أن تخفيض أسعار البنزين والمازوت بنسبة وسطية تقارب 17 بالمئة قد يؤدي إلى زيادة الاستهلاك، استناداً إلى ما يُعرف بمرونة الطلب السعرية على المحروقات.
وأضاف: “تاريخياً في سوريا، يؤدي تخفيض السعر بنسبة 10 بالمئة إلى ارتفاع الاستهلاك بنسبة تتراوح بين 3 و5 بالمئة، وبالتالي فإن زيادة الاستهلاك ستقود إلى الحاجة لاستيراد كميات أكبر، ما قد يشكل ضغطاً إضافياً على الطلب على الدولار وعلى قيمة الليرة السورية” .
قوة العملة
أشار اسمندر إلى أن انخفاض أسعار المحروقات يخفف جزءاً مهماً من الأعباء التشغيلية التي تواجه القطاعات الإنتاجية، موضحاً أن الصناعة والزراعة والنقل تُعد من أكثر القطاعات تأثراً بتكاليف الطاقة.
وأضاف: “كلما انخفضت تكاليف الإنتاج تحسنت القدرة التنافسية للمنتج المحلي، وازدادت حركة الأسواق، وهذا ينعكس إيجاباً على الدورة الاقتصادية وعلى الطلب الحقيقي على الليرة السورية” .
وأوضح أن العلاقة التي أشار إليها حاكم المصرف المركزي تتمثل في أن قوة العملة المحلية ترتبط بحجم السلع والخدمات القابلة للتصدير أو البديلة عن المستوردات، مبيناً أن القطاعات الأكثر قدرة على دعم استقرار الليرة تشمل الصناعات الغذائية والتصدير الزراعي، إضافة إلى الصناعات التحويلية الخفيفة وتكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية.
وأشار إلى أن الصادرات الزراعية والغذائية تشكل ما بين 70 و80 بالمئة من إجمالي الصادرات السورية غير النفطية، لافتاً إلى أن تصدير منتجات مثل زيت الزيتون والحمضيات يرفد السوق المحلية بالقطع الأجنبي بشكل مباشر.
كما يمتلك قطاع الصناعات التحويلية الخفيفة، مثل الغزل والنسيج والألبسة، طاقات إنتاجية غير مستغلة تصل إلى نحو 50 بالمئة، ويمكنه مضاعفة الإنتاج عبر تأمين المواد الأولية ورؤوس الأموال التشغيلية.
ولفت اسمندر إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية يُعد من القطاعات الواعدة، لاعتماده الأساسي على رأس المال البشري، وقدرته على تحقيق إيرادات بالقطع الأجنبي مع تكلفة استيراد محدودة جداً.
أثر متسلسل
يأتي الأثر الاقتصادي لخفض أسعار المحروقات بصورة متسلسلة، تبدأ من التأثير المباشر على الأسعار النهائية للسلع والخدمات، وفق اسمندر.
وأضاف أن تكلفة النقل والمحروقات تشكل في المتوسط نحو 20 بالمئة من سعر السلعة النهائية في السوق المحلية، وبالتالي فإن تخفيض سعر المازوت بنسبة 20 بالمئة قد يؤدي نظرياً إلى انخفاض الأسعار النهائية بنسبة تصل إلى 7 بالمئة، في حال انعكس التخفيض فعلياً على الأسواق.
كما أشار إلى ما يُعرف بـ”المضاعف الاقتصادي”، موضحاً أن أي تخفيض في التكاليف يرفع هامش ربح المنتج ويحفزه على التوسع في الإنتاج، لافتاً إلى أن إعادة توجيه جزء من الإنفاق من فاتورة الطاقة إلى الاستهلاك المحلي يمكن أن تسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية ورفع الناتج المحلي.
إجراءات مكملة
أعلنت وزارة الطاقة، الأسبوع الماضي، اعتماد الليرة السورية في جميع عمليات بيع المشتقات النفطية داخل سوريا.
من جهته، رأى الخبير الاقتصادي والتنموي الدكتور شفيق عربش، أن قرار تخفيض أسعار المشتقات النفطية يمثل خطوة إيجابية، إلا أنه يحتاج إلى استكمال عبر حزمة إجراءات اقتصادية متكاملة لتحقيق نتائج ملموسة ومستدامة على صعيد سعر الصرف.
وأوضح عربش لصحيفة “الثورة السورية” أن استقرار الليرة يرتبط بعوامل عدة، من بينها حجم الإنتاج المحلي ومستوى الصادرات وحركة الأسواق والسياسات المالية، إضافة إلى مستوى الثقة بالاقتصاد الوطني.
وأضاف: “عندما يشعر المستثمر والتاجر والمواطن بوجود استقرار اقتصادي ورؤية واضحة للسوق، فإن ذلك ينعكس تلقائياً على حركة السيولة وعلى قوة العملة الوطنية” .
ولفت إلى أن تخفيض تكاليف الطاقة يمنح القطاعات الاقتصادية متنفساً مهماً، لكنه يحتاج إلى إجراءات داعمة تتعلق بتشجيع الاستثمار وتسهيل الإنتاج وتحسين البيئة التشريعية والتمويلية.
وأكد عربش أن العلاقة بين سعر الصرف والإنتاج علاقة مباشرة، فكل زيادة في الإنتاج المحلي تعني تقليص الحاجة إلى الاستيراد وتحسين الميزان التجاري، ما يخفف الضغط على القطع الأجنبي ويدعم استقرار الليرة.
واعتبر أن أهمية قرار تخفيض المحروقات تمتد إلى البعد الاقتصادي الأشمل، باعتبار أن الطاقة تشكل عنصراً رئيسياً في تكلفة معظم الأنشطة الإنتاجية والخدمية.
وشدد على أن نجاح هذه الخطوة في دعم استقرار سعر الصرف يبقى مرتبطاً باستمرارية السياسات الاقتصادية، وتعزيز الثقة بالسوق، وتحفيز الإنتاج والاستثمار، بالتوازي مع استمرار الإجراءات النقدية الهادفة إلى حماية قيمة الليرة السورية.
هلال عون
المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار