دور المعارض والاتفاقيات الزراعية في تطوير القطاع الزراعي ودعم الاقتصاد الوطني

زمن القراءة: 11 دقائق

العالم الاقتصادي – روعة غنم:
تشهد سوريا سنوياً، تنظيم عدد من المعارض الزراعية والغذائية المتخصصة، بإشراف ودعم من وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، لتشكل منصات تجمع المنتجين والمستثمرين والخبراء، وتسهم في عرض أحدث التقنيات، وتعزيز الشراكات وفرص الاستثمار.
ويأتي ذلك بالتزامن مع التحضيرات الجارية لمشاركة وزارة الزراعة في الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي، في مؤشر إلى استمرار الرهان على المعارض كأداة لدعم القطاع الزراعي، وجذب الاستثمارات.
وفي ظل تنامي الاهتمام بهذه الفعاليات، ولا سيما معارض “أغريتكس” و”أغرو سيريا” و”فود إكسبو”، يبرز التساؤل عن مدى قدرتها على تحويل الاتفاقيات الموقعة إلى مشاريع حقيقية تنعكس على الإنتاج الزراعي والاقتصاد الوطني؟
في هذا السياق، أجرت مجلة “العالم الاقتصادي” هذا الحوار مع المهندس حسام عدنان القصار، الخبير في الاقتصاد والاستثمار الزراعي، وعضو الجمعية العربية للعلوم الاقتصادية والاجتماعية، للحديث عن دور المعارض والشراكات الاستثمارية في دعم القطاع الزراعي ومستقبل الاستثمار في سوريا.
* شهدت سوريا، خلال الفترة الأخيرة، تنظيم عدد من المعارض الزراعية وتوقيع اتفاقيات استثمارية على هامشها، كيف تقيمون أهمية هذه الفعاليات في دعم القطاع الزراعي؟
** تقوم المعارض- بشكل عام- بدور حيوي ومهم في تعزيز الاقتصاد الوطني، ونقل المعرفة، وبناء العلاقات المهنية والتجارية بين الجهات المتفاعلة في المعرض، وهي الجهات العارضة والجهات الزائرة، خلال فترة محددة؛ يتم من خلالها عقد اتفاقيات أو صفقات تجارية؛ تعود بالنفع على الطرفين، فهي إذاً منصة استراتيجية أو سوق مؤقتة؛ تجمع البائعين أي العارضين بالمشترين الزوار، أي إنها تجمع بين العرض والطلب في مكان وزمان محددين، فهي بذلك تعد أحد أهم وسائل الترويج والتحفيز للمنتجات الوطنية، من خلال عرضها على جمهرة واسعة من رجال الأعمال والمصدرين والعاملين في عالم الأعمال الاقتصادية، وتسهم المعارض الزراعية والاتفاقيات والصفقات التجارية التي تتم من خلالها بدور مهم أيضاً في تحفيز التعافي الاقتصادي، وتحقيق الأمن الغذائي، إذ تعد إحدى أهم نقاط القوة للنهوض بالقطاع الزراعي في سوريا، حيث إنها تسهم في ربط المنتجين المحليين بالمستثمرين وبالأسواق الخارجية، ما يعزز دعم الاقتصاد الوطني وتقوية الميزان التجاري، من خلال تصدير المنتجات الزراعية ذات الميزات التنافسية.
كما تتيح المعارض الفرصة للزائرين للاطلاع على أحدث التقنيات في مجالات المكننة الزراعية وأنظمة الري الذكية وطرق التسميد ومواد التسميد الحديثة والطاقة البديلة واستخداماتها في الزراعة، كما توفر منصات لعرض الأدوية واللقاحات البيطرية المتقدمة لضمان حماية الحيوانات.
وتسهم هذه المعارض أيضاً في تسهيل عقد صفقات الأعمال ومذكرات التفاهم والعقود الاستثمارية بين رجال الأعمال (الشركات المحلية العارضة) والزائرين (الوفود العربية والدولية (B2B، وقد شهدنا بعضها من خلال معارض “أغريتيكس” و”أغروسيريا” و”فود إكسبو”، وبالمحصلة فإن المعارض الزراعية تقوم بدعم سلاسل القيمة للمنتجات الزراعية الأولية، وكذلك المصنعة، وما يتضمنه ذلك من عمليات التعبئة والتغليف والتخزين والتبريد، وذلك بما يتوافق مع شروط ومتطلبات مطابقة جودة التصدير، وعلى هذا الأساس فإن المعارض الزراعية تلعب دوراً مهماً في دعم القطاع الزراعي والاقتصاد الوطني بشكل عام.
* إلى أي مدى يمكن للاتفاقيات؛ التي تُبرم خلال المعارض، أن تتحول إلى مشاريع حقيقية تُسهم في تطوير الإنتاج الزراعي؟
** تسهم الاتفاقيات المُبرمة، خلال المعارض الزراعية، بشكل مباشر في تطوير الإنتاج الزراعي في سوريا، وتحفز على نقل التكنولوجيا؛ فهي تتيح الفرصة للاطلاع على أحدث التقنيات العالمية كالزراعة الذكية، وأنظمة الري الحديثة، واستخدام تكنولوجيا النانو في الزراعة، وتسهل عقد الصفقات لاستيراد هذه التقنيات وتوطينها محلياً.
كما تؤمن المعارض والاتفاقيات التجارية، التي تتم من خلالها، توفير مستلزمات الإنتاج للقطاع الزراعي من بذور، وأسمدة، وأدوية بيطرية، وأعلاف…، وإدخال تقنيات حديثة كأنظمة الري الحديثة، ومنظومات الطاقة البديلة، وتقنيات الزراعة الذكية بأسعار تنافسية وجودة عالية، وفي الوقت نقسه تفتح أسواقاً دولية جديدة للمنتجات المحلية، وبذلك فهي تقوم بتوسيع سلاسل الإمداد والتصدير.
ومن ناحية أخرى فهي تعمل على جذب الاستثمارات والشراكات لدعم الاقتصاد الوطني، من خلال التقاء المزارعين والمنتجين من جهة مع المستثمرين والجهات التمويلية من جهة أخرى، وتالياً فهي تدعم إقامة مشاريع زراعية وصناعية ضخمة، وغالباً ما تتضمن مذكرات التفاهم بنوداً لتبادل الخبرات، وتدريب الكوادر المحلية على أيدي خبراء الشركات العالمية، ما يرفع من كفاءة العمليات الزراعية، إلا أن نجاح تلك الاتفاقيات في التحول لمشاريع حقيقية ملموسة على أرض الواقع يعتمد على توفير بيئة لوجستية واستثمارية مناسبة، وعادة ما يتم تفعيل تلك الاتفاقيات عبر خطوات عملية؛ تبدأ بتشكيل لجان متابعة مشتركة؛ يليها إعداد دراسات جدوى مفصلة؛ ثم تأمين التمويل والبدء بالتنفيذ التدريجي للمشروع، ولابد بشكل عام من وجود بنية تحتية مناسبة من خلال توفير حوامل الطاقة ووسائل النقل المبرد لضمان سلامة المنتجات وتخفيض تكاليفها، ويقع على عاتق الجهات الحكومية تبسيط إجراءات التمويل، وتسهيل إدخال الآليات والمستلزمات المستوردة، وتقديم القروض التشغيلية للمزارعين لتنفيذ بنود الاتفاقيات المبرمة.
* ما أبرز المجالات الزراعية التي تمتلك اليوم فرصاً واعدة لجذب الاستثمارات المحلية والعربية؟
** لعل أبرز المجالات الزراعية الواعدة للاستثمار في سوريا، اليوم، تتمثل بإقامة مشاريع زراعة وتصنيع المحاصيل الاستراتيجية والتصديرية، والصناعات الغذائية التحويلية، والمشاريع المعتمدة على الطاقات المتجددة، والمشاريع القائمة على استخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة، ومما يدعم ويقوي التوجه نحو الاستثمار في القطاع الزراعي التسهيلات القانونية التي يقدمها قانون الاستثمار رقم 18 والمعدل بالمرسوم الجمهوري رقم 114 لعام 2025، والتوجهات الحكومية لإطلاق خارطة استثمارية زراعية؛ تمنح إعفاءات ضريبية وجمركية واسعة للمستثمرين.
ومن فرص الاستثمار المطروحة:
– الاستثمار في المحاصيل التنافسية والتصديرية: مثل زراعة الزيتون، وإكثار البذار وإنتاج بذور محسنة عالية الإنتاجية ومقاومة للجفاف للمحاصيل الأساسية كالقمح والشعير، الحمضيات والفواكه، الفستق الحلبي، والنباتات الطبية والعطرية كالكمون، واليانسون، والوردة الشامية والتي تحظى بطلب خارجي مرتفع وعوائد سريعة.

– الاستثمار في التصنيع الزراعي والغذائي (تعظيم القيمة المضافة): من خلال استغلال فوائض الإنتاج الموسمية للخضار والفواكه لتصنيع العصائر، والمربيات، والمجففات، وإقامة معامل حفظ المنتجات الزراعية كالكونسروة والتجفيف، ومعاصر الزيتون والزيوت النباتية بأنواعها مثل عباد الشمس، والقطن، والصويا، والذرة.
– الاستثمار في مشاريع تنمية الثروة الحيوانية والسمكية وتصنيع الأعلاف: مثل مشاريع إقامة المداجن الحديثة وإعادة تأهيل المداجن القديمة، إقامة مزارع أبقار مكثفة لإنتاج الحليب والأجبان واللحوم، مشاريع الاستزراع السمكي في المياه العذبة، وكذلك المزارع البحرية الشاطئية وإنتاج الأحياء البحرية كالجمبري وغيره، ومشاريع إنتاج الأعلاف التقليدية وغير التقليدية، بما فيها استخدام المخلفات الزراعية بعد تحسينها في تصنيع المكعبات العلفية.
– الاستثمار في مشاريع تأمين مستلزمات الإنتاج والمشاريع الداعمة للإنتاج الزراعي: من خلال مشاريع إنتاج مستلزمات الإنتاج كالأسمدة المتنوعة، والمبيدات، والأعلاف النوعية، والوقود الحيوي، مشاريع الطاقات المتجددة لخدمة القطاع الزراعي، مشاريع الري الحديث والزراعة الذكية، مشاريع المكننة الزراعية، مشاريع تطوير خطوط التعبئة والتغليف والتوضيب، مراكز الفرز والتخزين والشحن، ومستودعات تبريد حديثة…
* ما الذي يحتاجه القطاع الزراعي السوري للاستفادة القصوى من هذه المعارض والشراكات، وتحويلها إلى نتائج ملموسة للمزارعين والمنتجين؟
** لكي يتم تحويل المعارض الزراعية والشراكات والاتفاقيات التي تتم من خلالها، إلى نتائج ملموسة تنعكس مباشرة على معيشة المزارع السوري، لا بد من الانتقال من مرحلة “التوقيع على الاتفاقيات” إلى التنفيذ الصحيح لتلك الاتفاقيات، وضع الصيغ العملية للتوريد والتمويل، وسد الفجوات الحالية في قضايا التسويق الزراعي من خلال:
أولاً- ربط التكنولوجيا الحديثة بالقدرة المالية للمزارع، من خلال توفير قروض ميسرة للمزارعين لاستجلاب التقنيات الحديثة ومنها تقنيات الطاقة الشمسية، وشبكات الري الذكية؛ عبر خطوط ائتمان مدعومة حكومياً أو من خلال صناديق التنمية الريفية.
ثانياً- التحول نحو الإرشاد الزراعي الرقمي لنقل التكنولوجيا التي تطرحها الشركات الدولية في المعارض إلى المزارعين عبر منصات رقمية إرشادية تفاعلية.
ثالثاً- تفعيل عقود “الزراعة التعاقدية” المباشرة، من خلال شراء الإنتاج مسبقاً وفقاً لاتفاقيات وعقود تتم بالاتفاق مع المزارعين أو الشركات المنتجة بأسعار تأشيرية مجزية قبل بدء الموسم، ويتم من خلال تلك العقود تأمين مدخلات الإنتاج المضمونة للمزارعين مثل البذار المحسن، والأسمدة، واللقاحات البيطرية كقروض عينية تُسدد من قيمة المحصول عند الحصاد.
رابعاً- إقامة مشاغل ريفية لتجميع وتوضيب المنتجات الزراعية، بالتشارك مع القطاع الخاص مثل مراكز فرز وتوضيب وتبريد…، وتدريب العاملين في هذه المراكز على شروط التعبئة، وتلبية معايير التصدير لجعل المنتج السوري منافساً في الأسواق العربية والدولية.
خامساً- حوكمة الشراكات عبر التعاونيات الزراعية، من خلال تفعيل دور اتحاد الغرف الزراعية والجمعيات الفلاحية التعاونية لتمثيل صغار المزارعين ككتلة تفاوضية واحدة أمام الشركات المستوردة والمستثمرة.
سادساً- التنسيق بين الجهات الحكومية لتسهيل حركة الشحن الخارجي، وإعفاء مستلزمات الإنتاج المستوردة من التعقيدات الروتينية لضمان وصولها للفلاح بسعر مناسب.
* كيف ترون مستقبل الاستثمار في القطاع الزراعي السوري، خلال المرحلة المقبلة، في ظل تنامي الاهتمام بتنظيم المعارض واستقطاب المستثمرين؟
** إن مستقبل الاستثمار الزراعي في سوريا، من خلال المعارض الزراعية، يمكن أن يكون له دور مهم في جذب المستثمرين المحليين والدوليين نحو الاستثمار في القطاع الزراعي، من خلال كون تلك المعارض تشكل منصةً مهمةً لتلاقي الفاعلين الرئيسين كالشركات المحلية والدولية، والمستثمرين والمنتجين؛ ما يعزز فرص التعاون وتبادل الخبرات وعقد الاتفاقيات بين الطرفين؛ ويسمح للمستثمرين برؤية الإمكانيات المحدثة لتطوير الإنتاج المحلي، وتسهيل نقل التكنولوجيا وتجارب الشركات الأجنبية إلى السوق السورية، وتالياً يتم تعزيز الثقة الاقتصادية بإمكانيات سوريا الزراعية؛ ويحفز المستثمرين على التفكير بالاستثمار في مشاريع جديدة في البلاد من خلال تلك المعارض، ما يخلق بيئة مناسبة للاستثمار الابتكاري والخدمات اللوجستية الداعمة للقطاع الزراعي.
وهكذا، فإن تنظيم المعارض الزراعية يمثل أداةً حقيقيةً لجذب الاستثمارات، إذ يتم من خلاله تبادل الخبرات، وعرض الابتكارات، وتأمين فرص التعاون بين الجهات المحلية والدولية، ما يدفع نحو النهوض بالقطاع الزراعي السوري، وتنمية قدراته الإنتاجية والاقتصادية.
ولا بد في هذا المجال من الاهتمام بتدريب وتعزيز قدرات الكوادر العاملة في مجال متابعة الفرص الاستثمارية الزراعية، وإعداد دراسات جدوى اقتصادية للمشاريع المطروحة للاستثمار، ومن ثم إعداد دليل استثماري للقطاع الزراعي، وخارطة للفرص الاستثمارية المتاحة في كل المحافظات السورية؛ تعرض على المستثمرين أو الراغبين في الاستثمار في القطاع الزراعي في سوريا.

آخر الأخبار