العالم الاقتصادي- وليد أبو السل
في ظل توجهات الحكومة نحو تعزيز أدوات تنظيم السوق وإرساء آليات أكثر مرونة في إدارة الملفات الاقتصادية، يرى الخبير الاقتصادي محمد الحلاق نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية في سوريا أن تشكيل اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية يمثل خطوة مهمة باتجاه ترسيخ مبادئ الحوكمة الاقتصادية وتحقيق حالة من التوازن والاستقرار في سوق المحروقات السورية، مؤكداً أن نجاح هذه الخطوة يرتبط بقدرة اللجنة على المواءمة بين المتغيرات العالمية والواقع الاقتصادي المحلي.
الحوكمة أساس نجاح عمل اللجنة
أكد الحلاق أن الحوكمة تشكل حجر الأساس في نجاح أي منظومة اقتصادية، مشيراً إلى أن الحكومة تسعى حالياً إلى بناء كيانات متخصصة قادرة على تطبيق أفضل المعايير في إدارة الملفات الاقتصادية المختلفة، ومن بينها ملف المشتقات النفطية، موضحاً أن اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية تضم ممثلين عن الحكومة وخبراء متخصصين، ما يمنحها قدرة أكبر على العمل بصورة احترافية بعيدة عن القرارات الظرفية، لافتاً إلى ضرورة امتلاكها لما وصفه بـ”القوة الناعمة” لتحقيق الاستقرار في السوق النفطية المحلية.
وأضاف أن التحول من اقتصاد يعتمد على دعم المشتقات النفطية إلى اقتصاد أكثر تنافسية يتطلب مرونة عالية في اتخاذ القرارات، بما يسمح بالتفاعل السريع مع الارتفاعات أو الانخفاضات العالمية في الأسعار، مع الأخذ بعين الاعتبار متغيرات سعر الصرف ومستويات الدخل المحلي، مشيراً إلى أن دور اللجنة يجب ألا يقتصر على تحديد الأسعار فقط، بل أن يمتد إلى مراقبة جودة المنتجات النفطية، والتدخل لمنع عمليات التهريب، إضافة إلى متابعة حجم الاحتياطي والمخزون الاستراتيجي، بما يضمن الحد من الفجوات بين الوفرة والنقص ويحقق استقراراً طويل الأمد في السوق.
كما شدد على أهمية وجود “شبكات حماية” تساعد اللجنة على قياس تأثير التقلبات السعرية على المواطنين، والتدخل للحد من المضاربات والتشوهات السعرية وضمان وصول المحروقات بأسعارها الحقيقية ضمن بيئة تنافسية مستقرة.
استقرار أسعار المحروقات ودوره في تحفيز الإنتاج
وأوضح الحلاق أن استقرار أسعار المشتقات النفطية يعد عاملاً أساسياً في تقدير تكاليف الإنتاج في مختلف القطاعات الاقتصادية، سواء التجارية أو الزراعية أو الصناعية أو السياحية، وبيّن أن ثبات أسعار المحروقات يسهم بشكل كبير في تحفيز الحركة الاقتصادية والإنتاجية، بينما يؤدي التذبذب السعري في قطاع الطاقة إلى تأثيرات متفاوتة بين القطاعات المختلفة، مشيراً إلى أن بعض القطاعات مثل النقل تتأثر بدرجة أقل نسبياً، بينما تتحمل القطاعات الإنتاجية ذات النشاط اليومي المستمر، كالصناعة والزراعة، أعباء أكبر نتيجة تقلب أسعار الطاقة.
رسائل طمأنة للمستثمرين ودعم للمشاريع الإنتاجية
ولفت الحلاق إلى أن تشكيل اللجنة يحمل رسائل إيجابية للمستثمرين المحليين والأجانب باعتباره أحد أشكال الحوكمة التي تعمل سوريا على ترسيخها، ما يعزز الثقة بالبيئة الاستثمارية ويخلق مزيداً من الاستقرار، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تنعكس بصورة إيجابية على القطاعات الإنتاجية المختلفة، ولا سيما المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعد إحدى الركائز الأساسية لتحقيق الانتعاش الاقتصادي وتحريك عجلة الإنتاج.
تحديات مرتبطة بالأسواق العالمية والشفافية
وأكد الحلاق أن تأثر السوق السورية بأسعار النفط العالمية يعد أمراً طبيعياً باعتبارها جزءاً من المنظومة الاقتصادية العالمية، مشدداً على ضرورة العمل على تأمين مخزون استراتيجي من المشتقات النفطية بوسائل متعددة للحد من آثار التقلبات الخارجية، وأضاف أن أبرز التحديات التي ستواجه عمل اللجنة يتمثل في تعزيز الشفافية، بما يسهم في خلق حالة من الثقة لدى المستهلكين ويؤكد وجود قرارات متوازنة تراعي مصالح مختلف الأطراف، وأضاف أن التحديات تشمل أيضاً تأمين الاحتياجات اللوجستية المتعلقة بالمحروقات وآليات تمويلها وإبرام العقود وفق معايير دولية.
المرونة والسرعة شرط لتحقيق الاستدامة
وختم الحلاق بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب المزيد من الشفافية والمرونة وسرعة الإجراءات، بما يسمح بإيجاد تفاعل أكبر من القطاع الاقتصادي وتحقيق استجابة أسرع تنعكس إيجاباً على العملية الإنتاجية، مؤكداً أن نجاح اللجنة في تحقيق الاستقرار السعري وإحداث حالة من التوازن في سوق المحروقات، سيكون عاملاً أساسياً لضمان الاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل ودعم الاقتصاد الوطني.
