موازنة 2027.. توجهات إصلاحية نحو التحول الرقمي وتعزيز مؤشرات الأداء

زمن القراءة: 8 دقائق

تتجه وزارة المالية نحو إعادة صياغة منهجية إعداد الموازنة العامة بما يتجاوز الإطار التقليدي القائم على تقدير الإيرادات والنفقات، باتجاه نموذج أكثر ارتباطاً بالتحليل والقياس ونتائج التنفيذ.
ومع بدء التحضير لموازنة عام 2027، يبرز التركيز على التحول الرقمي، وتوحيد البيانات المالية، وتعزيز مؤشرات الأداء، بما يتيح قراءة أدق للواقع المالي ويعزز كفاءة اتخاذ القرار. وفي هذا السياق، تتقاطع آراء خبراء الاقتصاد حول أهمية الاستفادة من تجربة موازنة 2026 في بناء مقاربة أكثر واقعية، تقوم على ربط الموارد بالأهداف وتحسين جودة الإنفاق العام.
وناقش وزير المالية محمد يسر برنية، خلال اجتماع لجنة إعداد موازنة عام 2027، السبت الماضي، خطة إعداد الموازنة والجدول الزمني لإنجازها، بالاستفادة من تجربة موازنة 2026، بهدف الانتهاء من العمل قبل نهاية الربع الثالث من العام.
وتناول الاجتماع أهمية تطوير آليات إعداد وتنفيذ الموازنة عبر التحول الرقمي، واعتماد مؤشرات أداء دقيقة تعزز المتابعة وترفع كفاءة التنفيذ.
وشدد الوزير برنية على ضرورة أن تعكس الموازنة الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، مع توسيع التشاور بين الجهات المعنية، ووضع خطة زمنية محكمة تضمن إنجازاً أكثر فعالية وتنظيماً.
ووفق تقديرات موازنة 2026، تبلغ الإيرادات المتوقعة نحو 958.8 مليار ليرة جديدة (ما يعادل 8.716 مليارات دولار)، بينما تصل النفقات إلى نحو 1156.7 مليار ليرة جديدة (ما يعادل 10.516 مليارات دولار)، موزعة بواقع 27 بالمئة نفقات استثمارية، و60 بالمئة نفقات جارية، و13 بالمئة للدعم والضمان الاجتماعي.
أما الإيرادات المتوقعة فتتوزع بواقع 50 بالمئة من الضرائب والرسوم والجمارك، و28 بالمئة من النفط والغاز، و22 بالمئة إيرادات متنوعة أخرى. ومن المتوقع أن يبلغ الناتج المحلي 33.7 مليار دولار.
التحول الرقمي
رأت نائبة عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، الدكتورة منال الشياح، أن التوجهات التي أعلنتها وزارة المالية بشأن إعداد مشروع موازنة عام 2027 تعكس توجهاً لتطوير آليات إعداد الموازنة نفسها، بما يرفع كفاءة الإنجاز ويحسّن جودة البيانات ويعزز أدوات المتابعة والرقابة.
وأوضحت الشياح لصحيفة “الثورة السورية” أن الوزارة تتجه إلى الانتقال تدريجياً من الأسلوب التقليدي الذي يعتمد على تجميع بيانات الجهات الحكومية بشكل منفصل، إلى نموذج أكثر تكاملاً يقوم على الأنظمة الرقمية وقواعد البيانات الموحدة، بما يتيح للوزارات والمؤسسات العامة إدخال بياناتها المالية عبر نظام إلكتروني موحد، لتصبح متاحة بصورة مباشرة لوزارة المالية مع إمكانية تحديثها ومراجعتها بشكل فوري.
وأضافت أن هذا التحول يؤسس لمنظومة مالية مترابطة تسهم في تقليل أخطاء الإدخال اليدوي، وتسريع إعداد الموازنة، والحد من التباينات التي قد تظهر بين بيانات الجهات الحكومية المختلفة.
ولفتت إلى أن إنجاز مشروع الموازنة قبل نهاية الربع الثالث من العام يمثل خطوة إجرائية مهمة، إذ يمنح الجهات الحكومية وقتاً كافياً لمراجعة مخصصاتها المالية ودراسة احتياجاتها الفعلية ومعالجة أي ملاحظات قبل اعتماد الموازنة بصورة نهائية، بما يقلل من الحاجة إلى التعديلات المتكررة خلال السنة المالية، ويهيئ المؤسسات لبدء تنفيذ برامجها منذ اليوم الأول من العام.
ومن أبرز ملامح موازنة 2027، وفق الشياح، تعزيز الاعتماد على مؤشرات الأداء، بحيث لا يقتصر تقييم الجهات الحكومية على حجم الإنفاق، وإنما يمتد إلى قياس النتائج الفعلية التي تحققها الأموال العامة، بما يعكس انتقالاً نحو الإدارة المالية الحديثة القائمة على ربط التمويل بمستوى الإنجاز.
دقة التقديرات
حول الاستفادة من تجربة موازنة 2026، أوضحت الشياح أن مراجعة نتائج التنفيذ تمثل الركيزة الأساسية لإعداد موازنة أكثر دقة وواقعية، إذ إن إعداد الموازنات لا يعتمد على التوقعات وحدها، وإنما على تحليل النتائج الفعلية ومقارنة الإيرادات المقدرة بالإيرادات المحصلة، بما يكشف مدى دقة التقديرات السابقة وتأثرها بالظروف الاقتصادية ومستويات التحصيل الضريبي والرسوم والإيرادات الأخرى.
وأضافت أن انخفاض بعض الإيرادات عن التقديرات يدفع وزارة المالية إلى إعادة تقييم أساليب التنبؤ واعتماد تقديرات أكثر ارتباطاً بالواقع، في حين أن تحقيق بعض الإيرادات مستويات أعلى من المتوقع يتيح الاستفادة من أسباب ذلك في تحسين تقديرات السنوات المقبلة.
وفي جانب النفقات، بيّنت أن مراجعة تنفيذ موازنة 2026 تساعد في رصد البنود التي شهدت تجاوزات في الإنفاق، أو تلك التي لم تُستغل اعتماداتها بالكامل، إضافة إلى تحديد المشروعات التي تعثر تنفيذها أو واجهت صعوبات تمويلية أو إدارية، بما يوفر أساساً لإعادة توزيع الموارد بكفاءة أكبر في موازنة 2027.
وأشارت إلى أن التجربة السابقة كشفت أيضاً عدداً من التحديات الإدارية والتنظيمية، من أبرزها تأخر بعض الجهات في تزويد وزارة المالية بالبيانات، وضعف التنسيق بين المؤسسات، وعدم تكامل قواعد البيانات، فضلاً عن اعتماد بعض الجهات على تقديرات لا تستند إلى بيانات دقيقة أو دراسات كافية، إلى جانب غياب مؤشرات أداء واضحة تقيس كفاءة الإنفاق الحكومي.
وأكدت أن الاستفادة الحقيقية من تجربة 2026 يجب أن تشمل مراجعة آليات العمل، وتحسين جودة البيانات، وتعزيز التنسيق المؤسسي، بما يجعل موازنة 2027 أكثر واقعية واستجابة للاحتياجات الفعلية للدولة.
كفاءة الإنفاق
يعتمد نجاح أي موازنة على قدرتها في التعامل مع المتغيرات الاقتصادية والمالية أثناء التنفيذ، وفق الشياح.
وأضافت أن من أبرز المخاطر المحتملة تقلب الإيرادات العامة نتيجة تغير النشاط الاقتصادي أو انخفاض الإيرادات الضريبية والرسوم أو التأثر بالمتغيرات المحلية والخارجية، وهو ما قد يؤدي إلى فجوة بين الإيرادات المتوقعة والمتحققة.
كما أن ضعف التنسيق بين المؤسسات الحكومية قد ينعكس سلبياً على سرعة اتخاذ القرار وتنفيذ المشروعات، كما قد يؤدي إلى ازدواجية الإنفاق أو تكرار بعض البرامج الحكومية.
وحذرت الشياح أيضاً من استمرار تحديات جودة البيانات، مؤكدة أن كفاءة الأنظمة الرقمية تبقى مرتبطة بدقة البيانات المدخلة إليها، وأن أي قصور في تحديث البيانات أو صحتها سينعكس مباشرة على جودة القرارات المالية.
وأشارت كذلك إلى تحديات أخرى تتمثل في محدودية القدرات المؤسسية، ونقص الكوادر المؤهلة للتعامل مع الأنظمة الرقمية الحديثة، إضافة إلى بطء إجراءات التعاقد والإنفاق وضعف المتابعة الدورية للمشروعات الحكومية.
وأوضحت أن الحد من هذه المخاطر يتطلب اعتماد سيناريوهات متعددة للإيرادات والنفقات بدلاً من الاكتفاء بتقدير واحد، وإنشاء نظام إنذار مبكر لرصد الانحرافات في تنفيذ الموازنة، وتعزيز الربط الإلكتروني بين الجهات الحكومية، وإجراء مراجعات شهرية أو فصلية لمستويات التنفيذ، إلى جانب الاستثمار المستمر في تدريب الكوادر وتحسين جودة البيانات المالية.
وأكدت أن ربط الموازنة بالأولويات الاقتصادية والاجتماعية يمثل تحولاً جوهرياً في فلسفة إعداد الموازنات، إذ أصبح الهدف توجيه الموارد نحو البرامج والمشروعات الأكثر قدرة على تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، بدلاً من توزيع الاعتمادات وفق الأنماط التقليدية.
وبيّنت أن توجيه الإنفاق إلى قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والتحول الرقمي ودعم الإنتاج من شأنه تحقيق نتائج تنموية أفضل، مع الحد من الإنفاق منخفض الجدوى وإعادة توجيه الموارد نحو البرامج ذات القيمة المضافة للمواطن والاقتصاد.
واعتبرت أن قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق يعد عنصراً أساسياً في تقييم كفاءة الموازنة، من خلال مؤشرات مثل مساهمة المشروعات الحكومية في توفير فرص العمل، وتحسين بيئة الاستثمار، ورفع جودة الخدمات الأساسية، وزيادة رضا المواطنين عن الخدمات العامة.
وشددت على أن نجاح الحكومة في ربط الموازنة بهذه المؤشرات سيحولها من وثيقة مالية تقتصر على تحديد الإيرادات والنفقات إلى أداة استراتيجية لإدارة التنمية وقياس الأداء الحكومي، وهو الهدف الذي تسعى إليه الدول عند تطبيق موازنات البرامج والأداء.
إخلاص علي
المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار