يعد الحديث عن التنمية في سوريا اليوم من أكثر الموضوعات أهمية، في مرحلة يتزايد فيها الحديث عن إعادة الإعمار وتحسن المؤشرات الاقتصادية. فبعد سنوات القصف وما خلفته من دمار مادي، وتفكك اجتماعي، وتراجع في الإنتاج والخدمات، يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن بناء مسار تنموي ينقل الاقتصاد من مرحلة التعافي إلى مرحلة أكثر استقراراً وقدرة على الإنتاج والنمو؟
ويعيد هذا السؤال فتح الباب أمام نظريات التنمية، لما تقدمه من أدوات تساعد على فهم المسار، وتوضيح الشروط، وكشف الفروق بين التعافي المحدود والتنمية ذات الأفق الأوسع، بما يسهم في بناء نموذج تنموي خاص بسوريا.
وتدخل الاقتصادات الخارجة من الحروب مسار التنمية مثقلة بأعباء كبيرة، مثل اتساع رقعة الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع البنية التحتية، واختلال العلاقة بين الدولة والسوق، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وضعف قدرة المجتمع على تحمل صدمات جديدة.
ولذلك، يصبح فهم نظريات التنمية من قبل المجتمع والخبراء ضرورة، لأنها تقدم إطاراً يساعد على قراءة الواقع، وتمييز ما هو ممكن في المرحلة الراهنة، وما يحتاج إلى تمهيد، وما يمكن تأجيله، وما ينبغي أن يحظى بالأولوية.
ولا يمكن اختيار نظرية واحدة واعتمادها بوصفها خطة جاهزة، لأن لكل دولة خصوصياتها وظروفها، لذلك تبرز أهمية فهم ما تطرحه كل نظرية، وما تضيفه، وحدودها، وكيف يمكن الاستفادة منها في بناء تصور وطني يتناسب مع المرحلة السورية الحالية. كما تساعد هذه النظريات على تنظيم التفكير، ومنع السياسات من الوقوع في العشوائية أو التسرع أو الانبهار بحلول تبدو براقة على الورق.
ما أهمية قراءة نظريات التنمية؟
في فترات الاستقرار النسبي، يبدو النقاش النظري حول التنمية شأناً أكاديمياً بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية، إلا أن هذا النقاش يكتسب بعد مرحلة القصف والدمار أهمية مختلفة، لأن المجتمع والدولة يواجهان أسئلة كبرى تتعلق بترتيب الأولويات، ودور الدولة، وحدود تدخل السوق، وطبيعة القطاعات التي ينبغي أن تقود التعافي، وشكل العلاقة بين الاستثمار والخدمات والإنسان.
وقد حضرت هذه الأسئلة في تاريخ الفكر التنموي من خلال نظريات متعددة حاولت تفسير أسباب نجاح بعض الدول في الانتقال إلى التنمية، وأسباب تعثر دول أخرى رغم امتلاكها الموارد أو التمويل أو المساعدات.
وتكتسب هذه النظريات أهميتها من تأكيدها أن التنمية بعد الحرب لا ترتبط بإعادة الإعمار فحسب، بل تشمل أيضاً إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وإصلاح المؤسسات، وتنشيط القطاعات المنتجة، وتأمين الحد الأدنى من الخدمات، واستعادة القدرة على الاستثمار والعمل.
ولذلك، فإن العودة إلى هذه النظريات تساعد في استخلاص منطق عام يتيح قراءة المرحلة السورية من زاوية أكثر اتزاناً، وفي هذا الإطار يمكن التوقف عند أبرز خمس نظريات للتنمية بعد الحرب.
نظرية الدفعة القوية وفكرة الانطلاق المنسق
تعد نظرية الدفعة القوية، المرتبطة بأعمال بول روزنشتاين-رودان، من أبرز النظريات في هذا المجال، إذ تقوم على فكرة أن الاقتصاد المتأخر أو المدمر لا يخرج من أزمته عبر مشاريع صغيرة متفرقة، لأن كل قطاع يبقى معطلاً إذا لم تتحرك القطاعات الأخرى معه.
فالطاقة تحتاج إلى الإنتاج والاستهلاك، والصناعة تحتاج إلى النقل والتمويل والكهرباء، والزراعة تحتاج إلى الأسواق والصناعات الغذائية، كما أن الطلب لا يرتفع إذا بقيت فرص العمل محدودة. ولهذا ترى النظرية أن البلدان الخارجة من أزمات كبرى تحتاج إلى دفعة استثمارية كبيرة ومنسقة تشمل قطاعات مترابطة.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يلفت الانتباه إلى مشكلة الترابط بين القطاعات، وهي مشكلة حادة في الاقتصادات المتضررة بالحرب، إذ إن إعادة تشغيل قطاع واحد قد لا تكون كافية إذا بقيت القطاعات المرتبطة به متعثرة.
وفي الحالة السورية، تبدو هذه الفكرة مهمة لأنها تفسر جانباً من تعثر التعافي الجزئي، وتدفع إلى التفكير في العلاقة بين قطاعات الطاقة والنقل والإنتاج والخدمات والأسواق، إلا أن هذه النظرية تواجه أيضاً حدوداً واضحة، لأن تطبيقها يحتاج إلى تمويل كبير، وقدرات مؤسساتية عالية، وثقة عامة وإدارية لا تتوافر عادة بسهولة في المراحل الأولى بعد الحرب.
نظرية المراحل الخمس للتنمية
أما نظرية المراحل الخمس لروستو، فتنظر إلى التنمية بوصفها عملية تاريخية تمر بمراحل تبدأ بالمجتمع التقليدي، ثم التهيئة للانطلاق، فالانطلاق، ثم النضج، وصولاً إلى مرحلة الاستهلاك الواسع.
وأهم ما تضيفه هذه النظرية هو التأكيد أن الاقتصاد لا ينتقل من الضعف إلى التقدم دفعة واحدة، وأن لكل مرحلة شروطاً ينبغي استكمالها قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
تتجلى أهمية هذه النظرية بالنسبة للحالة السورية في أنها تطرح سؤالاً محورياً: أين تقف سوريا اليوم على هذا المسار؟ فمن الصعب الحديث عن انطلاق اقتصادي حقيقي في ظل ضعف البنية التحتية، وتراجع رأس المال البشري، واختلال بيئة الأعمال، وتآكل جزء من المؤسسات. وهذا يجعل الأولوية أقرب إلى إعادة بناء شروط الانطلاق التنموي، مثل توفير الخدمات الأساسية، وتعزيز التعليم، وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار، وتمكين القطاعات المنتجة من استعادة نشاطها.
وتكمن قيمة هذا الطرح في أنه يحد من الميل إلى القفز السريع نحو شعارات تنموية كبرى من دون تأسيس القاعدة التي تحملها.
ومع ذلك، تؤخذ على نظرية روستو ملاحظات مهمة، لأنها تميل إلى تقديم التنمية بوصفها مساراً عاماً شبيهاً بما شهدته الدول الغربية، في حين أثبتت تجارب الدول النامية والمتأثرة بالحروب أن التاريخ أكثر تعقيداً، وأن الاقتصاد قد يتقدم ثم يتراجع، ثم يتعافى، ثم ينتكس مرة أخرى.
نظرية النمو غير المتوازن
تقدم نظرية النمو غير المتوازن، التي طورها ألبرت هيرشمان، طرحاً أقرب إلى الواقعية في البيئات محدودة الموارد، إذ انطلق من فكرة أن الدول الخارجة من الأزمات لا تمتلك القدرة على تحريك جميع القطاعات في الوقت نفسه، ولذلك تدعو نظريته إلى اختيار قطاعات قائدة تمتلك روابط قوية مع الاقتصاد، بحيث يؤدي الاستثمار فيها إلى خلق سلسلة من الآثار التي تدفع قطاعات أخرى إلى التحرك لاحقاً.
ومن هنا جاء حديثه عن الروابط الخلفية والأمامية، أي قدرة قطاع معين على خلق طلب على قطاعات أخرى أو تزويدها بمدخلات تدفعها إلى النمو.
وتبدو هذه النظرية ذات فائدة كبيرة للحالة السورية، لأنها تنسجم مع واقع شح الموارد والحاجة إلى ترتيب الأولويات بصورة واقعية، فمن غير الممكن التعامل مع جميع ملفات الاقتصاد بالدرجة نفسها من الإلحاح والقدرة على التأثير.
ولذلك، يبدو منطقياً التركيز على قطاعات تمتلك قدرة تحفيزية أكبر، مثل الكهرباء والطاقة، والزراعة والصناعات الغذائية، والنقل والخدمات اللوجستية، وبعض الصناعات التحويلية، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لما لها من دور في تحريك بقية الاقتصاد وخلق فرص العمل وتنشيط الأسواق.
غير أن هذه النظرية ليست بمنأى عن المخاطر، إذ إن الاختيار غير الدقيق للقطاع القائد قد يؤدي إلى هدر الموارد، كما أن التركيز المفرط على قطاعات محددة قد يخلق اختلالات أو تفاوتات إذا لم تدار العملية بحكمة.
نظرية النمو المتوازن وفكرة التكامل بين القطاعات
ترى نظرية النمو المتوازن أن التنمية تحتاج إلى حركة متزامنة ومتكاملة في مجموعة من القطاعات، حتى لا تتعطل العملية برمتها بسبب اختناقات في قطاع دون آخر.
وتقوم هذه الفكرة على أن القطاع الواحد لا يستطيع الازدهار منفرداً في اقتصاد متضرر، فالصناعة تحتاج إلى الكهرباء والنقل والأسواق، والزراعة تحتاج إلى المياه والتمويل والتخزين والتصنيع، والخدمات تحتاج إلى الدخل والقدرة الشرائية.
ويكتسب هذا المنظور أهمية خاصة في قراءة الحالة السورية، لأن السنوات الماضية من القصف لم تضرب قطاعاً واحداً فحسب، حيث أصابت الاقتصاد في مختلف مستوياته، لذلك فإن التركيز على قطاع واحد قد يحقق تحسناً محدوداً من دون أن يقود إلى تعافٍ شامل.
ومع ذلك، فإن تطبيق النمو المتوازن بصورة كاملة يبدو صعباً في ظروف ما بعد الحرب، لأن متطلباته التمويلية كبيرة، في حين تبقى قدرات الدولة على التنسيق والتنفيذ محدودة، ولذلك يبدو أكثر فائدة بوصفه إطاراً عاماً يوجه السياسات، ويساعد على فهم الترابط بين القطاعات، ويمنع التفكير التجزيئي الضيق.
نظرية التغير الهيكلي والتحول نحو اقتصاد إنتاجي
تعد نظرية التغير الهيكلي من أكثر النظريات فائدة في قراءة الحالة السورية، لأنها تتجاوز سؤال زيادة الناتج أو حجم الاستثمار، وتتجه مباشرة إلى بنية الاقتصاد نفسه.
وتنص هذه النظرية على أن التنمية الحقيقية تعني الانتقال من اقتصاد منخفض الإنتاجية، وهش وضعيف التنوع، إلى اقتصاد أكثر قدرة على خلق القيمة المضافة، وأكثر تنوعاً، وأكثر اعتماداً على قطاعات حديثة ومنتجة.
وترتبط هذه النظرية بأعمال لويس وتشينري وغيرهما من الباحثين الذين ركزوا على انتقال العمالة والموارد من الأنشطة التقليدية أو الهشة إلى أنشطة أكثر كفاءة وإنتاجية.
وتكمن أهميتها بالنسبة لسوريا في أنها تسلط الضوء على واحدة من أبرز قضايا مرحلة ما بعد القصف، وهي البحث عن النموذج الاقتصادي المناسب، ما يعني أن التنمية لا تقتصر على إعادة تشغيل النشاط الاقتصادي كما كان، وتتطلب تحولاً بنيوياً يعيد توجيه الاقتصاد نحو الزراعة الحديثة، والصناعات الغذائية، والصناعات التحويلية، والطاقة، والنقل، والتعليم المهني، والأنشطة القادرة على خلق قيمة مضافة وتوفير فرص عمل أوسع.
كيف يمكن قراءة هذه النظريات معاً في الحالة السورية؟
من الخطأ وضع هذه النظريات في مواجهة حادة مع بعضها، لأن قيمتها الحقيقية تتجلى عند قراءتها بوصفها مستويات متكاملة.
فنظرية الدفعة القوية تذكّر بأهمية التنسيق بين القطاعات الأساسية، ونظرية المراحل الخمس لروستو تؤكد أن التنمية تحتاج إلى مراحل وشروط تأسيسية، فيما توضح نظرية النمو غير المتوازن لهيرشمان أن شح الموارد يفرض ترتيباً واقعياً للأولويات، بينما تلفت نظرية النمو المتوازن الانتباه إلى أن القطاع الواحد لا ينهض بمفرده، في حين تربط نظرية التغير الهيكلي التنمية بطبيعة النموذج الاقتصادي.
وفي الحالة السورية، تبدو الاستفادة المركبة من هذه النظريات الخيار الأكثر واقعية، إذ يتطلب الأمر بناء فهم متوازن يجمع بين التنسيق والتدرج وترتيب الأولويات والتكامل والتحول البنيوي.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن التنمية في سوريا تحتاج إلى إعادة بناء شروط الانطلاق، وإلى قطاعات قائدة، وإلى تعافٍ متكامل، وإلى انتقال تدريجي نحو اقتصاد أكثر إنتاجية.
ويقود ذلك إلى خلاصة أساسية مفادها أن النظريات، على أهميتها، لا تكفي وحدها، فهي تساعد على توضيح الاتجاه، وفهم طبيعة المرحلة، وترتيب الأسئلة، لكنها لا تغني عن قراءة الواقع السوري بخصوصياته الاجتماعية والمؤسساتية والسياسية والاقتصادية والتاريخية، ولذلك، فإن بناء نموذج تنموي سوري يتطلب الجمع بين الفهم النظري، والخبرة المقارنة، والاستفادة من النماذج الدولية، والوعي الدقيق بقدرة المجتمع والمؤسسات على الاحتمال والتنفيذ.
إن النقاش حول التنمية في سوريا أصبح مرتبطاً برسم ملامح الاقتصاد الذي تريده البلاد خلال العقود المقبلة، فالتحديات التي أفرزتها سنوات القصف أوجدت واقعاً جديداً يفرض مراجعة السياسات التقليدية والبحث عن خيارات قادرة على تحقيق نمو أكثر استدامة وتوازناً، ينعكس أثره على حياة المواطنين ومستوى الخدمات وفرص العمل.
وتشير تجارب الدول التي خرجت من الحروب إلى أن التعافي الاقتصادي لا يتحقق عبر الإنفاق على البنية التحتية وحدها، وإنما يحتاج إلى مؤسسات قوية، وإدارة كفوءة، وبيئة استثمار مستقرة، وسياسات تشجع الإنتاج وتعيد الثقة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، كما أن أي تأخير في معالجة هذه الملفات قد يحد من قدرة الاقتصاد على الانتقال من التعافي المؤقت إلى مرحلة النمو الحقيقي.
ختاماً، تبدو الحاجة ملحة إلى تحديد القطاعات التي يمكن أن تقود الاقتصاد خلال السنوات المقبلة، وفق رؤية تراعي محدودية الموارد وحجم الاحتياجات، فالاستثمار في الطاقة والزراعة والصناعات التحويلية والنقل والتعليم المهني لا يقتصر أثره على تنشيط هذه القطاعات، وإنما يمتد إلى تحريك عشرات الأنشطة المرتبطة بها، وخلق فرص عمل جديدة، وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
عبد العظيم المغربل
المصدر: الثورة السورية
