التحول في النظرة إلى القطاع الزراعي في بريطانيا.. من إهمال إلى أمن قومي

زمن القراءة: 5 دقائق
د. سعيد إبراهيم - مدير التخطيط والاقتصاد في وزارة الزراعة
بقلم: د. سعيد إبراهيم *
قبل الأزمات المتتالية (كوفيد، حرب أوكرانيا، أزمة مضيق هرمز)، كان القطاع الزراعي في بريطانيا والاتحاد الأوروبي يُنظر إليه كقطاع تقليدي يحتاج إلى إصلاحات بيئية أكثر مما هو ركيزة أمنية، لكن ثلاثة صدمات متتالية قلبت الطاولة:
1. كوفيد-19 (2020): انكشفت هشاشة سلاسل التوريد العالمية. تأثرت الواردات الغذائية والعمالة الموسمية، وأدركت الحكومات أن الاعتماد على الاستيراد بنسبة عالية (بريطانيا تستورد حوالي 50% من غذائها) هو مخاطرة استراتيجية.
2. حرب أوكرانيا (2022): أوكرانيا وروسيا تنتجان حوالي 30% من القمح العالمي، توقف الصادرات الأوكرانية رفع أسعار الحبوب والأسمدة والطاقة بشكل انفجاري، وأظهر أن الغذاء سلاح جيوسياسي بيد الدول المنتجة.
3. أزمة مضيق هرمز (2025-2026): الأحدث والأخطر، المضيق يمر عبره القسم الأكبر من تجارة الأسمدة العالمية، إغلاقه عملياً بسبب الحرب مع إيران هدد الأمن الغذائي العالمي بشكل غير مسبوق، لأن الأسمدة هي شريان الإنتاج الزراعي .
كيف تغيرت النظرة؟
التحول الجوهري هو أن الزراعة أصبحت ملف أمن قومي واستراتيجي، لا مجرد ملف اقتصادي أو بيئي. تبنّى الاتحاد الأوروبي مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية المفتوحة (Open Strategic Autonomy) في الغذاء، أي تقليل الاعتماد على سلاسل توريد خارجية غير موثوقة، بريطانيا، بعد بريكست، استغلت خروجها من السياسة الزراعية المشتركة (CAP) لبناء نظام دعم خاص بها يركز على المنافع العامة.
ما هو الدعم ااذي يتم تقدّيمه للمزارعين؟
في الاتحاد الأوروبي، السياسة الزراعية المشتركة (CAP) 2023-2027
ميزانية CAP لهذه الفترة تبلغ حوالي 387 مليار يورو، وهي أكبر بند في ميزانية الاتحاد الأوروبي. الدعم يشمل مايلي:
أ. الدعم المباشر: حوالي 70% من الميزانية. مدفوعات سنوية للمزارعين على أساس المساحة، لكن مع شروط بيئية مشدّدة ما يُعرف بـ الشرطية المعزّزة (enhanced conditionality).
ب. المخططات البيئية (Eco-schemes): ابتكار جديد في CAP 2023-2027. يمنح المزارعون دفعات إضافية مقابل ممارسات مثل الزراعة العضوية، الزراعة الكربونية، تقليل المبيدات، تنويع المحاصيل.
ج. التنمية الريفية: استثمارات في البنى التحتية الزراعية، التكنولوجيا الحديثة، دعم المزارعين الشباب.
د. حزم الطوارئ: بعد حرب أوكرانيا، أُطلقت حزمة دعم بقيمة 500 مليون يورو (قابلة للرفع إلى 1.5 مليار يورو بمساهمات الدول الأعضاء) كمساعدة مباشرة للمزارعين المتضررين من ارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة.
في بريطانيا نظام ELMS (Environmental Land Management Schemes)
بعد بريكست، استبدلت بريطانيا نظام الدعم القديم (القائم على مساحة الأرض بغض النظر عن الإنتاجية) بنظام جديد تماماً يتمثل في:
أ. Sustainable Farming Incentive (SFI): نظام يدفع للمزارعين لتبني ممارسات زراعية مستدامة مثل تحسين التربة، إدارة المياه، زيادة التنوع البيولوجي.
ب. Countryside Stewardship: دعم لإدارة المناظر الطبيعية والموائل البرية.
ج. Landscape Recovery: مشاريع ضخمة لاستعادة النظم البيئية بالكامل.
هذا النظام يُعتبر أكثر تقدماً من النظام الأوروبي لأنه يفصل الدعم تماماً عن مساحة الأرض ويربطه مباشرة بالنتائج البيئية والمناخية.
الأسباب العميقة لقيام هذه الدول بدعم قطاعها الزراعي تتجسد بمايلي:
الاعتماد على استيراد الغذاء يعني أن أي أزمة جيوسياسية (حرب، حصار بحري، عقوبات) تترجم فوراً إلى جوع وعدم استقرار اجتماعي. بريطانيا والاتحاد الأوروبي يريدان قدرة إنتاجية داخلية لا تقل عن 60-70% من احتياجاتهما الأساسية .
الكثير من صادرات الحبوب والمواد الغذائية تتركز الآن في عدد محدود من الدول (أوكرانيا، روسيا، البرازيل)، هذا التركيز يجعل الأسعار مرهونة بقرارات سياسية وليس قوى السوق.
بعد حرب أوكرانيا، رأت أوروبا بأم عينيها كيف يمكن استخدام الغذاء كسلاح، فوقف تصدير الحبوب، التلويح بحظر الأسمدة أمثلة واضحة، لذلك يعد دعم الزراعة الداخلية وسيلة مهمة لتقليل التعرض لهذا النوع من الضغط الجيوسياسي .
بدلاً من سلاسل توريد طويلة ومعقدة وهشة (Just-in-Time)، تتجه السياسات الآن نحو سلاسل أقصر وأكثر مرونة. الإنتاج المحلي أو الإقليمي هو الحل.
الزراعة الأوروبية نفسها مهددة بالجفاف وارتفاع الحرارة، لذلك فإن دعم المزارعين لتحسين كفاءة استخدام المياه، اعتماد تقنيات الزراعة الذكية مناخياً، وتخزين الكربون في التربة كلها أهداف داخلية لمواجهة المناخ.
في دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، المزارعون يشكلون قوة سياسية واجتماعية كبيرة، وإهمالهم يعني انهيار مناطق ريفية بأكملها، وتدفق سكاني إلى المدن، وزيادة البطالة، فيكيف يمكن الاستفادة من هذه التجربة في سوريا؟
__________________________________________________
* مدير التخطيط والاقتصاد في وزارة الزراعة
آخر الأخبار