عودة أصحاب الشعر الفضي للميدان .. لماذا يتخلى كبار السن عن التقاعد؟

زمن القراءة: 8 دقائق

اخترق صوت رنين المنبه صمت الغرفة في وقت مبكر من الصباح بعد أن ظل صامتاً لفترة من الزمن، ليفتح “آدم إيلسون” عينيه متذكراً أن اليوم هو موعد مناوبته الأولى في العمل الجديد الذي اضطر لقبوله بعد التقاعد.

وقبل ثلاثة أشهر، كان “إيلسون” -الذي بلغ حينها 65 عاماً- يقف في قاعة احتفالات شركته القديمة بملامح تجمع بين الدموع والابتسامات، وسط زملائه الذين اصطفوا لتوديعه متمنين له تقاعدًا مريحًا، وحاملين هدية تذكارية فضية حفر عليها اسمه كرمز لنهاية رحلة الشقاء.

في تلك اللحظة، ظن أن حقيبة عمله لن يضطر لحملها مجدداً، وأن منبه الاستيقاظ سيصبح جزءاً من الماضي، لكن ها هو يستيقظ على صوته مجدداً، ويرتدي قميصه حاملًا حقيبته استعدادًا لبدء فصل جديد من العمل؛ فصل أملته حسابات الواقع الاقتصادي.

هذا المشهد الإنساني ليس حالة فردية معزولة، بل هو لسان حال ملايين كبار السن حول العالم اليوم، الذين يتخلون عن التقاعد ويعودون للعمل ضمن بيئة قد تفتقر للمزايا والاستقرار اللذين اعتادوا عليهما في وظائفهم السابقة.

وبينما كانت عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية تمثل العصر الذهبي للتقاعد المبكر في العديد من الاقتصادات المتقدمة، يبدو أن العالم يدخل اليوم مرحلة مختلفة، يصبح فيها العمل بعد سن الخامسة والستين خياراً متزايد الانتشار، وأحيانًا ضرورة لا يمكن تجاهلها.

زحف أصحاب الشعر الرمادي نحو الوظائف

تشير البيانات الحديثة إلى أن عودة كبار السن إلى سوق العمل ليست ظاهرة هامشية، بل هي اتجاه عالمي متنامٍ.

ففي الولايات المتحدة، أوضح مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن 19.1% من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر كانوا يعملون أو يبحثون عن عمل خلال عام 2025، مقارنة بـ12.9% فقط في عام 2000.

ولا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة، فوفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بلغ متوسط معدل التوظيف للأشخاص بين 65 و69 عاماً نحو 26.4% في دول المنظمة خلال عام 2024.

في حين تجاوزت النسبة 70% للفئة العمرية بين 60 و64 عاماً في دول مثل اليابان وآيسلندا ونيوزيلندا.

وترى المنظمة أن ارتفاع متوسط العمر المتوقع، ورفع سن التقاعد في عدد من الدول، وتحسن مستويات التعليم والصحة بين كبار السن، كلها عوامل ساهمت في زيادة بقائهم داخل سوق العمل لفترات أطول.

فواتير لا تراعي المتقاعدين

لم تكن موجة التضخم العالمية التي أعقبت جائحة كورونا حدثاً عابراً بالنسبة لكبار السن، فحتى مع تباطؤ معدلات التضخم في كثير من الدول، ظلت مستويات الأسعار أعلى بكثير من مستويات ما قبل الجائحة، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمعاشات والمدخرات الثابتة.

ووفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، ارتفع متوسط معدل التضخم العالمي من نحو 4.7% في عام 2021 إلى 8.7% في عام 2022، وهو أعلى مستوى يسجله الاقتصاد العالمي منذ عقود، قبل أن يتراجع تدريجياً إلى 6.7% في 2023 و5.8% في 2024.

وبالنسبة للمتقاعد الذي يعتمد على دخل ثابت، فإن ارتفاع تكاليف الحياة خاصة فيما يتعلق بالغذاء والطاقة والرعاية الصحية قد يشكل تحدياً كبيراً له، إذ دفعت تلك الضغوط عدداً متزايداً من كبار السن إلى العودة إلى العمل، لتعويض الفجوة بين الدخل والنفقات المتزايدة.

وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني أنه خلال ذروة أزمة تكاليف المعيشة، شعر ما يقرب من واحد من كل أربعة متقاعدين فوق سن 65 عاماً بأنه مضطر للبحث عن عمل لتغطية فواتير الخدمات المنزلية المتصاعدة بشكل جنوني.

هل المال وحده السبب؟

رغم أهمية العامل المالي، فإن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد الحاجة إلى الدخل، فالعديد من الدراسات تشير إلى أن العمل يوفر لكبار السن فوائد اجتماعية ونفسية يصعب تعويضها.

فالتقاعد المفاجئ قد يؤدي إلى فقدان الروتين اليومي والعلاقات المهنية والشعور بالإنجاز، وهي عناصر ترتبط لدى كثير من الأشخاص بجودة الحياة والصحة النفسية.

وفي الولايات المتحدة، تشير البيانات إلى أن كثيراً من المتقاعدين يعودون إلى سوق العمل كمستشارين أو معلمين أو مدربين أو موظفين بدوام جزئي، مستفيدين من خبراتهم الطويلة دون الالتزام بضغوط الوظائف التقليدية.

انقلاب ديموغرافي يغير قواعد اللعبة

لا يمكن فهم الظاهرة بمعزل عن التحولات الديموغرافية الكبرى، فالعالم يشهد ارتفاعاً مستمراً في أعداد كبار السن نتيجة انخفاض معدلات الإنجاب وتحسن الرعاية الصحية وارتفاع متوسط العمر المتوقع.

وفي العديد من الاقتصادات المتقدمة، تتزايد المخاوف من نقص العمالة وتباطؤ نمو القوة العاملة، مما جعل العديد من الجهات تعيد النظر في استبعاد أصحاب الشعر الفضي من معادلة العمل.

وفي اليابان، التي تعد من أكثر دول العالم شيخوخة، أصبحت مشاركة كبار السن في سوق العمل عنصراً أساسياً في الاستراتيجية الاقتصادية للدولة.

هذا التحول الهيكلي تدعمه بيانات عمالية أوسع؛ إذ تتوقع إدارة إحصاءات العمل الأمريكية أن يمثل العمال الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر أحد أسرع القطاعات نمواً في سوق العمل خلال العقد المقبل.

وترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن دمج العمال الأكبر سناً في سوق العمل أصبح جزءًا من الحلول المطروحة للحفاظ على النمو الاقتصادي ومستويات المعيشة في مواجهة الشيخوخة السكانية.

الشركات بدأت تنظر إليهم بعين مختلفة

لسنوات طويلة، كان التقدم في العمر يُنظر إليه باعتباره عائقاً مهنياً، لكن نقص العمالة في بعض القطاعات، إلى جانب الحاجة إلى الخبرة والاستقرار الوظيفي، دفع عدداً متزايداً من الشركات إلى إعادة تقييم هذه النظرة.

فالعمال الأكبر سناً غالباً ما يتمتعون بخبرة تراكمية واسعة، ومعدلات دوران وظيفي أقل، ومهارات قيادية يصعب تعويضها بسرعة.

ويبرز هنا مثال واقعي يتمثل في شركة بي إم دبليو الألمانية، التي نجحت في إعادة تصميم خطوط الإنتاج في مصنعها بمدينة دينغولفينغ لاستيعاب العمال المتقدمين في السن عبر إدخال أرضيات خشبية مرنة، ومساعدات بدنية للمناولة، ومحطات عمل قابلة للتعديل.

ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة، فقد أظهر استطلاع حديث أن 30% من أصحاب العمل الذين شملهم الاستطلاع أشاروا إلى أن عمر 65 عامًا هو سن كبير جداً للتوظيف.

أنظمة التقاعد تلعب دوراً رئيسياً

تلعب الفوارق بين الدول دوراً مهماً، ففي الدول التي توفر أنظمة تقاعد سخية وخدمات اجتماعية واسعة، يكون العمل بعد التقاعد غالباً خياراً شخصياً.

أما في الدول التي يعتمد فيها الأفراد بدرجة أكبر على مدخراتهم الخاصة، فقد يتحول العمل إلى ضرورة للحفاظ على مستوى المعيشة، لذا فإن ظاهرة عودة كبار السن للوظائف لا تعكس قصة واحدة، بل مجموعة من القصص الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية المتداخلة.

وإذا كان جيل الأمس ينظر إلى التقاعد باعتباره نهاية الحياة المهنية، فإن الواقع الجديد يشير إلى أنه قد يكون مجرد استراحة قصيرة قبل بداية فصل آخر، وهكذا لم يعد السؤال متى يتقاعد الناس، بل إلى أي مدى يمكن للعالم أن يعيد رسم الحدود بين العمل والعمر؟

المصادر: أرقام- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- مكتب إحصاءات العمل الأمريكي- صندوق النقد الدولي- وكالة رويترز- إنفستوبيديا- مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني

آخر الأخبار