بدأت سوريا تشهد تحسناً ملحوظاً على مستوى العلاقات الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة الأميركية، وذلك في ظل التغيرات السياسية التي وقعت خلال العام ونصف العام منذ الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، الذي أدخل البلاد في عزلة دولية بفعل الانتهاكات التي ارتكبها خلال سنوات الثورة السورية واصطفافاته السياسية، إلى جانب فتح المجال أمام جماعات موضوعة على قوائم الإرهاب.
ولعبت دمشق دورا فاعلا في مكافحة الإرهاب وقطع طرق إمداد “حزب الله” اللبناني بالأسلحة والمعدات العسكرية، من خلال ضبط الحدود وملاحقة خلاياه في الأراضي السورية، رغم ضعف الإمكانات اللوجستية.
ففي ظل التغيرات السياسية والأمنية التي شهدتها سوريا خلال الفترة الماضية، أزالت الولايات المتحدة اسم سوريا من قائمة الدول التي لا تتعاون بشكل كامل مع الجهود الأميركية في مكافحة الإرهاب، وذلك وفق وثيقة منشورة في السجل الفيدرالي بتاريخ 19 أيار الفائت، ما يشير إلى دخول العلاقات السياسية بين البلدين مرحلة جديدة، وفتح قنوات تواصل أوسع مع دمشق، ناهيك عن أن هذا القرار يؤكد المضي في انفتاح واشنطن على إعادة دمج سوريا في النظام الدولي، إضافة إلى أهميته في تخفيف القيود الاقتصادية والدبلوماسية عنها.
وجاء القرار الأميركي بموجب إشعار وقعه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في السابع من أيار الماضي، استنادا إلى الصلاحيات المخولة له بموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة الأميركية. ووفق الإشعار، أصبحت القائمة المحدثة تضم أربع دول فقط، هي: إيران، وكوريا الشمالية، وكوبا، وفنزويلا.
الأهمية السياسية والدبلوماسية
تحمل إزالة اسم سوريا من قائمة الدول غير المتعاونة بشكل كامل مع جهود مكافحة الإرهاب أهمية سياسية ودبلوماسية تتجاوز الجانب الإجرائي البحت، إذ يؤكد القرار الأميركي أن الإدارة السورية باتت تتعاون في ملفات مكافحة الإرهاب، ولا سيما ما يتعلق بتنظيم “داعش” وجماعات متطرفة أخرى، وهذا يفتح الباب أمام انخراط سياسي دولي أوسع مع دمشق، نتيجة إشارات الثقة الأميركية التي تمهد لمزيد من الانفتاح على سوريا.
كما أن هذا القرار يمثل “خطوة مهمة جدا في إطار التقييم المستمر للسياسة الأميركية تجاه سوريا، لأنه ينعكس على مرونة الدبلوماسية الأميركية في التعامل مع المتغيرات على الأرض”، بحسب المستشار السياسي والأكاديمي في العلوم السياسية، الدكتور مصطفى خالد المحمد. فمن الناحية السياسية، يشير القرار إلى فتح قنوات تواصل جديدة أو إعادة ترتيب أولويات واشنطن في المنطقة، وخاصة الشرق الأوسط.
ويظهر القرار أيضا أهمية دبلوماسية، باعتباره إشارة إلى إضفاء قدر أكبر من الشرعية على مسارات التعاون التي تخدم الاستقرار والتهديدات المشتركة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب، ومراقبة الأسلحة، والتنسيق الأمني، والتعاون العسكري والاستخباراتي، في إطار نهج تدريجي وفق مبدأ خطوة مقابل خطوة، بحسب حديث المحمد لصحيفة “الثورة السورية”.
وتصدر قائمة الدول غير المتعاونة بشكل كامل مع جهود مكافحة الإرهاب بشكل دوري عن وزارة الخارجية الأميركية، ويتم إدراج الدول في هذه القائمة بناء على تقييم واشنطن لمدى التعاون في مجالات محددة، مثل المعلومات الاستخباراتية، ومنع الملاذات الآمنة للإرهابيين، وتطبيق تدابير لعرقلة تمويل الإرهاب.
لذلك، فإن شطب اسم سوريا من هذه القائمة يعد خطوة في الاتجاه الصحيح، كونه مؤشرا على تقييم إيجابي للواقع السوري، ما يفتح الباب أمام حوارات أمنية وعسكرية مع وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين، وتبادل المعلومات الاستخباراتية في ملفات مكافحة الإرهاب، وتقديم تجهيزات ومعدات ودورات تدريبية لهما.
وحول الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى اتخاذ هذا القرار، يوضح المحمد أن مثل هذه الخطوات غالباً ما تحدث بتقاطع عوامل، منها تقييم التطور الأمني والسياسي، والتنسيق مع الشركاء الإقليميين، وقراءة الفرص المتاحة لتعزيز المصالح الأميركية في ملفات مثل مكافحة الإرهاب، والوصول الإنساني والمساعدات، بينما يعكس التوقيت رغبة واشنطن في اختبار جدوى التعاون العملي مع الإدارة السورية الجديدة في قضايا محددة، خاصة مع وجود تحديات إقليمية وتغير في أولويات واشنطن في الشرق الأوسط.
رفع ما تبقى من عقوبات
تعمل الحكومة السورية على رفع جميع العقوبات التي ما زالت مفروضة على سوريا وتقيد النهوض الاقتصادي وتدفق الاستثمارات إلى البلاد للبدء بمرحلة إعادة الإعمار، إذ طلب الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا، إزالة “ما تبقى من عقوبات”، مؤكدا أن ذلك “يمثل خطوة أساسية لتمكين الاقتصاد السوري من استعادة نشاطه وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين”.
وشدد الشرع على أن من شأن رفع العقوبات تشجيع الاستثمارات وتهيئة البيئة المناسبة لعودة المشاريع الاقتصادية والتنموية إلى مختلف القطاعات الحيوية، فيما أعرب الرئيس ترامب عن اهتمامه بمتابعة التطورات في سوريا والمنطقة، مشددا على أهمية الحفاظ على الاستقرار ودعم مسار التعافي وإعادة البناء في سوريا.
ولعبت دمشق دورا محوريا في استقرار المنطقة في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، حيث ساهمت في ملاحقة خلايا تنظيم “داعش” ومكافحة تهريب المخدرات بالتعاون مع الدول الإقليمية، إلى جانب محاربة تهريب السلاح والأموال من إيران إلى “حزب الله” اللبناني، إذ كانت الأراضي السورية ممراً رئيسياً لتمويل الحزب إبان النظام المخلوع، ما يؤكد أن سوريا لم تعد تقدم دعما أو ملاذا أو تسهيلات لجماعات مصنفة إرهابية.
وأشارت واشنطن إلى ذلك مؤخرا على لسان قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر، بقوله إن سوريا تعد “مركز الثقل” في الحرب ضد تنظيم “داعش”، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى استقرار سوريا كعامل أساسي للأمن الإقليمي، مع استمرار التنسيق في ملف مكافحة “داعش” ضمن مقاربة أمنية أوسع.
وأعلنت وزارة الداخلية السورية، يوم الاثنين الماضي، نتائج جهودها في مكافحة تنظيم “داعش” خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، مؤكدة توقيف 235 عنصرا من التنظيم ضمن عمليات أمنية استهدفت تفكيك خلاياه وتعقب عناصره، موضحة في بيان أن إدارة مكافحة الإرهاب نجحت في تفكيك سبع خلايا وإحباط سبع عمليات، وأشارت إلى أن جنسيات الموقوفين شملت 198 سوريا و37 أجنبيا.
وبحسب بيان الوزارة، توزعت الخلايا المفككة على عمليتين في دمشق، ومثلهما في دير الزور، وعملية واحدة في كل من حلب وحماة وحمص. وقالت إنها ضبطت خلال عملياتها ضد تنظيم “داعش” 25 قطعة سلاح، وست آليات، و22 جهازا معدا للتفجير، و67 جهازا إلكترونيا.
وفي تشرين الثاني 2025، انضمت سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، بقيادة الولايات المتحدة، إذ أصبحت الشريك رقم 90 في التحالف الذي تأسس عام 2014، بينما نفذت القوى الأمنية السورية عمليات مشتركة مع القوات الأميركية في وقت سابق.
تمهيد لخطوات أوسع
يعد شطب اسم سوريا من قائمة الدول غير المتعاونة بشكل كامل مع جهود مكافحة الإرهاب تحولا في المقاربة الأميركية تجاه سوريا، والذي جاء نتيجة حتمية لجهود الحكومة السورية في كسب ثقة واشنطن إلى جانب المجتمع الدولي، إضافة إلى نجاحها في حل ملفات داخلية أسهمت في استقرار البلاد والإقليم، حيث قدمت نفسها على أنها ضامن للأمن الإقليمي والدولي، ما عزز الثقة بدمشق كشريك مسؤول في ملفات حساسة.
ويمهد هذا القرار لخطوات قادمة ستشهدها العلاقات السورية – الأميركية، وحزمة من الإجراءات تشمل توسيع نطاق التفاهمات من محدودة إلى شاملة مشتركة في ملفات الإرهاب والمخدرات وقضايا إقليمية تتطلب تعاونا سوريا، بحسب المستشار السياسي، الدكتور مصطفى المحمد.
ويضيف، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذه الخطوة جاءت في ظل تقييم دوري، إذ ستستمر واشنطن في إجراء تقييم للحالة السورية والحكومة، مشيرا إلى أن هناك قضايا شائكة ومتشابكة، منها الأوضاع في لبنان ورغبة الرئيس الأميركي في تدخل سوريا، إضافة إلى الوجود الروسي في الساحل السوري، معتبرا أن الولايات المتحدة ستبقي بيدها أداة للضغط على دمشق.
وفي ما يخص إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، يرى المحمد أن هذا احتمال قائم في ظل اتخاذ خطوات إيجابية، لكنه ليس فوريا، ويتطلب استيفاء معايير قانونية وسياسية صارمة، تشمل “تغييرات جذرية وثابتة في السياسات، وسياسات سوريا لدعم الإرهاب لمدة زمنية كافية، وتعاونا كاملا وليس محدودا”، موضحا أن السياسة الأميركية ليست منفتحة جدا، فهي سياسة ضغط وتبعية، في حين أن الإدارة السورية الجديدة في هذه المرحلة مستقلة بالقرار.
وهناك مساران محتملان لإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وكلاهما استخدم في مناسبات متعددة سابقا. الأول هو شهادة من الرئيس أمام الكونغرس بأن الحكومة المعنية لم تدعم الإرهاب الدولي خلال الأشهر الستة الماضية، إلى جانب ضمانات من تلك الحكومة بأنها لن تستأنف هذا الدعم مستقبلا. وبعد 45 يوما من إخطار الكونغرس، يمكن إزالة ذلك البلد رسميا.
أما الخيار الثاني، فهو أن يشهد الرئيس بحدوث “تغيير جوهري” في الحكومة، وأنها لم تعد متورطة في أي نوع من النشاط الإرهابي، ويجب أن تقدم الحكومة أيضا للولايات المتحدة ضمانات بأنها لن تنخرط في نشاط إرهابي من جديد، وفق ما ورد في تحليل لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
وأدرجت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979 إبان إدارة الرئيس جيمي كارتر، مستندة إلى مجموعة من الأسباب، منها دعم النظام السوري لفصائل فلسطينية مسلحة، وعلاقاته بجماعات مسلحة تنشط في لبنان، واتهامه بتقديم دعم أو ملاذ لجماعات تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، وتدخله العسكري والأمني في الحرب الأهلية اللبنانية.
وتوسعت مبررات واشنطن لتضم دعم “حزب الله” اللبناني سياسيا وعسكريا، والسماح لإيران باستخدام الأراضي السورية لدعم حلفائها الإقليميين، وتوجيه اتهامات للنظام المخلوع بتسهيل عبور مقاتلين إلى العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، إضافة إلى اتهامات بتقديم دعم لجماعات مرتبطة بتنظيم “القاعدة” خلال مرحلة التمرد في العراق.
ويفرض بقاء سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب قيودا واسعة على الاستثمار والتجارة والتمويل، إذ تعد هذه القائمة من أشد أدوات الضغط السياسي والاقتصادي التي تستخدمها واشنطن.
وأكد عضو مجلس النواب الأميركي جو ويلسون، في تغريدة عبر منصة “إكس” في الأول من حزيران الجاري، أن العلاقات الأميركية – السورية تتطور في اتجاه إيجابي، ويجب إزالة تصنيف سوريا القديم كدولة راعية للإرهاب بسرعة، لتعزيز الاستقرار والازدهار فيها.
ارتياح لدى الإدارة الأميركية
منذ وقوع التغيير السياسي في سوريا، شهدت العلاقات السورية – الأميركية تقدما إيجابيا، ما يشير إلى ارتياح كبير لدى الإدارة الأميركية تجاه دمشق، وانعكس ذلك على العلاقات السورية مع الدول العربية والغربية، وأدى إلى قرارات دولية متلاحقة تتعلق برفع العقوبات.
ففي ظل تنامي العلاقات، تتجه شركات أميركية للاستثمار في سوريا، بينما أطلقت السفارة الأميركية في دمشق الأدلة الشاملة للمستثمرين في سوريا، وهي أكثر تقارير معلومات السوق تفصيلا ومتاحة للعامة، في إشارة إلى ثقة الولايات المتحدة بأن سوريا يمكن أن تصبح وجهة موثوقة للاستثمار المسؤول وريادة الأعمال والاندماج الاقتصادي.
وأكد الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، أن المباحثات الجارية في واشنطن خلال مشاركة سوريا في المنتدى العالمي للطاقة تكتسب أهمية بالغة للاقتصاد الوطني، مشيرا إلى وجود اهتمام حقيقي وجاد من كبرى الشركات الأميركية بالاستثمار في قطاع النفط والغاز السوري، حيث يشارك الوفد السوري في المنتدى العالمي للطاقة في العاصمة الأميركية واشنطن برئاسة وزير الطاقة محمد البشير.
واتخذت واشنطن قرارات سابقة أدت إلى انفتاح دولي على دمشق، تتمثل برفع العقوبات المفروضة على سوريا إلى جانب الرئيس أحمد الشرع، بينما رفع الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول أخرى معظم العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا بسبب ممارسات النظام المخلوع، في خطوة تهدف إلى دعم الاستقرار وإعادة الإعمار.
وفي كانون الأول الماضي، أعلنت كندا رفع اسم سوريا وهيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب، بعد إجراءات مماثلة اتخذتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، مشيرة إلى أن الإجراء يعكس الجهود التي تبذلها الحكومة السورية لتعزيز الاستقرار وبناء مستقبل شامل وآمن، إلى جانب التعاون مع الشركاء الدوليين في مكافحة الإرهاب.
كما حذفت أوتاوا هيئة تحرير الشام من قائمة “الكيانات الإرهابية”، معتبرة أن هذه الخطوة تأتي في إطار التحولات السياسية التي شهدتها البلاد عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
أخيرا، فإن سوريا تسير في الاتجاه الصحيح نحو إعادة صياغة علاقاتها الخارجية مع المجتمع الدولي ضمن نهج متوازن قائم على المصالح المشتركة والحفاظ على السيادة، لكن ذلك يتطلب وقتا في ظل إرث ثقيل متراكم على مدار أكثر من خمسة عقود إبان النظام المخلوع، في حين أن بقاء سوريا تحت العقوبات يعرقل مسار التعافي، ما يستدعي الإسراع في النهوض الاقتصادي ودخول الاستثمارات.
أغيد أبو زايد
المصدر: الثورة السورية
