العالم الاقتصادي- روعة غنم- خاص:
شهد مؤتمر حوار القطاع الخاص السوري، الذي عُقد للمرة الأولى داخل سوريا، نقاشات واسعة بشأن واقع الاقتصاد السوري، وسبل تعزيز دور القطاع الخاص في مرحلة التعافي الاقتصادي.
وفي قراءة تحليلية لمخرجات المؤتمر رأى الباحث الاقتصادي طلال اسعيد أن أهمية المؤتمر تكمن في الرسائل التي وجهها لمختلف الأطراف الاقتصادية، معتبراً أنه شكل منصةً مهمةً لتشخيص التحديات، إلا أن نجاحه الفعلي سيبقى مرتبطاً بقدرته على الانتقال من مرحلة الحوار إلى تنفيذ إصلاحات وإجراءات عملية على أرض الواقع.
وأوضح اسعيد في حديث خاص لـ”العالم الاقتصادي” أن المؤتمر حمل رسائل متعددة، إذ أكد للصناعيين أهمية التركيز على زيادة الإنتاجية، لكنه أشار- في الوقت ذاته- إلى غياب طرح واضح لآليات حماية المنتج الوطني من سياسات الإغراق، كما وجه رسائل للتجار والمستثمرين- عبر الحديث عن تحسين البيئة الاستثمارية- من خلال تبسيط إجراءات الترخيص، وتسهيل سلاسل الإمداد والتوريد، أما فيما يتعلق بملف المنشآت المؤممة، فرأى أن المؤتمر لم يقدم رسائل كافية تعالج قضية إعادة الحقوق الاقتصادية للمتضررين من سياسات التأميم في عهد النظام المخلوع.
وفي تقييمه لمخرجات المؤتمر أشار اسعيد إلى أنه نجح في تشخيص العديد من التحديات التي تواجه القطاع الخاص وأسباب تراجع الإنتاجية، إلا أن الطروحات بقيت ضمن إطار التعهدات العامة المتعلقة بتبسيط الإجراءات، وتفعيل النافذة الواحدة، من دون تحديد جداول زمنية واضحة أو آليات تنفيذية لمعالجة المشكلات الاقتصادية القائمة.
وعن دور الشراكات الدولية، اعتبر اسعيد أن المؤتمر قدم نموذجاً عملياً للتعاون بين الجهات الوطنية والدولية، من خلال تنظيمه بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدعم من حكومة اليابان، وتفعيل مجالس الأعمال السورية المشتركة، والإعلان عن التوسع في هذا المسار، إضافة إلى الحديث عن منح دولية مخصصة لإعادة تأهيل البنية التحتية وأكد أن الأولويات الاقتصادية الملحة، في المرحلة الحالية، تتمثل بإعادة تأهيل البنية التحتية، إصلاح القوانين والتشريعات، وتطوير الكوادر البشرية في مؤسسات الدولة، لاسيما في مجالات الحوكمة، إلى جانب تقديم الدعم اللازم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين التعافي الاقتصادي والعدالة المجتمعية، شدد اسعيد على أن تحقيق التعافي الاقتصادي المستدام يرتبط بوجود عدالة انتقالية تشمل العدالة الاقتصادية، إعادة الحقوق إلى أصحابها، وضمان حماية الملكية الخاصة؛ ضمن إطار قانوني واضح ومستقر.
ورأى أن الإصلاحات المؤسسية والتشريعية تمثل نقطة الانطلاق الأساسية لأي عملية تعافٍ اقتصادي، موضحاً أن هذه الإصلاحات هي العامل الأهم في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية أو عزوفها عن السوق السورية.
وأشار اسعيد إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تشكل عصب الاقتصاد الوطني، نظراً لدورها في خلق فرص العمل، وتحفيز النمو الاقتصادي، ودعم الابتكار، وتلبية احتياجات السوق المحلية، إضافة إلى قدرتها العالية على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.
وختم الباحث الاقتصادي طلال اسعيد حديثه لـ”العالم الاقتصادي” بالتأكيد على أن تمكين القطاع الخاص من القيام بدوره، كشريك حقيقي في التنمية وإعادة الإعمار، يتطلب حزمة إصلاحات؛ تشمل تحديث القوانين المالية والمصرفية، وتطوير المنظومة الضريبية، وإقرار تشريعات تمنع الاحتكار، إضافة إلى تحديث القوانين التجارية والجمركية؛ بما يسهم في دعم الصادرات، وتعزيز موارد القطع الأجنبي.
في المحصلة
وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوري، تبدو مخرجات مؤتمر حوار القطاع الخاص فرصةً مهمةً لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، إلا أن الاختبار الحقيقي يبقى في قدرة هذه الحوارات على التحول إلى سياسات وإصلاحات عملية؛ تسهم في تعزيز الإنتاج والاستثمار، ودفع عجلة التعافي الاقتصادي.
