في العصر الحديث، لا تنفصل هندسة الاستقرار والتعافي الداخلي لأي دولة عن مجمل ما تفرزه منظومات إقليمية يعاد تشكيلها وفق ما تفرضه موازين القوى من جهة، والضرورات الأمنية والجغرافية والسيادية من جهة ثانية. لذلك، عندما تتم قراءة ما تحققه دولة ما، داخليا وخارجيا، فإنه لا بد من إجراء عملية تقاطع دقيقة وصحيحة بين الداخل والخارج، وقياس قدرة الدولة على المناورة بين معادلتين: “الاستقرار المستدام عبر السيادة الوطنية” و”صفقات الجغرافيا” التي تعمل عليها القوى الدولية، وأميركا تحديدا، ضمن مفهوم جديد لعلوم السياسة يقوم على الاعتراف بالفاعلين الحقيقيين الذين استطاعوا ضبط الأرض/الجغرافيا، وفي الوقت ذاته بناء نواة دولة مستقرة.
هنا، لا تزال سوريا تقدم النموذج الأهم والأوضح منذ التحرير في 8 كانون الأول 2024، بين واقعية الإدارة الأميركية والقدرة على تحويل مسار انفتاح إقليمي ودولي إلى فرصة لاستكمال عملية البناء نحو دولة قوية ذات سيادة، لا ترتهن لصفقات الجغرافيا، وتعمل ما أمكن على إعادة إنتاجها وفق المصالح الوطنية العليا.
في هذا المجال، حققت سوريا الكثير المشهود به. ويمكن الحديث عن الاتصال الهاتفي يوم الأحد الماضي بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب، كمثال بارز، أو لنقل كبوصلة لتحديد ما تسعى إليه القيادة السورية ضمن مشهد إقليمي لم تتحدد بعد خطوطه النهائية، وضمن سياق حرب فاصلة أميركية – إيرانية، نقلت الحديث عن “الشرق الأوسط الجديد” من التصريح والتنظير إلى واقع عملي بمنعرجات ملغمة قد تنفجر في أي لحظة، وتهدد شظاياها الجميع.
بالنسبة إلى عموم السوريين، أميركا بوصلة، وعندما يكون هناك اتصال بين الرئيسين الشرع وترامب، فهذا يعني مروحة واسعة من الاتجاهات والتطلعات في الوقت نفسه، خصوصا أن سوريا ما بعد التحرير أعادت ضبط مؤشر السياسات من الخارج إلى الداخل، أي من تحقيق التوازن على المستوى الأميركي – الدولي، لينعكس ذلك على مستوى الاستقرار والتعافي الداخلي، ربطا بمسألة أن سوريا خلال سنوات الحرب الـ14 تحولت إلى قضية دولية بمنعكسات داخلية، ولذلك كان لا بد من عكس السياسات وفق الضرورات والأولويات، لتمكين الدولة من عملية البناء الداخلي.
وجاء في بيان الرئاسة السورية حول الاتصال الهاتفي أن الرئيس الشرع أشار خلال الاتصال إلى أن رفع ما تبقى من العقوبات يمثل خطوة أساسية لتمكين الاقتصاد السوري من استعادة نشاطه وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين وتشجيع الاستثمارات، مؤكدا أهمية استمرار الدعم الدولي لسوريا في مرحلة إعادة البناء والتعافي.
في المقابل، أكد ترامب أهمية الحفاظ على استقرار سوريا ودعم مسار التعافي وإعادة البناء فيها، في إشارة تعكس اهتمام واشنطن المستمر بمنع عودة التوترات الأمنية، بالتوازي مع متابعة التطورات الإقليمية المتسارعة في الشرق الأوسط.
ويرصد المتتبعون لمسار العلاقات السورية – الأميركية أهمية متعددة الأوجه لهذا الاتصال بين الرئيسين الشرع وترامب، لناحية التوقيت والهدف، في ما يتعلق بالداخل السوري أولا، وموقع سوريا الإقليمي ثانيا. ويقرأ المحللون السياسيون توجها أميركيا واضحا باتجاه دعم أوسع وأعمق لعملية الاستقرار والتعافي الداخلي، الذي يشهد بالأساس نقلات نوعية على جميع المستويات تقريبا، في القطاعات الخدمية والأمنية والاجتماعية.
في هذا الإطار، يتحدث أندرو تايلر، الباحث المتخصص في الشأن السوري، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي، عن الاقتصاد السوري ضمن عملية إعادة ترتيب إقليمية واسعة، مشيرا إلى أن ذلك يحمل دلالة ترسم مسارا محتملا للتعافي في سوريا، ربطا بشبكة مصالح عربية وإقليمية ودولية. ويتحدث تايلر عن شبكات الطاقة، أو الربط الطاقوي، كأداة جيوسياسية تخلق علاقات طويلة الأمد بين الحكومات والشركات، فكل مشروع ناجح يربط سوريا بمنظومة تمويل وتقنية وتأمين ونقل تتوزع مراكزها بين الخليج وتركيا وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وهذا ما تركز عليه القيادة السورية.
بين العام والخاص
بالمقارنة بين شهر وآخر، يلمس السوريون واقعيا التحسن في قطاعات حيوية، لناحية توفر الخدمات وجودتها وسهولة الحصول عليها، ولناحية الظروف الأمنية التي تعد عاملا جوهريا في معادلة الاستقرار والتعافي. ويمكن الحديث هنا حتى عن مشهد يكاد يترافق مع مجمل القطاعات التي تسجل تحسنا مستمرا، وهو ما يمكن تسميته العناية بتفاصيل تجميل المدن ومرافقها الخدمية والعامة، فلا يكاد يغيب مشهد العمال الذين يتوزعون في كل مكان للعناية بهذه التفاصيل وتقديمها في أجمل صورة.
يعيش السوريون كل ذلك، وربما كان زائر سوريا، بين حين وآخر، الأقدر على تحديد الفرق، قبل وبعد، على مستوى التغيير الذي تشهده البلاد، خصوصا في مجال الخدمات وما يتعلق عموما بمجمل ما يحتاجه الزائر لتحقيق زيارة ناجحة، وتاليا الخروج بانطباع إيجابي حيال سوريا ومستقبلها.
والحديث هنا عن توفر خدمات أساسية مثل الكهرباء والوقود والغاز والمواد الغذائية والخدمات الطبية والشوارع والطرقات، وغيرها. ويمكن الحديث أيضا على مستوى منظومة العمالة وفرص العمل وقطاع التوظيف والأجور، وهي كلها تشهد تحسنا تتم قراءته ضمن خريطة أوسع لاستدامة التعافي وعملية الاستقرار الداخلي.
والأهم الذي شهدته سوريا منذ بداية هذا العام 2026 هو توسيع موجة الاتفاقات والمشاريع التي تطال قطاع الخدمات، الكهرباء والمياه والصحة والطاقة والمرافئ والمطارات والاتصالات والتعدين وغيرها. بمعنى أن هناك مسارا بات أوضح باتجاه انتقال ملف الخدمات من إدارة الطوارئ ما بعد الحرب، إلى إدارة عقود طويلة الأمد تمس معيشة السوريين من جهة، وقدرة الدولة على ضبط الخدمات الأساسية من جهة ثانية.
وليس خافيا أن الكهرباء والمياه والصحة أكثر القطاعات حساسية، لأن السوري يتعامل معها كل يوم، ويبدو أن إشراك القطاع الخاص انعكس إيجابا بما ساعد في تشغيل المرافق وتحسين مستوى الخدمات، وهذا أمر بات ملموسا بصورة كبيرة.
وكانت سوريا شهدت، الأحد الماضي، انطلاق المؤتمر الوطني للقطاع الخاص الذي تنظمه وزارة الاقتصاد والصناعة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبشراكة مع الحكومة اليابانية، وصناع السياسات، والغرف التجارية والصناعية، والاتحادات والجمعيات، وشركاء التنمية، إلى جانب فاعلين من القطاع الخاص الدولي.
ويهدف المؤتمر إلى تمكين القطاع الخاص السوري من الإسهام الفاعل والمنظم في صياغة رؤية مشتركة لمستقبل التعافي الوطني، والمشاركة في تحديد أولويات التعافي الاقتصادي، ونماذج الحوكمة، والمسارات العملية لبناء اقتصاد تنافسي ومستدام قائم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
هذا لا يعني انتفاء الفروقات التي ما زالت قائمة، أو بعبارة أدق، لا يعني أن عملية التعافي والاستقرار الداخلي لم تعد تحتاج إلى عمل كثير ومتواصل، فما زال العامل الخارجي عاملا جوهريا، وفق الكاتب والمحلل السياسي الدكتور رحيم هادي الشمخي. لذلك، فإن السياسات الخارجية لسوريا هي دائما تحت الضوء والتركيز الشديد، ومن هنا تأتي أهمية كل تواصل مباشر وغير مباشر مع الولايات المتحدة الأميركية، ومنها الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الشرع وترامب.
ويضيف الشمخي في حديث لـ”الثورة السورية”: بالتوازي، تتقدم السياسات الإقليمية، العربية تحديدا، لتقدم إسنادا إضافيا لعملية التعافي والاستقرار الداخلي. لقد تحولت سوريا إلى قبلة استثمارات في أهم القطاعات التي تتقاطع إقليميا لتدفع سوريا باتجاه مواقع متقدمة على خرائط الطاقة والنفوذ الجيوسياسي. نجحت القيادة السورية في إبقاء البلاد خارج دائرة التجاذب والاستقطاب الأخطر منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 شباط الماضي، وكان لهذا أهمية فارقة في رسم مشهد مختلف لسوريا كدولة وكتموضع، وتاليا في مجمل الإقبال الإقليمي والدولي على مواصلة دعمها، وعلى أن يكون تحقيق الاستقرار فيها هدفا إقليميا – دوليا. ويفيد التذكير هنا كيف انتقلت سوريا من موقع إلى موقع على أهم طاولات التفاوض، من أوروبا سياسيا إلى مجموعة السبع الكبار اقتصاديا، إلى قمة “الناتو” أمنيا وعسكريا، والمقرر أن يشارك فيها الرئيس الشرع في تموز المقبل.
هذا مشهد تجيد القيادة السورية إدارته بصبر شديد وحنكة عالية، يضيف الشمخي، لينعكس ثقة خارجية متزايدة تصب بشكل مباشر في خدمة عملية التعافي والاستقرار الداخلي. صحيح أن العملية ما زالت لا تتقدم بالصورة التي يرغبها السوريون، أو لنقل يستعجلونها، إلا أن خطواتها ثابتة، من دون انتكاسات حادة، أي انتكاسات من النوع الذي لا تستطيع السلطات التعامل معه واحتواءه.
وصحيح أن نتائج السياسات الخارجية ما تزال تحتاج إلى وقت إضافي لتختمر وتكون على المستوى المستهدف، إلا أنها نتائج تم البناء عليها بصورة عملية على مستوى الداخل، وهو ما يمكن تبينه بسهولة كبيرة، سواء للسوريين أو لزائري سوريا. لقد بات السوريون أكثر وعيا لمسارات السياسات بين الداخلي والخارجي، وأفضل قراءة لمواقف الدول وأهدافها وما تقود إليه. لذلك، فهم عندما يجرون عملية تقييم لمجمل ما تحقق من إنجازات يأخذون كل ذلك بعين الاعتبار، وعندما يفعلون ذلك يكونون عونا لقيادتهم السياسية وليسوا عبئا عليها، وهذا أهم ما يميز هذه المرحلة من مسار التعافي والاستقرار الداخلي.
تعزيز الانفتاح
لنذكر هنا بالمنتدى الاستثماري السوري – الإماراتي الأول، الذي انعقد منتصف أيار الماضي، والذي شكل منصة حيوية بارزة للربط بين الفرص الواعدة والخبرات الرائدة، وفق قراءة المحللين الاقتصاديين، الذين يرون أن المنتدى حمل رؤية طموحة تضع الاستثمار المشترك كحجر زاوية في مسار التعافي الاقتصادي في سوريا.
هذا المنتدى، وغيره من المنتديات والاستثمارات التي استقطبتها سوريا خلال الأشهر الماضية، وأهمها السعودية، يأتي كترجمة عملية للتوجهات السورية الرامية إلى تعزيز الانفتاح الاقتصادي، وهو ما أكده وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، الذي أوضح أن الهدف الجوهري هو توفير بيئة استثمارية جاذبة، تسهم بشكل مباشر في دعم مسار التعافي والتنمية.
وكانت الأمم المتحدة أشادت بما سمته مرحلة واعدة تمر بها سوريا وتتطلب دعما دوليا لتعزيز التعافي والاستقرار. ففي إحاطة قدمها منتصف أيار الماضي توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي حول التطورات في سوريا، أكد فليتشر تراجع مستوى العنف، وتحسن إمكانية الوصول الإنساني، وعودة اللاجئين والنازحين، إلا أنه في الوقت نفسه أشار إلى أن الاحتياجات الإنسانية ما تزال كبيرة.
وفي السياق والتوقيت ذاتهما، أكد كلاوديو كوردوني، نائب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا، ما تشهده سوريا من تطورات مهمة على صعيد المساءلة والعدالة الانتقالية، رغم ما تمر به من تحديات أمنية واقتصادية وانتهاكات متكررة لسيادتها.
وشدد على أهمية إزالة العقبات التي تعرقل الاستثمار والتدفقات المالية وإعادة الإعمار، لافتا إلى أن التهديدات الأمنية “الإسرائيلية” ما تزال تعرض استقرار سوريا للخطر.
ضبط المسار
بالمحصلة، تتم في سوريا عملية انتقال واضحة من تحقيق التعافي في القطاعات الخدمية والحيوية إلى استدامة التعافي عبر إعادة ضبط المسار نحو اقتصاد أكثر واقعية وتنظيما. وفي الوقت نفسه، هناك مسارات يتم التركيز عليها على مستوى الأجور، وتاليا تعزيز القدرة الشرائية، فالاقتصاد الناجح هو ما يشعر به الناس يوميا.
وكذلك يتم التركيز على دعم الإنتاج المحلي، وتنشيط الأسواق، وتحفيز بيئة الأعمال، مع الأخذ بالاعتبار أن المرحلة الانتقالية صعبة بطبيعتها، ولا بد لتجاوزها بنجاح من تحقيق توازن مدروس بين النموذج الاقتصادي المعتمد وبين حماية القدرة المعيشية للمواطنين.
بالعموم، يمكن فهم مسار التعافي الذي تعتمده الحكومة عبر الانتقال من الضرر إلى التشغيل، ومن التشغيل إلى الخدمة، ومن الخدمة إلى الثقة، أي استعادة البنية التحتية أو الخدمة المطلوبة، ثم إعادة إعمارها أو تفعيلها، ثم بناء منظومة عمل مستقرة تقود إلى استدامة تقديم الخدمات الأساسية.
وقد قطعت الوزارات المعنية أشواطا في هذا المسار، لذلك فإن السوريين بعمومهم يتلمسون عمليا تحسنا جيدا في مستوى الخدمات لناحية الوفرة والسهولة والجودة وحتى القدرة الشرائية. صحيح أن الفجوة بين الأجور والقدرة الشرائية ما زالت قائمة، إلا أنه لا يمكن تجاهل حقيقة أنها تتقلص بصورة مستمرة وفق سياسات متدرجة ومدروسة تعتمدها الحكومة وصولا إلى ردم الفجوة كليا، تماما كما كان الحال لناحية توفير الخدمات الأساسية، الكهرباء والغاز والمواد الغذائية.
جولة سريعة على الأسواق ومراكز الخدمات ستكون نتيجتها أن الخدمة المطلوبة متوفرة على الدوام، مع سهولة الحصول عليها، وبجودة عالية، وضمانة التشغيل والاستخدام. فقد اختفت الطوابير التي كانت تمتد لأيام للحصول على أبسط الخدمات، ولم تعد البيوت مظلمة على وقع ساعات وحتى أيام من التقنين الكهربائي، ولم تعد العائلات تنتظر ثلاثة أيام وأكثر لتحصل على مخصصات من الخبز لا تكفيها ليوم واحد، أو تنتظر أشهرا لتحصل على خدمات الإنترنت، وبأسوأ خدمة وجودة، فيما لم تكن هذه الخدمات متوافرة بالمطلق في بعض المناطق.
كل هذا، وغيره كثير، بدأ السوريون وزائرو سوريا يعيشونه واقعا ويتحدثون عنه، وعن تطلعات تتوسع وتفاؤل يتعزز بأن سوريا تتجه نحو تحقيق استدامة استقرار وتعاف، لن يطول الوقت حتى تصبح حقيقة واقعة على كل المستويات.
مها سلطان
المصدر: الثورة السورية
