تخيل أنك تقف أمام الحرف الإنجليزي (K)؛ خطّه العلوي ينطلق بجسارة نحو السماء، ليشير إلى ثرواتٍ طائلة تلامس السحاب في “وول ستريت”، بينما ينحدر الآخر بحدة إلى قاعٍ سحيق، يجر خلفه ملايين العائلات التي ترزح تحت وطأة التضخم والديون.
هذا هو التجسيد الحي لواقع الاقتصاد الأمريكي اليوم في عهد الولاية الثانية للرئيس “دونالد ترامب”، ففي هذا المشهد المتناقض، يرتشف الأثرياء رحيق أرباح الأسهم القياسية على متن يخت فاخر، بينما يكافح المواطن العادي في طابور محطة الوقود لدفع فاتورة أثقلتها الحرب والقرارات السياسية.
لذلك تحول السؤال من: هل عدم المساواة موجود في الولايات المتحدة؟ إلى: ما مدى اعتماد الاقتصاد الأمريكي على الأثرياء؟

ما هو اقتصاد حرف “كيه”؟
يشير المفهوم إلى مسار اقتصادي غير متكافئ؛ حيث تتحسن أوضاع فئات مرتفعة الدخل بوتيرة أسرع، بينما تتراجع قدرة الشرائح الأقل دخلًا على الإنفاق والادخار وتحمل تكاليف المعيشة.
اكتسب المفهوم زخمًا جديدًا داخل النقاش الاقتصادي الأمريكي مع تصاعد الجدل حول أثر السياسات الاقتصادية والضريبية على توزيع الثروة والاستهلاك.
كيف يظهر الواقع صحة النظرية؟
يستحوذ أغنى 10% من الأمريكيين على 93% من إجمالي الأسهم التي تمتلكها الأسر، ما يجعل المكاسب القياسية لمؤشر “إس آند بي 500” بعيدة عن متناول الغالبية العظمى من المواطنين الذين يواجهون صعوبات معيشية متزايدة.
قفز معدل التضخم إلى قرابة 4%، وهو ما يفوق بكثير وتيرة نمو الأجور، ما أدى إلى تراجع حقيقي في دخل الأسر العاملة وتدهور قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية، خاصة مع ارتفاع أسعار البنزين بنحو 50% منذ أن بدأ “ترامب” قصف إيران.
لماذا يرى المحللون أن عبء التضخم غير متكافئ بين الطبقات؟
تنفق الأسر في الربع الأدنى من الدخل (أقل من 40 ألف دولار سنوياً) حوالي 4% من دخلها على الوقود، بينما تنفق الأسر في الربع الأعلى (100 ألف دولار فأكثر) أقل من 1%.
ارتفع أجر الساعة للعاملين بنسبة ضئيلة لا تتجاوز 3% فقط منذ عام 2019 بعد تعديله وفقاً للتضخم، في حين قفزت أرباح الشركات بنسبة 50% خلال الفترة نفسها، ما يعكس اختلالاً هيكلياً في توزيع عوائد النمو.
ما الذي يكشفه سلوك الشركات عن عمق فجوة الطبقات؟
تتسابق شركات الطيران لإضافة مقاعد درجة رجال الأعمال للأثرياء، في حين أعلنت شركة “سبيريت” للطيران منخفض التكلفة إفلاسها، وزادت مبيعات اليخوت والطائرات الخاصة رغم تأكيدات الفيدرالي بأن معدلات الجوع فاقت فترة الجائحة.
اشتكى الرئيس التنفيذي لشركة “ماكدونالدز” من تراجع مبيعات ذوي الدخل المنخفض، ما دفع الشركة لطرح وجبات فاخرة مثل “بيج آرتش” بأسعار تصل إلى 13 دولاراً، متجاوزة القدرة الشرائية لمن يعيشون على الحد الأدنى للأجور الثابت عند 7.25 دولار للساعة.
ما هي السياسات التشريعية التي أسهمت في تعزيز هذا الانقسام؟
تضمن مشروع قانون “ترامب” خفضاً ضريبياً بقيمة تريليون دولار لأغنى 1% من السكان، قابله تقليص بقيمة 1.1 تريليون دولار من برامج الرعاية الصحية والمساعدات الغذائية للفقراء.
جرى تجميد الحد الأدنى للأجور الفيدرالي، مع اقتراح حرمان 3 ملايين عامل رعاية منزلية من حماية الأجور الإضافية، بالإضافة إلى تفكيك “مكتب الحماية المالية للمستهلك”، ما أضعف قدرة الأفراد على مواجهة الممارسات غير العادلة للمؤسسات المالية، لصالح المساهمين في البنوك.
هل الاقتصاد الأمريكي “هش” لدرجة الانهيار؟
يرى خبراء اقتصاديون أن اعتماد النمو على إنفاق الأثرياء فقط يجعل الاقتصاد شديد الحساسية لأي تراجع في سوق الأسهم، حيث يشكل إنفاق أغنى 10% حوالي نصف إجمالي الاستهلاك في أمريكا، ما يعني أن أي اهتزاز في ثرواتهم سيعصف بالاقتصاد ككل.
سجلت معدلات التخلف عن سداد القروض (البطاقات، السيارات، العقارات) للمقترضين ذوي التصنيف الائتماني المنخفض أعلى مستوياتها منذ عام 2014.
لماذا تشوب الضبابية توقعات الفيدرالي والخبراء؟
يرى “مارك زاندي”، كبير الاقتصاديين في “موديز أناليتكس”، أن نمو الاقتصاد بنسبة 2% يعتمد كلياً على إنفاق الأثرياء (حيث يمثل أعلى 20% دخلاً 60% من الإنفاق الاستهلاكي)، ما يجعل التعافي “شديد الهشاشة والخطورة” في حال تراجع البورصة.
يعاني سوق العمل من ضعف التوظيف وارتفاع البطالة، ما يتطلب خفض الفائدة، لكن تجدد الضغوط التضخمية والمخاوف من خروج التوقعات عن السيطرة يدفعان لتشديد السياسة النقدية؛ والنتيجة الحتمية هي شلل صناع السياسات وانتظار وضوح الرؤية.

نهاية المطاف
لم تعد الولايات المتحدة تواجه دورة اقتصادية متباينة، بل تعيش إعادة هيكلة جذرية لصالح رأس المال على حساب قوة العمل.
وإن اعتماد النمو على مستويات إنفاق الطبقة العليا يجعل الاقتصاد أشبه ببرج من ورق؛ فبينما يعيش الأثرياء عصرهم الذهبي الجديد، يسجل مؤشر جامعة “ميتشجان” لثقة المستهلكين مستويات تشاؤم هي الأكثر قتامة في تاريخه.
ولا يهدد هذا الشرخ البنيوي والسياسي استقرار الأسواق المالية فقط، بل يمهد الطريق لولادة مشهد اقتصادي واجتماعي أمريكي مأزوم، تذوب فيه الطبقة الوسطى تماماً تحت وطأة الواقع.
فهل يدرك صناع القرار أن اقتصاداً لا ينمو فيه الجميع، هو اقتصادٌ لا يمكنه الصمود طويلاً، أم أن السوق سيتجه إلى تصحيح هيكلي قريباً ليصلح ما أفسده البشر؟
المصادر: أرقام – بلومبرج – ذا جارديان
