في كل مرة تواجه الحكومات أزمات اقتصادية أو عجزاً مالياً متزايداً، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: إذا كانت الدولة قادرة على طباعة النقود، فلماذا لا تطبع المزيد ببساطة وتنهي مشكلات الديون والبطالة وتمويل الخدمات؟
يبدو السؤال للوهلة الأولى منطقياً، بل يبدو مغرياً، خصوصاً في عالم يرزح تحت ضغوط التضخم وتباطؤ النمو وارتفاع تكاليف المعيشة.
ومن هنا ظهرت “النظرية النقدية الحديثة” أو ما يعرف بـMMT، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر النظريات الاقتصادية إثارة للجدل، بعدما قدّمت نفسها باعتبارها بديلاً ثورياً للنظرة التقليدية إلى المال والعجز والدين العام.
الإنفاق الحكومي
تستند النظرية إلى فكرة رئيسية مفادها أن الحكومات التي تملك عملاتها الخاصة ليست مقيّدة مالياً بالطريقة التي تصوَّر بها عادة، لأنها تستطيع ببساطة خلق المزيد من النقود لتمويل الإنفاق الحكومي.
وبحسب أنصار هذه النظرية، فإن الهوس التقليدي بالعجز المالي والديون العامة حرم الاقتصادات من فرص ضخمة لتحفيز النمو وتحقيق الرفاه الاجتماعي الكامل.
في كتابه الجديد «إذا كنتم تستطيعون طباعة المال، فلماذا أدفع الضرائب؟»، يحاول الاقتصادي “إيمانويل ماجيوري” تفكيك أبرز ادعاءات النظرية النقدية الحديثة، موضحاً أن جاذبية الفكرة لا تعني بالضرورة أنها قابلة للتطبيق من دون كلفة اقتصادية أو سياسية ضخمة.
مرتكزات النظرية
أحد أبرز مرتكزات النظرية يتمثل في القول إن الحكومة لا يمكن أن تنفد منها الأموال طالما أنها تسيطر على عملتها الوطنية. فبحسب الاقتصادي راندال راي، أحد أبرز المدافعين عن النظرية، تستطيع الحكومات دائماً «تحمل تكاليف رعاية مواطنيها» لأنها قادرة على إصدار النقود متى شاءت.
ومن هذا المنطلق، ترى النظرية أن الضرائب أو إصدار السندات الحكومية ليسا ضروريين فعلياً لتمويل الإنفاق العام، بل إن الدولة تستطيع حتى التخلص من الدين العام عبر طباعة النقود اللازمة لسداده.
وتتخيل النظرية نظاماً يسمح للحكومات بتمويل مشاريعها اليومية مباشرة من خلال خلق الأموال، سواء لتغطية الرواتب أو مشاريع البنية التحتية أو برامج الرعاية الاجتماعية، بدلاً من الاعتماد على الضرائب أو الاقتراض.
بيد أن “ماجيوري” يرى أن هذه الفكرة ليست اكتشافاً اقتصادياً جديداً بقدر ما هي «حقيقة بديهية»، فالجميع يعلم أن الحكومات القادرة على إصدار العملة يمكنها خلق المال، لكن السؤال الحقيقي يتمثل في: ما العواقب الاقتصادية لهذه الخطوة؟
التأثيرات المحتملة
ويشير إلى أن أنصار النظرية يتجاهلون التأثيرات المحتملة لطباعة النقود على التضخم والقوة الشرائية. فعلى سبيل المثال، تقول ستيفاني كيلتون، من أبرز وجوه النظرية النقدية الحديثة، إن الولايات المتحدة يمكنها سداد كامل دينها الوطني «غداً» عبر خلق النقود، من دون أن يدفع المواطنون شيئاً إضافياً.
غير أن “ماجيوري” يعتبر أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن استبدال السندات الحكومية بواسطة النقود المطبوعة سيؤدي على الأرجح إلى ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة، ما يعني عملياً أن حاملي السندات سيخسرون جزءاً من قوتهم الشرائية، حتى لو تم سداد الديون شكلياً بالكامل.
وفي قلب هذا الجدل يبرز دور البنوك المركزية واستقلاليتها. ففي الأنظمة الاقتصادية التقليدية، لا تستطيع الحكومات عادة طباعة الأموال مباشرة لتمويل نفقاتها اليومية، بل تعتمد على الضرائب أو بيع السندات، فيما تتولى البنوك المركزية إدارة السياسة النقدية بشكل مستقل نسبياً بهدف حماية الاستقرار المالي ومنع التلاعب السياسي بالعملة.

استقلالية البنوك المركزية
لكن أنصار النظرية النقدية الحديثة يشككون في وجود استقلال حقيقي للبنوك المركزية، معتبرين أن الحكومات تموّل إنفاقها عملياً عبر خلق النقود بصورة أو بأخرى.
غير أن “ماجيوري” يرى أن الأدلة التي تستند إليها النظرية في هذا الجانب تعاني مشكلات كبيرة، موضحاً أن بعض المدافعين عنها تجاهلوا حسابات الخزانة الحكومية داخل النظام المصرفي، ما أعطى انطباعاً مضللاً بأن الأموال «تُخلق» أو «تختفي» بطريقة مختلفة عن الواقع.
ومع تصاعد الانتقادات، لجأ بعض مؤيدي النظرية إلى طرح أفكار أثارت كثيراً من السخرية، مثل اقتراح سك عملة بلاتينية بقيمة تريليون دولار وإيداعها لدى البنك المركزي لتمويل الإنفاق الحكومي.
ورغم أن الفكرة قُدمت بوصفها حلاً قانونياً ممكناً، فإن اقتصاديين كثيرين اعتبروها دليلاً على هشاشة الأسس العملية للنظرية.
ضغوط الحكومات
ويرى “ماجيوري” أن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كان البنك المركزي مستقلاً حالياً، بل بما إذا كانت الحكومات قد تضغط مستقبلاً على البنوك المركزية لإجبارها على تمويل الإنفاق العام مباشرة، خاصة إذا ازدادت شعبية النظرية النقدية الحديثة بين السياسيين.
ومن أبرز النقاط التي تطرحها النظرية أيضاً فكرة أن الاقتصادات الحديثة تعاني “طاقات معطلة” ضخمة، مثل البطالة والموارد غير المستغلة، وأن بإمكان الحكومات تحريك هذه الموارد عبر زيادة الإنفاق الممول بالنقود الجديدة.
ويقول مؤيدو النظرية إن المشكلة ليست نقص المال، بل سوء استخدام الموارد المتاحة.
وبناءً على ذلك، تدعو النظرية إلى تقييم المشاريع الحكومية وفقاً لقدرة الاقتصاد على توفير الموارد اللازمة لها، لا وفقاً لحجم الميزانية أو العجز المالي.
فالسؤال بالنسبة لهم ليس: هل توجد أموال كافية؟ بل: هل توجد عمالة ومواد وإمكانات إنتاجية كافية لتنفيذ المشروع؟
الموارد المعطلة
ويعتقد أنصار النظرية أن هذا النهج لا يؤدي بالضرورة إلى التضخم، لأن الحكومة ــ بحسب تصورهم ــ تستخدم موارد كانت معطلة أصلاً ولا تنافس القطاع الخاص عليها. ولا يظهر التضخم، وفقاً لهذا المنطق، إلا عندما يتجاوز الطلب حجم الموارد المتاحة فعلياً.
لكن “ماجيوري” يرد بأن هذه الرؤية تعتمد على تصور قديم للتضخم، يتجاهل أهمية “توقعات الأسواق”.
في النظريات الاقتصادية الحديثة، لا ترتفع الأسعار فقط بسبب زيادة الطلب الحالي، بل أيضاً بسبب توقع الأفراد والشركات ارتفاع التضخم مستقبلاً. ولذلك، فإن طباعة النقود بشكل واسع قد تدفع الأسواق إلى رفع الأسعار والأجور مسبقاً، خوفاً من تراجع قيمة العملة لاحقاً.
كما ينتقد افتراض النظرية إمكانية القضاء الكامل على البطالة من دون خلق ضغوط تضخمية، معتبراً أن ذلك يتعارض مع الفهم الاقتصادي السائد لطبيعة سوق العمل وحدود التشغيل الكامل.

الفجوة الإنتاجية
وفيما يتعلق بفكرة «الطاقة المعطلة» أو الفجوة الإنتاجية، يشير ماجيوري إلى أن النظرية النقدية الحديثة تتعامل مع ضعف النشاط الاقتصادي وكأنه حالة دائمة، بينما ترى النظريات المعاصرة أن هذه الفجوات غالباً ما تكون مؤقتة وترتبط بعوامل دورية أو اختلالات قصيرة الأجل.
ورغم كل الجوانب النظرية المثيرة للجدل، يعتقد ماجيوري أن التحدي الأكبر أمام النظرية النقدية الحديثة يبقى سياسياً أكثر منه اقتصادياً. فالنظرية تفترض وجود حكومات قادرة على استخدام طباعة النقود بحكمة وانضباط، وتفترض أيضاً استعداد السياسيين لرفع الضرائب فور ظهور التضخم، وهو أمر يراه كثير من الاقتصاديين غير واقعي.
ويحذر من أن السياسيين قد يميلون إلى الإفراط في استخدام طباعة النقود لتمويل الوعود الشعبية أو سد العجز المالي، خصوصاً في أوقات الأزمات أو الانتخابات، ما قد يؤدي إلى انفلات التضخم وفقدان الثقة بالعملة.
تقدير حجم الموارد
كما يشكك في قدرة الحكومات على تقدير حجم الموارد المتاحة بدقة عند إطلاق مشاريع ضخمة، مشيراً إلى أن بعض مؤيدي النظرية قدموا حسابات متفائلة للغاية لمبادرات مثل «الصفقة الخضراء الجديدة»، معتبرين أن فوائدها الاقتصادية ستغطي تكلفتها بالكامل، من دون تقديم نماذج تفصيلية كافية تدعم هذه الفرضيات.
في المحصلة، يرى “ماجيوري” أن النظرية النقدية الحديثة تقدم نفسها كطريق مختصر نحو الازدهار، لكنها في الواقع تتجاهل حقائق اقتصادية وسياسية معقدة. فخلق النقود قد يمنح الحكومات مساحة أوسع للتحرك، لكنه لا يلغي حقيقة أن الموارد محدودة، وأن أي إنفاق إضافي لا بد أن يتحمل المجتمع تكلفته بطريقة أو بأخرى، سواء عبر التضخم، أو تراجع القوة الشرائية، أو فقدان الثقة بالاقتصاد على المدى الطويل.
المصدر: أرقام- موقع “إل إس إي”
