ارتفاع أسعار مواد البناء يبطئ مشاريع السكن ويزيد الأعباء المعيشية

زمن القراءة: 6 دقائق

شهدت أسواق مواد البناء خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار شمل مختلف الأصناف الأساسية، مثل الإسمنت والحديد والرمل والمواد العازلة، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والاستيراد، بالتزامن مع الضغط المتزايد الذي يشهده قطاع الإسكان نتيجة ارتفاع الطلب مقابل محدودية العرض، ما أدى إلى انعكاسات مباشرة على قدرة المواطنين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود، على بناء مساكنهم أو استكمالها.

تشير بيانات عدد من تجار مواد البناء إلى أن الأسعار لم تعد مستقرة خلال الفترة الأخيرة، إذ أصبحت تتغير بشكل متكرر خلال فترات زمنية قصيرة. وسجلت بعض المواد الأساسية زيادات تجاوزت نسبتها بين 20 و40 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، فيما شهدت مواد أخرى تقلبات أسبوعية مرتبطة بسعر الصرف وتكاليف الشحن العالمية.

ومن جانب آخر، يواجه أصحاب مكاتب استيراد وبيع مواد البناء تحديات كبيرة نتيجة تقلب الأسعار وعدم استقرار السوق. ويوضح أشرف شلحاوي، أحد أصحاب مكاتب الاستيراد وتجارة مواد البناء في ريف دمشق، لـ”الثورة السورية”، أن “التاجر أصبح يعمل في بيئة غير مستقرة، حيث يتم الاتفاق على شحنة بأسعار معينة، لكن عند وصولها تتغير التكاليف بسبب الشحن أو الرسوم أو سعر الصرف”.

وأضاف: “الأسعار لم تعد ثابتة كما في السابق، ونحن نغيّر الأسعار بشكل شبه يومي أحياناً بسبب تغيّر كلفة التوريد من المصدر أو ارتفاع أسعار النقل والرسوم، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار، ووضع صعوبات أمام التاجر والمستهلك على حد سواء في وضع خطة واضحة للشراء أو البناء”.

وأشار شلحاوي إلى أن “هذه التقلبات تؤدي أحياناً إلى خسائر أو أرباح غير مستقرة، ما يجعل التخطيط التجاري طويل الأمد أمراً صعباً، كما أن بعض الشركات أصبحت تعتمد سياسة تقليل المخزون لتجنب المخاطر، وهو ما ينعكس بدوره على توافر المواد في السوق”.

أسباب متعددة وراء الارتفاع

يرجع مختصون في قطاع الاقتصاد ومواد البناء هذا الارتفاع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، وفي مقدمتها التغيرات في أسعار المواد الخام عالمياً، ولا سيما الحديد والإسمنت المرتبطان بأسواق الطاقة والنفط بشكل مباشر. كما أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة كلفة الإنتاج والتصنيع، وهو ما انعكس على السعر النهائي للمستهلك.

وبدوره، أكد هيثم دربالة، المدير التنفيذي لشركة استيراد وتجارة مواد بناء موقعها حلب، في حديث خاص لـ”الثورة السورية”، أن “بعض الأسباب الرئيسية لارتفاع أسعار مواد البناء تعود إلى ارتفاع الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار المواد الخام خلال الأشهر الأخيرة نتيجة الحروب”.

وأشار دربالة إلى أن هذا الارتفاع ترك انعكاسات كبيرة على الأسواق وحركتها، وأدى إلى ارتفاع أسعار المباني السكنية والمحال التجارية وكل ما يتعلق بقطاع البناء.

واختتم حديثه حول الحلول الممكنة للحد من ارتفاع الأسعار، موضحاً أن “تحسين واقع السوق والحلول الأمثل لهذه المشكلة يبدأ بإعادة تأهيل معدات معامل الدولة واستبدالها، والاعتماد على المواد الخام التي تدعم سوق العقارات بدلاً من استيراد المواد الجاهزة، إضافة إلى أهمية استثمار اليد العاملة وتوظيفها في قطاع مواد البناء، والعمل على رفع جودة المنتج السوري ومستواه”.

وانعكس ارتفاع أسعار مواد البناء بشكل واضح على المواطنين، ولا سيما أولئك الذين يخططون لبناء منازلهم الخاصة أو استكمال مشاريع سكنية متوقفة، إذ اضطرت العديد من العائلات إلى تأجيل مشاريع البناء أو تقليصها بسبب الزيادة الكبيرة في التكاليف.

ويقول خالد حساني، أحد المواطنين الذين كانوا بصدد بناء منزل لعائلته، لـ”الثورة السورية”: “بدأنا المشروع منذ عامين وكانت التكاليف ضمن قدرتنا، لكن اليوم ارتفعت الأسعار بشكل كبير لدرجة أننا توقفنا عن البناء في مرحلة الأساس. كل شهر نعيد حساباتنا ونجد أن الميزانية لم تعد كافية”.

ويضيف حساني أن “ارتفاع الأسعار لا يؤثر فقط على البناء الجديد، وإنما أيضاً على أعمال الترميم والصيانة، ما يجعل حتى تحسين المساكن الحالية أمراً مكلفاً بالنسبة لكثير من الأسر”.

موقف الجهات الرسمية

أكد مدير الشركة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت ومواد البناء “عمران” محمود فضيلة، في تصريح لـ”الثورة السورية”، أن الشركة تتابع موضوع أسعار مواد البناء بشكل مستمر، مشيراً إلى أن أسعار الإسمنت من أرض المعامل لم تشهد أي تغيير منذ الخامس عشر من آذار الماضي، وأن تفاوت الأسعار في الأسواق يعود في معظمه إلى تغير سعر صرف القطع الأجنبي مقابل الليرة السورية.

وعند سؤاله عن الخطط القريبة لضبط الأسعار وتوفير مواد البناء بأسعار تتناسب مع دخل المواطنين، أوضح فضيلة أن المعامل من المقرر أن تبدأ العمل على الفحم بدلاً من الفيول اعتباراً من عام 2027، وهو ما من المتوقع أن ينعكس إيجاباً على كلفة الإنتاج وأسعار مواد البناء عموماً، والإسمنت على وجه الخصوص.

ولم يعد ارتفاع أسعار مواد البناء قضية تهم العاملين في قطاع الإنشاءات وحدهم، إذ بات يمس شريحة واسعة من المواطنين، نظراً لارتباطه المباشر بقدرة الأسر على بناء مساكنها أو ترميمها، فالكثير من المشاريع السكنية التي انطلقت خلال الفترة الماضية أصبحت تتقدم بوتيرة أبطأ، فيما اضطرت عائلات أخرى إلى تأجيل خطط البناء بسبب الارتفاع المستمر في التكاليف وعدم وضوح اتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة.

ويؤكد مختصون أن استمرار تقلب الأسعار ينعكس على مختلف حلقات القطاع، بدءاً من المستورد والتاجر وصولاً إلى المتعهد والمستهلك النهائي، كما أن صعوبة تقدير الكلفة الفعلية للمشاريع تجعل قرارات الاستثمار والتوسع أكثر تعقيداً، في وقت يحتاج فيه السوق إلى قدر أكبر من الاستقرار لدعم الحركة العمرانية وتحريك المشاريع المتوقفة.

ولا تتوقف آثار ارتفاع الأسعار عند قطاع السكن، وإنما تمتد إلى سوق العقارات والخدمات المرتبطة بالبناء واليد العاملة والورشات الإنتاجية، فكل زيادة في كلفة مواد البناء تنعكس على أسعار الشقق والمحال التجارية وأجور التنفيذ، ما يفرض أعباء إضافية على المواطنين ويحد من قدرة بعض الشرائح على امتلاك سكن أو تحسين واقعها المعيشي.

أحمد عبد الحكيم علي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار