النفط والعرّاب .. هل انتهى زمن الصدمات الكبرى؟

زمن القراءة: 8 دقائق

في الفيلم الأمريكي “العرّاب”، لم يكن “دون كورليوني” بطل الفيلم بحاجة إلى الصراخ أو التهديد المباشر كي يفرض سيطرته، كان يكفي أن يدخل الغرفة ببطء، بنظرته الهادئة وصمته الثقيل، حتى يتغير سلوك الجميع من حوله.

فالخوف الحقيقي لم يكن في الكلمات، بل في السمعة المتراكمة عبر السنوات التي جعلت مجرد حضوره كافياً لإرباك الحسابات وتغيير القرارات.

لكن حتى القوى الأكثر رهبة يمكن أن تفقد جزءًا من تأثيرها عندما يعتاد الآخرون عليها، فمع الوقت، تبدأ الصدمة بالتآكل، ويتحول الخوف إلى أمر مألوف، ثم يصبح التهديد نفسه جزءًا من المشهد اليومي.

ويبدو أن سوق النفط العالمية تعيش حالة مشابهة اليوم، فلعقود طويلة كان النفط يشبه “العرّاب” الحقيقي للاقتصاد العالمي؛ سلعة قادرة على إرباك الأسواق، ودفع الاقتصادات إلى الركود أو التضخم بمجرد اهتزاز الإمدادات أو اندلاع حرب في منطقة منتجة.

كانت عبارة مثل: “توتر في الشرق الأوسط” كافية لإشعال شاشات التداول، وقفز الأسعار بعشرات الدولارات خلال أيام قليلة.

وفي سبعينيات القرن الماضي، أدت صدمات النفط إلى تغيير شكل الاقتصاد العالمي بالكامل، وحتى في السنوات اللاحقة، كانت الأسواق تتعامل مع أي تهديد لمضيق هرمز أو أي قرار من “أوبك” باعتباره إنذارًا اقتصاديًا قد يغيّر اتجاه السوق.

أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفاً، فرغم تصاعد التوترات البحرية، وتهديدات تعطّل الإمدادات، والأخبار التي كانت سابقاً كفيلة بإشعال موجات ذعر عالمية، فإن رد الفعل أصبح بارداً وسريع الزوال، وكأن الأسواق فقدت حساسيتها القديمة تجاه الخطر.

السوق تكتسب مناعة جراء تلاحق الأزمات

من أوضح الإشارات إلى تغيّر سلوك النفط، أن الأسواق باتت تُظهر ردود فعل أكثر هدوءاً تجاه أحداث جيوسياسية كانت كفيلة سابقاً بإطلاق موجات صعود طويلة.

وعلى عكس العقود الماضية، باتت الأسعار اليوم ترتفع سريعاً ثم تتراجع بالسرعة نفسها، بعدما أصبح المتداولون أكثر قدرة على التمييز بين العناوين العاطفية والخسائر الفعلية في الإمدادات.

وقد ظهر ذلك بوضوح خلال التوترات الأخيرة المرتبطة بمسارات الشحن قرب مضيق هرمز، فقد قفز خام برنت لفترة وجيزة فوق 112 دولاراً للبرميل وسط مخاوف من تعطل الإمدادات وتهديد حركة الناقلات.

لكن الأسعار عادت وتراجعت سريعًا خلال أيام قليلة بعدما أعادت الأسواق تقييم احتمالات حدوث انقطاع طويل الأمد، وركّزت بدلاً من ذلك على فرص التوصل إلى حلول دبلوماسية.

ومما يؤكد هذا أن سعر برنت تراجع بنحو 6% في جلسة واحدة بعد ظهور مؤشرات على اقتراب المفاوضات الأمريكية الإيرانية من “مراحلها النهائية”، بحسب وكالة رويترز.

قبل سنوات، كان مثل هذا الانعكاس السريع يُعتبر أمراً استثنائياً، أما اليوم فأصبح أكثر شيوعاً.

هذا التحول لم يأت فجأة، فمنذ عام 2020، عاش متداولو النفط سلسلة غير مسبوقة من الصدمات: انهيار الطلب خلال الجائحة، وصول العقود الأمريكية إلى الأسعار السلبية، العقوبات على روسيا، اضطرابات البحر الأحمر، وغيرها من الأزمات.

وكأن الأسواق طوّرت قدرة أعلى على تحمّل حالة عدم اليقين، كما لعب التوسع في الإمدادات، خاصة من الولايات المتحدة، دوراً أساسياً في تغيير نفسية السوق.

وبات المستثمرون يدركون أن ارتفاع الأسعار يمكن أن يحفّز لاحقاً زيادة الإنتاج، ما يحدّ من استدامة موجات الصعود الناتجة عن نقص الإمدادات.

هذا التوازن الهش أكده “فاتح بيرول”، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، في تصريح لسي إن إن، حيث أشار إلى أن وجود “وسادة مريحة” من الطاقة الإنتاجية الفائضة عالمياً نزع من السوق غريزة الذعر النفسي.

وأوضح أن توافر الإمدادات البديلة لسد أي فجوة، جعل الأسواق تتجاهل العناوين الساخنة وتنام في أمان زائف.

وفي آذار الماضي، سارعت العديد من الدول من بينها ألمانيا واليابان إلى الإعلان عن لجوئها إلى مخزوناتها الاستراتيجية من النفط في مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة، على خلفية اندلاع الحرب ضد إيران.

وبذلك أصبحت الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية والتدخلات الحكومية المنسقة أدوات أكثر استخداماً، فخلال فترات التوتر الحاد، ترسل الحكومات إشارات متكررة حول استعدادها لضخ احتياطيات إضافية لتهدئة الأسعار.

القلق الاقتصادي يفوق الخوف النفطي

تاريخياً، كانت أسعار النفط تتحرك اعتمادًا على روايات مرتبطة بالإمدادات، أما اليوم، فأصبح الغموض المرتبط بالطلب لا يقل أهمية، وربما يفوقها أحياناً.

وتُعد الصين المثال الأوضح على هذا التحول، فلطالما مثّل النمو الصيني محركاً رئيساً لدعم أسعار الخام، لكن تباطؤ النشاط الصناعي وضعف القطاع العقاري والتعافي غير المتوازن بعد الجائحة، غيّرت جميعها توقعات الطلب العالمي.

وأظهرت استطلاعات أجرتها رويترز خلال عام 2025 أن المحللين خفّضوا توقعاتهم لأسعار النفط رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.

ففي أحد الاستطلاعات التي شملت 40 اقتصادياً ومحللاً، جرى خفض متوسط توقعات خام برنت لعام 2025 إلى نحو 66.98 دولار للبرميل بسبب زيادة إنتاج “أوبك+” والمخاوف المرتبطة بالطلب العالمي.

قبل سنوات، كان ذلك يبدو غريبًا؛ إذ كانت اضطرابات الشرق الأوسط وحدها كافية للحفاظ على الأسعار عند مستويات مرتفعة، لكن المستثمرين اليوم أصبحوا أكثر تركيزًا على احتمال تباطؤ الاقتصاد العالمي وقدرته على تعويض أثر أي نقص محتمل في الإمدادات.

وهكذا أصبحت السوق عالقة بين خوفين متناقضين: صدمة في الإمدادات تدفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد، وتباطؤ اقتصادي يضغط على الأسعار هبوطاً رغم التوترات الجيوسياسية، وهو ما يفسر سبب تحرك النفط في موجات قصيرة وعنيفة دون اتجاه طويل الأمد واضح.

التقلبات مستمرة.. لكنها تغيّرت

النفط لم يتحول إلى سوق مستقرة، لكن ما تغيّر فعليًا ليس مدى الحركة، بل طبيعتها، فبينما كانت الصدمات في الماضي تُنتج اتجاهات سعرية طويلة وممتدة، أصبحت السوق اليوم تنتج موجات قصيرة وعنيفة، لكنها سريعة التلاشي بشكل لافت.

هذا التحول يرتبط مباشرة بتغير بنية السوق نفسها، فوفق تقديرات بنك التسويات الدولية فإن أكثر من 50% من تداولات العقود الآجلة للسلع، بما فيها النفط أصبحت مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بخوارزميات تداول عالية السرعة وصناديق لحظية.

بمعنى آخر، لم يعد الذهب الأسود يتحرك فقط بناءً على حدث متعلق بالإمداد، بل بناءً على عدة متغيرات.

وفي أكثر من مناسبة خلال 2024–2025، وثقت رويترز تحركات يومية لخام برنت تتراوح بين ارتفاعات وانخفاضات تفوق 3% خلال جلسة واحدة دون وجود تغيير فعلي في الأساسيات، بل نتيجة بيانات مخزون أمريكية أو تصريحات سياسية أو تحركات في الدولار.

ويرى محللون في تقارير بلومبرغ أن هذه الديناميكية خلقت ما يمكن وصفه بالاستقرار السطحي. فالأسعار قد تبدو مستقرة على مدى شهر أو ربع سنة، لكن هذا الاستقرار يخفي داخله سلسلة من التقلبات اليومية الحادة التي تتلاشى في المتوسط النهائي.

حتى شركات الطاقة نفسها غيرت استراتيجياتها، فخلال العامين الأخيرين، أعلنت شركات كبرى مثل إكسون موبيل وشل عن زيادة واضحة في توزيع الأرباح وإعادة شراء الأسهم بدل التوسع الإنتاجي السريع.

هذا التصرف يعكس تراجع الرؤية طويلة المدى لأسعار مستقرة يمكن البناء عليها في استثمارات ضخمة.

وهنا يتجلى التناقض الأساسي في السوق الحالية: العالم لا يزال يعتمد على النفط كمصدر رئيسي للطاقة، لكن قدرة السوق على الاستقرار أصبحت أضعف من أي وقت مضى.

وفي هذه المساحة الرمادية تحديداً، بين التوتر الذي لا ينفجر والاستقرار الذي لا يكتمل، يولد شكل جديد من الأسواق، لا يُقاس فيه النفط بما يحدث له، بل بكيف يستجيب العالم لكل حركة فيه.

فالسوق التي كانت ترتجف يومًا من مجرد تهديد للإمدادات، أصبحت اليوم تتعامل مع الحروب والأزمات وكأنها ضجيج معتاد في الخلفية، فالنفط لم يفقد أهميته، لكن العالم ربما فقد قدرته القديمة على الخوف منه.

المصادر: أرقام- وكالة رويترز- بلومبرج- وكالة الطاقة الدولية- سي إن إن- سي إن بي سي

آخر الأخبار