صُنّاع السوق: حماة السيولة أم مهندسو التقلبات؟

زمن القراءة: 7 دقائق

في لحظات الذعر الكبرى، حين تهوي الأسهم بعنف أو ترتد بصورة تبدو “غير منطقية”، يعتقد كثير من المستثمرين الأفراد أن هناك قوة خفية تتعمد اصطياد خسائرهم أو دفع الأسعار ضدهم.

لكن خلف شاشات التداول السريعة، تعمل منظومة معقدة من الخوارزميات وصُنّاع السوق الذين لا يراهنون بالضرورة على اتجاه الأسعار، بل على استمرار حركة السوق نفسها.

هؤلاء اللاعبون يقفون بين المشترين والبائعين في كل ثانية تقريباً، يضبطون السيولة، ويعيدون تسعير المخاطر، ويعدّلون الأسعار في أجزاء من الألف من الثانية لتجنب الخسائر والحفاظ على تدفق التداولات.

فهل صُنّاع السوق مجرد مزودين للسيولة يحمون استقرار الأسواق، أم أن نماذجهم الرياضية تفسر جانباً من السلوك السعري الذي يراه المستثمر الفرد “ضدّه” دائماً؟

ما هو الدور الرئيسي لصانع السوق في المعاملات المالية؟

يوفر أسعار بيع وشراء مستمرة للأصول لكي تتمكن من تنفيذ صفقاتك فوراً دون انتظار.

يمنع التقلبات الحادة والتغيرات السريعة في الأسعار لضمان استقرار الأسواق.

كيف يحقق صانعو السوق أرباحهم التشغيلية في البورصات؟

يعتمدون أساساً على اقتناص فارق السعر “السبريد” بين البيع والشراء عبر أحجام تداول ضخمة.

يحصلون على مكافآت مالية وحوافز من البورصة لتشجيعهم على تزويد السوق بالسيولة.

ما هي حقيقة أسطورة استهداف صانعي السوق لأوامر وقف الخسارة؟

في عالم التداول، لا يُعد “استهداف أوامر وقف الخسارة” مؤامرة ضد الأفراد، بل هو عملية هيكلية تعتمد على تجميع السيولة؛ فصانع السوق لا يرى أوامر المستثمرين الأفراد، لكنه يرى “مناطق السيولة” المكدسة التي يحتاجها لتنفيذ صفقات المؤسسات الضخمة.

تخيل مستوى دعم فنياً عند سعر 100 دولار لسهم ما؛ أغلب المتداولين يضعون أوامر “وقف الخسارة” عند 99.50 دولار، ويعلم صانع السوق أن هناك كميات ضخمة من الأسهم ستُعرض للبيع عند كسر هذا المستوى؛ لذا يقوم بدفع السعر مؤقتاً إلى 99.30 دولار ليشتري هو تلك الكميات الكبيرة (تجميع سيولة) بأقل سعر ممكن، وبمجرد اكتمال شرائه، يرتد السعر صعوداً.

كيف يعمل نموذج “جلوستن-ميلجورم” في تحديد هوامش الأسعار؟

يقوم صانع السوق بتوسيع فارق السعر (سعر شراء أقل وسعر بيع أعلى) لحماية نفسه عندما يشعر بوجود متداولين يملكون معلومات سرية.

يساهم تدفق المتداولين العاديين (الذين لا يملكون معلومات داخلية مثلا) في تضييق هذا الفارق وتقليل تكلفة التداول.

كيف يسيطر نموذج “هو-ستول” على مخاطر المخزون غير المتوازن؟

يقوم صانع السوق بتعديل سعر العرض (Bid) وسعر الطلب (Ask) بشكل ديناميكي بناءً على مستوى المخزون الحالي لديه، ويهدف هذا التعديل المستمر لإعادة مخزونه إلى نقطة الصفر وتجنب الخسارة من تقلبات السوق.

إذا تراكمت لدى صانع السوق كمية كبيرة من الأسهم (مخزون إيجابي)، فإنه يخشى من انخفاض الأسعار، ولتقليل هذه المخاطر، يقوم بخفض سعري العرض والطلب معاً؛ ما يجعل الشراء منه (بالنسبة للآخرين) أرخص، ويجعل البيع له أقل جاذبية، والعكس صحيح.

ما هو جوهر معادلة “أفيانيدا-ستويكوف” في التحكم العشوائي بالأسعار؟

تفترض المعادلة أن صانع السوق يواجه مشكلة موازنة بين ربحين: ربح “السبريد” (العمولة) مقابل تكلفة تحمل مخاطر تقلب السعر، والجوهر هنا هو “تسعير المخاطرة”؛ فالمعادلة تقوم بحساب “السعر المتوسط الأمثل” الذي يجب أن يعرضه صانع السوق، ليس بناءً على التوقعات الاتجاهية للسعر، بل بناءً على “مخزون السهم” و”الوقت المتبقي حتى نهاية الجلسة”.

يعد النموذج أحد العوامل الجوهرية المفسرة للتقلبات الحادة في الدقائق الأخيرة من جلسة التداول، حيث تفرض المعادلة “عقوبة رياضية” على المخزون المتبقي، ما يجبر خوارزميات صانع السوق على تعديل الأسعار بسرعة لإنهاء مراكزه وتجنب مخاطر الفجوات السعرية بين الإغلاق والافتتاح التالي. وهو ما يولد ذروة في النشاط والتذبذب.

كيف يعمل نموذج الدفع مقابل تدفق الأوامر (PFOF) في تداولات التجزئة؟

يُعد نموذج (Payment for Order Flow – PFOF) المحرك الخفي الذي يسمح لشركات الوساطة (مثل تطبيقات التداول الشهيرة) بإلغاء العمولات المباشرة.

بدلاً من أن تدفع أنت عمولة لشركة الوساطة، يدفع “صانع السوق” للشركة مقابل الوصول إلى “سيولتك”، وتكون هذه العمولات التي تحصل عليها شركة الوساطة من صناع السوق كافية لتغطية تكاليف التشغيل وتحقيق أرباح، ما يسمح لها بجذب ملايين المتداولين عبر تقديم “تداول مجاني”.

         ما هي الالتزامات المفروضة على صانع السوق المعين (DMM)؟

يلتزم بتقديم أسعار شراء وبيع حقيقية طوال اليوم لمنع توقف التداول في البورصة.

يجب عليه الحفاظ على أفضل الأسعار الممكنة للمستثمرين لتقليل تذبذب السهم.

كيف تختلف روبوتات التداول الخوارزمي عن صانعي السوق البشريين؟

تنفذ الروبوتات الصفقات بسرعة فائقة لكنها قد تنسحب فجأة عند الخطر، حيث تتوقف الخوارزميات عن العمل كـ “صناع سوق” وتتحول إلى “متفرجين خائفين”، ما يؤدي إلى توسع فوارق الأسعار إلى مستويات فلكية، حيث تقوم بإلغاء أوامر البيع والشراء المعلقة للحماية من الخسارة.

هذا التوقف الجماعي يخلق فجوة سيولة لا تستطيع الأسواق استيعابها، مما يجعل السعر يهوي ليس بسبب غياب القيمة الحقيقية للأصول، بل بسبب غياب البنية التحتية الرقمية التي تدير عمليات التداول (كما فقد مؤشر “داو جونز” قرابة 1000 نقطة في السادس من مايو 2010).

كيف يراقب مسار التدقيق الموحد (CAT) التابع لهيئة البورصات الأمريكية السوق؟

يسجل هذا النظام الفيدرالي كل أمر شراء، بيع، أو إلغاء بدقة جزء من الألف من الثانية.

يتيح للهيئات الرقابية كشف أي تلاعب بالأسعار أو صيد غير قانوني لأوامر المتداولين.

ما هي شروط الكفاءة المهنية والامتيازات لأعضاء صناع السوق؟

تفرض القوانين جداراً فاصلاً بين قسم صناعة السوق وباقي أقسام البنك (على سبيل المثال) لمنع تسريب المعلومات.

يُشترط أن يجتاز صناع السوق اختبارات حكومية صارمة لضمان التزامهم بالأخلاقيات والقوانين.

كيف توظف استراتيجيات التحوط وتنويع المحافظ لحماية رأسمال صانع السوق؟

يشتري صانع السوق عقود خيارات وقائية لتعويض خسائره إذا هبط السعر فجأة.   

يوزع أمواله على قطاعات تداول متنوعة لتقليل مخاطر تأثر كامل رأس المال بانهيار قطاع واحد.

نهاية المطاف            

لا تبدو الأسواق ساحة مواجهة بسيطة بين مشترٍ وبائع، بل نظام شديد التعقيد تتحكم فيه نماذج رياضية وخوارزميات تسعير وسيولة تعمل في خلفية المشهد بوتيرة تتجاوز الإدراك البشري.

في نهاية المطاف، قد لا يكون صُنّاع السوق “أعداء المستثمرين” كما تصوّر بعض السرديات الشائعة، لكنهم أيضًا ليسوا كيانات محايدة بالكامل؛ فهم يديرون المخاطر، ويعيدون تسعير التوازن، ويتفاعلون مع السيولة وفق منطق ربحي وتنظيمي صارم.

وبينما يحاول المستثمر فهم سبب تحرك السوق ضده أحيانًا، يبقى السؤال الأعمق: إذا كانت الخوارزميات هي التي تدير جزءًا من السيولة والأسعار، فمن الذي يتحكم فعليًا في السوق اليوم: الإنسان أم المعادلة؟

المصادر: أرقام – ميديم – ستوك إكس – سوفي – بيزنس موني – ذا إنفستورز هاندبوك – بوك ماب – يو تريد ألجوز – باجاج إيه إم سي – آتاس – سي إن بي سي

آخر الأخبار