مفلسون ولكنهم مرفهون .. شيفرة إنفاق جيل في عصر اللايقين

زمن القراءة: 8 دقائق

نزل من سيارته الفارهة ليتوجه إلى المطار، حاملاً حقيبته ذات العلامة التجارية الفاخرة، وساعة ذكية تتابع صحته، وهاتفاً يقسط ثمنه على دفعات شهرية، بينما لا يملك في المقابل منزلاً، ولا خطة تقاعد واضحة، وربما لا يملك يقيناً حقيقياً بشأن شكل حياته بعد خمس سنوات.

قد يبدو هذا المشهد متناقضاً، لكنه بات يعكس بصورة لافتة جانبًا من عقلية جيل زد؛ ذلك الجيل الذي نشأ في عالم يطالبه بالتخطيط البعيد، بينما يواجه يومياً اقتصاداً يجعل المستقبل نفسه أكثر ضبابية.

فبدلاً من بناء حياته بالكامل على وعود تقليدية مثل المنزل، أو الاستقرار الوظيفي الممتد، أو التقاعد المضمون، يتجه كثيرون إلى فلسفة أكثر واقعية وربما أكثر جرأة وهي إذا كان الغد غير مضمون فلماذا يجب بذل جهد كبير من أجل خطط قد لا تتحقق؟ ولعل نشأتهم وسط الأزمات، قد أثرت على استجابتهم لكثير من المفاهيم الاقتصادية التي كانت قواعد أساسية للأجيال التي سبقتهم.

فجـيل زد -الذي يضم تقريباً المولودين بين منتصف التسعينيات وأوائل العقد الثاني من الألفية- نشأ في خضم الأزمة المالية العالمية، ليصل إلى مرحلة الشباب وهو يواجه جائحة عالمية.

يأتي هذا إلى جانب المشكلات الاقتصادية التقليدية مثل ارتفاع تكاليف السكن، وأعباء الدراسة، والاضطرابات الجيوسياسية، بالإضافة إلى صعود الذكاء الاصطناعي الذي يهدد استقرار الوظائف، ووفقاً للمنطق التقليدي، كان يُفترض أن يكون هذا الجيل أكثر دفاعية مالياً من الأجيال السابقة، لكن الواقع يكشف صورة أكثر تعقيداً.

فمع الإقبال على السفر، والأزياء، والعناية الذاتية، والترفيه، والتجارب الرقمية، يظهر جيل زد أنماط إنفاق توحي أحياناً بتراجع هيمنة الخوف التقليدي على قراراتهم وإعادة تعريفهم للعلاقة مع المستقبل، هذا لا يعني بالضرورة أن جيل زد متهور مالياً، بل على العكس، تشير دراسات عديدة إلى أنه من أكثر الأجيال قلقاً بشأن الاستقرار المالي طويل الأجل.

وأظهر استطلاع “ديلويت” العالمي لعام 2025، الذي شمل أكثر من 23 ألف مشارك من جيل زد وجيل الألفية في 44 دولة، أن 48% من جيل زد لا يشعرون بالأمان المالي، مقارنة بـ30% فقط قبل عام واحد، كما أشار أكثر من 80% إلى أن الضغوط المالية اليومية والمستقبلية تمثل مصدر توتر لهم.

التخلي عن الأحلام المؤجلة أم إعادة تعريفها؟

إذن، لماذا يشعر هذا الجيل بهذا القدر من القلق من الإنفاق على السفر، والحفلات، والاشتراكات الرقمية، وحتى خدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقاً”؟ الإجابة قد لا تكمن في أنهم أقل خوفاً من المستقبل، بل في أنهم أقل اقتناعًا بأن التضحية الكاملة بالحاضر تضمن مستقبلاً أكثر أماناً، فإذا كان امتلاك منزل يبدو بعيد المنال، والتقاعد غير مضمون، والاقتصاد أكثر تقلباً من أي وقت مضى، فقد يصبح من المنطقي نفسياً واقتصادياً إعادة توزيع الأولويات، وبدلاً من تأجيل الحياة بانتظار استقرار قد لا يأتي، يختار كثيرون تحسين جودة الحاضر.

واعتمدت الأجيال السابقة غالباً على مسار مالي قائم على الادخار لشراء منزل، وبناء مدخرات تقاعدية، ثم التدرج الوظيفي المستقر، أما جيل زد، فيواجه واقعًا تبدو فيه هذه المحطات أكثر صعوبة هيكلياً، فأسعار المنازل في كثير من الأسواق الكبرى ارتفعت بوتيرة تجاوزت نمو الأجور، وتكاليف المعيشة أصبحت تستنزف الدخل بوتيرة أسرع، وقد دفع هذا الواقع كثيراً من الشباب إلى تبني فلسفة يمكن وصفها بـ”الاستمتاع الواعي” أي تقليص الإنفاق في مجالات معينة مع الاستمرار في الإنفاق بسخاء على ما يمنح قيمة شخصية أو نفسية.

وتصف تقارير “برايس ووترهاوس كوبرز” لعام 2025 جيل زد بأنه “جيل المفارقة”: فقد خفّض إنفاقه العام في بعض الفئات مثل الملابس والإلكترونيات، لكنه ظل مستعداً للإنفاق بقوة على التجارب التي تضيف قيمة لحياته أو تعزز صورته أكثر من مجرد امتلاك شيء.

وتشير التقديرات إلى أن القوة الشرائية العالمية لهذا الجيل قد تصل إلى 12 تريليون دولار بحلول عام 2030، هذا يفسر كيف يمكن لشاب من جيل زد أن يبحث عن خصومات في البقالة أو يشتري منتجات بديلة منخفضة التكلفة، ثم ينفق في المقابل على رحلة سفر، أو اشتراك لياقة بدنية، فالإنفاق هنا ليس عشوائياً، بل يبدو انتقائياً.

ظاهرة الإنفاق الناجم عن الإحباط

أحد الأسباب وراء اندفاع جيل زد نحو الإنفاق هو تبني هذا الجيل لآلية دفاع نفسية تُعرف في الاقتصاد السلوكي باسم “الإنفاق الناجم عن الإحباط”، ووفقاً لدراسة شاملة أجرتها مؤسسة إنتويت كريديت كارما في عام 2025، اعترف نحو 43% من جيل “زد” بإنفاق الأموال على سلع فاخرة غير أساسية على وجه التحديد لتخفيف حدة القلق بشأن الاقتصاد العام والاستقرار العالمي، فمع وصول متوسط أسعار المنازل في المناطق الحضرية الكبرى إلى مضاعفات تاريخية مقارنة بمتوسط الدخل المتاح وعندما يبدو منزل العمر بعيد المنال، فإن رصيد حساب الادخار البالغ 2500 دولار يبدو بلا فائدة فعليًا، وبالتالي يمكن إعادة توجيه هذا المال.

وأظهرت بيانات من مؤشرات الادخار لمؤسسة بانك ريت لعام 2025 أن الأجيال الأكبر سناً منحت نسبة 31% من الأولوية للحفاظ على صندوق طوارئ قوي يغطي ستة أشهر، في المقابل رأى أقل من 14% من جيل “زد” أن اكتناز السيولة النقدية على المدى الطويل يمثل استراتيجية قابلة للتطبيق في مواجهة التضخم، وبدلاً من ذلك، فهم يعملون وفقاً لافتراض أن التضخم سيؤدي تدريجيًا إلى تآكل القوة الشرائية للنقد، ما يعني أن الأموال التي تُنفق اليوم على سلع ملموسة أو تجارب حياتية تحقق عائداً نفسياً مضموناً لا يمكن للغد أن يعد به.

بين القلق المالي والتكيف الواقعي

الصورة النمطية التي تصف جيل زد بأنه جيل متهور أو غير مسؤول مالياً تتجاهل جانباً مهماً: هذا الجيل غالباً ما يجمع بين التشاؤم تجاه الأنظمة الاقتصادية والبراغماتية في إدارة حياته اليومية.

فبيانات “بنك أوف أمريكا” لعام 2025 أظهرت أن أكثر من نصف أفراد جيل زد زادوا مدخراتهم، بينما يعمل كثيرون على تقليص الديون، بل إن نسبة كبيرة خفضت الإنفاق على المواعدة بسبب ارتفاع التكاليف.

بمعنى آخر، يرى البعض أن هذا الجيل لا يتخلى عن الادخار، لكنه يعيد تعريف المسؤولية المالية، فبدلاً من التركيز الحصري على ملكية المنزل أو المسار الوظيفي التقليدي، يتجه كثيرون إلى بناء صناديق طوارئ أو العمل الجانبي أو السفر منخفض التكلفة، ويعني ذلك أنهم لا يرفضون المستقبل بل يتعاملون معه باعتباره أقل يقيناً، وربما لهذا يبدو جيل زد متناقضاً في نظر الأجيال الأكبر، لذا فإن العديد من الخبراء يرون أن جيل زد ليس جيلًا أقل خوفاً من المستقبل، بل ربما يكون من أكثر الأجيال وعياً بهشاشته.

لكن بدلاً من ترجمة هذا الخوف إلى تقشف صارم كما فعلت أجيال سابقة، يبدو أن كثيرين منهم اختاروا نموذجاً مختلفاً: الحذر في الأساسيات، والإنفاق على المعنى، وعدم التضحية الكاملة بالحاضر من أجل مستقبل لا يشعرون بأنه مضمون أصلاً، هم لا ينفقون بدافع قلة الخوف من الغد، بل لأنهم لم يعودوا يثقون بأن تأجيل الحياة سيجعله أكثر أماناً.

المصادر: أرقام- ديلويت- برايس ووترهاوس كوبرز- بنك أوف أمريكا- إنتويت كريديت كارما- ماكينزي آند كومباني

آخر الأخبار