لم تعد الرأسمالية الحديثة تُقاس بعدد المصانع أو خطوط الإنتاج أو حتى أعداد العمال الذين يقفون خلف الآلات، فالعالم الذي وصفه كارل ماركس في القرن التاسع عشر تغيّر جذرياً؛ إذ أصبحت الثروات الضخمة تُصنع اليوم من الفوائد والديون والمضاربات والعقارات أكثر مما تُصنع من الصناعة نفسها.
وفي هذا التحول العميق، يعود المفكر والجغرافي البريطاني “ديفيد هارفي” إلى كتاب «رأس المال» لماركس، لكن من زاوية مختلفة تتناسب مع عصر الهيمنة المالية العالمية.
في كتابه الجديد “قصة رأس المال” The Story of Capital، لا يكتفي هارفي بإعادة شرح أفكار ماركس، بل يحاول تحديثها وتحريرها من القراءة التقليدية التي حصرت الرأسمالية في علاقة العامل بالمصنع فقط، متجاهلة القوة المتصاعدة للقطاع المالي والعقاري والاحتكارات الكبرى.
وترى الاقتصادية البريطانية “آن بتيفور” أن الكتاب يُعد من أهم القراءات لفهم الرأسمالية المالية المعاصرة التي تجاوزت النموذج الصناعي التقليدي.

ماركس في عصر المال
يرى هارفي أن ماركس ما زال مفكراً ضرورياً لفهم الاقتصاد الحديث، لكن المشكلة تكمن في أن لغة “رأس المال” معقدة وثقيلة على القارئ المعاصر، ما يجعل الحاجة ملحّة إلى “ترجمة” أفكاره بلغة حديثة وأكثر وضوحاً، كما أن العالم تغيّر كثيراً منذ صدور الجزء الأول من “رأس المال” عام 1867 في برلين، سواء من حيث طبيعة الاقتصاد أو أدوات التراكم أو دور المال العالمي.
ويؤكد هارفي أن كثيراً من الدراسات الماركسية ركزت على الجزء الأول من “رأس المال”، الذي يتناول الإنتاج والعمل الصناعي، لكنها أهملت الجزأين الثاني والثالث اللذين يناقشان المال والائتمان والفوائد والدين ودور رأس المال المالي، ونتيجة لذلك بقيت قطاعات مثل التمويل والعقارات والتأمين خارج دائرة التحليل الماركسي التقليدي رغم أنها أصبحت القوة المهيمنة على الاقتصاد العالمي.
ويستشهد هارفي بطرح الاقتصادي الأمريكي “مايكل هدسون” الذي يرى أن كثيراً من الماركسيين تجاهلوا ما يُعرف بقطاع “FIRE”، أي التمويل والتأمين والعقارات، وكأن استخراج الأرباح من الفوائد والإيجارات مسألة هامشية مقارنة باستغلال العمالة.
لكن الواقع الحالي، بحسب هارفي، يثبت أن الرأسمالية لم تعد قائمة فقط على الإنتاج، بل عادت بصورة ما إلى منطق “الريعية” المشابه لعصور الإقطاع، حيث تتحقق الأرباح من السيطرة والاحتكار أكثر من التصنيع الفعلي.
ولهذا يخصص هارفي الفصل الخامس عشر من كتابه بعنوان “عودة الريعي”، موضحاً أن الرأسمالي الصناعي نفسه أصبح خاضعاً لهيمنة الشركات التجارية العملاقة مثل وولمارت Walmart و إيكيا IKEA، أو لهيمنة المؤسسات المالية الكبرى، بينما تستمر مصالح ملاك الأراضي والموارد الطبيعية في اقتطاع حصتها الضخمة من الثروة العالمية.
الرأسمالية كخريطة جغرافية
بصفته جغرافياً معروفاً بأعماله في “الجغرافيا النقدية”، ينظر هارفي إلى الرأسمالية باعتبارها نظاماً يتمدد عبر السيطرة على المكان والأسواق والبنية التحتية، لذلك يبدأ كتابه برسم “خريطة” لمسار رأس المال، تبدأ بتحول المال إلى طلب استهلاكي، ثم إلى إنتاج للسلع، ثم إلى تحقيق فائض القيمة، وأخيراً العودة إلى المال في صورة أرباح متزايدة.
لكن هذه العملية، كما يوضح، لا تسير في شكل دائري ثابت، بل تتحول في الواقع إلى دوامة تصاعدية من التراكم المستمر، وهنا يستعيد وصف ماركس للرأسمالية باعتبارها تنتج “كتلة وحشية” من الثروة تتضخم بلا توقف.
وفي فصل “الكتل المتحركة”، يلفت هارفي إلى أن هذا التراكم الهائل بات يهدد قدرة العالم على الاستمرار، ليس اقتصادياً فقط بل بيئياً أيضاً، فالرأسمالية، بطبيعتها، تسعى دائماً إلى المزيد من التوسع والإنتاج، ما يؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية ورفع مستويات التلوث والانبعاثات بصورة تهدد الحياة البشرية نفسها.
ويرى أن أحد أخطر أوجه الأزمة الحالية يكمن في تراكم كميات ضخمة من رأس المال والأرباح التي لا تجد مجالات مربحة للاستثمار.
وبسبب هيمنة النموذج الاقتصادي القائم على التصدير في معظم دول العالم، أصبح الاقتصاد العالمي يعاني من فائض إنتاج هائل، بينما تؤدي سياسات التقشف وضعف الأجور إلى تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين. والنتيجة هي اقتصاد ينتج أكثر مما يستطيع الناس شراءه.

أرقام تكشف حجم التراكم
ولإظهار حجم التوسع الرأسمالي، يشير هارفي إلى تقديرات البنك الدولي التي تقدر الناتج المحلي الإجمالي العالمي عام 1950 بنحو 9.25 تريليونات دولار، قبل أن يقفز إلى نحو 94.9 تريليون دولار بحلول عام 2011، أي أكثر من عشرة أضعاف خلال ستة عقود فقط.
ويتساءل هارفي: هل يمكن لهذا النمو المركب أن يستمر إلى ما لا نهاية؟
ويضرب مثالاً بالصين التي استهلكت بين عامي 2011 و2013 نحو 6.6 غيغاطن من الأسمنت، في حين أن الولايات المتحدة استهلكت 4.5 غيغاطن فقط خلال مئة عام كاملة.
وبحسب هارفي، فإن الصين قادت النمو الاقتصادي العالمي في تلك الفترة عبر طفرة هائلة في مشاريع البنية التحتية، ما ساعد على إنقاذ الاقتصاد العالمي من الركود بعد الأزمة المالية، لكنه كشف أيضاً عن الحجم الضخم وغير المسبوق لعمليات التراكم الرأسمالي وتأثيراتها البيئية الخطيرة، خصوصاً أن صناعة الأسمنت تُعد من أكبر مصادر انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
ما بعد الأزمة المالية العالمية
بعد الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2009، ظهرت تفسيرات عديدة لأسباب الانهيار الاقتصادي. فالبعض رأى أن الأزمة نتجت عن تحرير الأسواق المالية وتقليص الرقابة الحكومية عليها، بينما أصرّ عدد من الماركسيين على أن السبب الحقيقي يكمن في “انخفاض معدل الربح” داخل النظام الرأسمالي.
ويخصص هارفي فصلاً كاملاً لهذه الفكرة، مشيراً إلى أن الاقتصادي الماركسي مايكل روبرتس يعتبر قانون انخفاض الربحية السبب الأساسي لأزمات الرأسمالية المتكررة.
لكن هارفي يرفض اختزال الأرباح في استغلال العمالة فقط. ويشير إلى أن قطاعات كاملة في الاقتصاد الحديث تحقق أرباحها الرئيسية من الاحتكار أو السيطرة على الأسواق، وليس من الإنتاج الصناعي التقليدي.
ويضرب مثالاً بصناعة الأدوية في الولايات المتحدة، حيث تتحقق الأرباح الضخمة عبر التسعير الاحتكاري المرتفع بالتعاون مع شركات التأمين والهيئات التنظيمية، وليس عبر استغلال العمل اليدوي بالمعنى التقليدي.
من اقتصاد الصناعة إلى اقتصاد الكازينو
في النهاية، يصل هارفي إلى نتيجة محورية: الرأسمالية الصناعية لم تعد تمثل سوى جزء متراجع من اقتصاد عالمي تحكمه الفوائد والإيجارات والمضاربات المالية، وهو ما تصفه آن بيتيفور في كتاباتها بأنه “كازينو عالمي” تتحرك فيه رؤوس الأموال بسرعة هائلة بحثاً عن الأرباح السريعة، بعيداً عن الاقتصاد الحقيقي والإنتاج الفعلي.
ومن هنا، يرى هارفي أن قراءة ماركس اليوم تتطلب تجاوز التفسيرات القديمة التي تربط الرأسمالية فقط بالمصنع والعامل، والانتقال إلى فهم أعمق لدور المال والديون والاحتكارات والقطاع المالي في تشكيل الاقتصاد العالمي المعاصر.
وبأسلوب يجمع بين العمق الأكاديمي واللغة الواضحة، يقدم ديفيد هارفي في كتابه محاولة لإعادة تعريف الرأسمالية في عصر أصبحت فيه البنوك والعقارات والمضاربات أقوى من المصانع نفسها، وأصبح المال قادراً على إنتاج المزيد من المال دون المرور بالضرورة عبر خطوط الإنتاج التقليدية.
المصدر: أرقام – موقع “إل إس إي”
