بين 4.6 ملايين ليرة “قديمة” للطن وارتفاع التكاليف… القمح السوري أمام اختبار البقاء

زمن القراءة: 10 دقائق

العالم الاقتصادي- وليد أبو السل

يشكّل القمح في سوريا أكثر من مجرد محصول زراعي موسمي، إذ ارتبط تاريخياً بمفهوم الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية، وكان لعقود طويلة أحد أبرز أعمدة الاقتصاد الزراعي السوري، ومع إعلان وزارة الاقتصاد والصناعة السعر الجديد لشراء محصول القمح للموسم الحالي 2026 والبالغ 46 ألف ليرة سورية “جديدة” للطن الواحد، عاد الجدل مجدداً حول جدوى زراعة القمح ومستقبل هذا القطاع الحيوي في البلاد، وسط تباين واضح بين آراء الفلاحين والخبراء الاقتصاديين والأكاديميين.

فمن جهة، يرى كثير من المزارعين أن السعر المحدد لا يتناسب مع تكاليف الإنتاج المرتفعة التي باتت تثقل كاهلهم، في ظل ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والبذار وأجور النقل والري، فضلاً عن التقلبات الاقتصادية التي تشهدها البلاد منذ سنوات، بينما يعتبر اقتصاديون أن السعر المطروح ما يزال مقبولاً نسبياً إذا ما قورن بالأسعار العالمية للقمح وبمستويات الإنتاج الحالية، مؤكدين أن القضية لا تتعلق بالسعر فقط، بل بآليات الدعم والإنتاج والتسويق الزراعي ككل.

القمح السوري… محصول استراتيجي بامتياز

يحتل القمح مكانة خاصة في الاقتصاد السوري، ليس فقط لأنه المادة الأساسية في صناعة الخبز، بل لأنه يمثّل الركيزة الأهم للأمن الغذائي الوطني. وعلى مدى عقود، عُرفت سوريا بأنها من الدول المنتجة للقمح في المنطقة، ونجحت في مراحل عديدة بتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل وتصدير الفائض إلى الأسواق الخارجية.

وتتميز الأراضي السورية، خاصة في مناطق الجزيرة السورية وسهول حلب وحماة والرقة والحسكة، بملاءمتها لزراعة القمح بنوعيه الطري والقاسي، حيث ساعد التنوع المناخي وخصوبة التربة على إنتاج أصناف ذات جودة عالية، اكتسب بعضها شهرة واسعة في الأسواق الإقليمية.

وخلال سنوات ما قبل الأزمة السورية، تجاوز إنتاج البلاد من القمح في بعض المواسم حاجز الأربعة ملايين طن سنوياً، وهو ما مكّن الحكومة حينها من تأمين احتياجات السوق المحلية وتكوين مخزون استراتيجي مريح، إلا أن سنوات الحرب والجفاف وتراجع الدعم الحكومي أثّرت بشكل كبير على هذا القطاع، فانخفضت المساحات المزروعة وتراجعت الإنتاجية، ما دفع سوريا في بعض السنوات إلى استيراد كميات كبيرة من القمح لتغطية الطلب المحلي.

السعر الجديد يثير الجدل

القرار الحكومي الأخير بتحديد سعر شراء القمح بـ46 ألف ليرة سورية جديدة (نحو335 دولاراً تقريباً) للطن الواحد أعاد النقاش حول العلاقة بين الدولة والفلاحين، خاصة أن كثيراً من المزارعين يرون أن هذا السعر لا يغطي النفقات الحقيقية للإنتاج.

ويؤكد فلاحون أن تكاليف زراعة الهكتار الواحد ارتفعت بشكل غير مسبوق، نتيجة زيادة أسعار المحروقات اللازمة لتشغيل مضخات الري والآليات الزراعية، إلى جانب ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات والبذار المحسّن، فضلاً عن تكاليف النقل واليد العاملة، ويرى هؤلاء أن هامش الربح أصبح محدوداً للغاية، الأمر الذي قد يدفع العديد منهم إلى العزوف عن زراعة القمح مستقبلاً والاتجاه نحو محاصيل أكثر ربحية مثل الكمون أو الحبة السوداء أو بعض الزراعات التصديرية.

ويحذر مزارعون من أن استمرار التسعير الحالي دون تقديم حوافز إضافية قد يؤدي إلى تقلص المساحات المزروعة بالقمح خلال السنوات المقبلة، وهو ما يهدد الأمن الغذائي السوري ويعيد البلاد إلى دائرة الاستيراد الواسع للقمح، بما يحمله ذلك من أعباء مالية على الخزينة العامة.

رؤية اقتصادية مختلفة

في المقابل، يعتقد بعض الأكاديميين والخبراء الاقتصاديين أن توصيف السعر الحكومي بـ”المجحف” لا يعكس الصورة الكاملة، مشيرين إلى أن الأسعار العالمية للقمح تشهد تقلبات مستمرة مرتبطة بالإنتاج العالمي والظروف الجيوسياسية وحركة التجارة الدولية.

ويرى هؤلاء أن السعر المعلن يُعد مقبولاً نسبياً مقارنة بالأسعار الدولية الحالية، خاصة إذا ما تم احتساب متوسط إنتاجية الهكتار الواحد، والتي يمكن أن تحقق عائداً جيداً في المناطق ذات الإنتاج المرتفع. كما يشيرون إلى أن الحكومة تحاول الموازنة بين دعم الفلاحين والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، نظراً لأن أي زيادة كبيرة في أسعار شراء القمح ستنعكس بصورة مباشرة على تكلفة إنتاج الخبز المدعوم.

ويؤكد اقتصاديون أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في سعر الشراء، بل في غياب سياسة زراعية متكاملة تضمن استقرار القطاع، بدءاً من توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعومة، ووصولاً إلى تحسين البنية التحتية الزراعية وشبكات الري والتخزين والتسويق.

الأمن الغذائي في مواجهة التحديات

تزداد أهمية القمح بالنسبة لسوريا في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية، حيث باتت قضية الأمن الغذائي أولوية استراتيجية لدى معظم الدول، خصوصاً بعد الأزمات الدولية المتلاحقة التي أثّرت على سلاسل التوريد وأسعار الغذاء والطاقة.

وقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية، على سبيل المثال، مدى خطورة الاعتماد على الاستيراد في تأمين المواد الغذائية الأساسية، إذ شهدت الأسواق العالمية اضطرابات حادة في أسعار الحبوب، ما دفع كثيراً من الدول إلى إعادة النظر في سياساتها الزراعية وتعزيز إنتاجها المحلي.

وفي الحالة السورية، يكتسب القمح أهمية مضاعفة، لأنه مرتبط مباشرة بالاستقرار الاجتماعي والمعيشي، فالخبز ما يزال السلعة الغذائية الأكثر استهلاكاً لدى السوريين، وأي نقص في توفر القمح أو ارتفاع في أسعاره قد ينعكس سريعاً على الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين.

لذلك، يرى مختصون أن الحفاظ على زراعة القمح لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره ملفاً زراعياً فحسب، بل قضية سيادية تتعلق بالأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

القمح السوري كمادة للتصدير

ورغم التحديات الحالية، ما تزال سوريا تمتلك إمكانيات كبيرة لاستعادة مكانتها كدولة منتجة ومصدّرة للقمح، خاصة القمح القاسي المعروف بجودته العالية واستخدامه في صناعة المعكرونة والبرغل ومشتقات الحبوب.

ويشير خبراء زراعيون إلى أن تطوير القطاع الزراعي ورفع الإنتاجية يمكن أن يفتح الباب مجدداً أمام تصدير الفائض إلى الأسواق الخارجية، وهو ما من شأنه أن يوفّر مورداً مهماً من القطع الأجنبي للاقتصاد السوري.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب معالجة العديد من التحديات، أبرزها تحديث أنظمة الري، وتحسين جودة البذار، وتأمين التمويل الزراعي، وتطوير عمليات التخزين والنقل، إضافة إلى تقديم حوافز حقيقية للفلاحين تشجعهم على الاستمرار في زراعة القمح.

كما أن تعزيز الصناعات المرتبطة بالقمح، مثل الطحين والمعكرونة والبرغل، يمكن أن يخلق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد المحلي، ويزيد من فرص التصدير مستقبلاً.

بين الدعم والاستدامة

يبقى ملف القمح في سوريا واحداً من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية وتعقيداً، لأنه يتقاطع مع قضايا الأمن الغذائي والدعم الحكومي والاستقرار الاجتماعي والإنتاج الزراعي في آن واحد.

وبينما تسعى الحكومة إلى ضبط التكاليف وتخفيف الأعباء المالية، يطالب الفلاحون بسياسات أكثر دعماً وعدالة تضمن لهم هامش ربح مقبولاً وتشجعهم على الاستمرار في زراعة هذا المحصول الاستراتيجي.

وفي ظل التحديات الاقتصادية والمناخية الراهنة، تبدو الحاجة ملحة لوضع رؤية زراعية طويلة الأمد تعيد الاعتبار للقمح السوري بوصفه ثروة وطنية لا يمكن التفريط بها، ليس فقط لضمان رغيف الخبز للسوريين، وإنما أيضاً للحفاظ على أحد أهم مقومات الاقتصاد الوطني والسيادة الغذائية في البلاد.

أما على صعيد التوقعات للموسم الحالي، فتشير التقديرات إلى أن إنتاج سوريا من القمح قد يصل إلى نحو 2.3 مليون طن، مدفوعاً بتحسن معدلات الهطولات المطرية هذا العام، وارتفاع نسب تنفيذ الخطط الزراعية، إضافة إلى توسع المساحات المزروعة وتحسن كفاءة الزراعات المروية والبعلية. ويرى مختصون أن هذه المؤشرات قد تعزز قدرة البلاد على الاقتراب مجدداً من تحقيق الاكتفاء الذاتي، بعد سنوات من التراجع الحاد في الإنتاج.

ويعيد هذا التحسن سوريا تدريجياً إلى موقعها التقليدي كإحدى أبرز الدول العربية المنتجة للقمح، إذ تحتل المرتبة الرابعة عربياً بعد مصر والجزائر والعراق، وفق تصنيفات دولية متخصصة، كما تندرج ضمن قائمة أكبر 30 دولة منتجة للقمح في العالم، وهو المحصول الاستراتيجي الثاني عالمياً بعد الأرز.

توقعات بإنتاج نحو 2.55 مليون طن هذا العام

وكان إنتاج سوريا قد تجاوز خمسة ملايين طن عام 2012، قبل أن يتراجع بصورة كبيرة خلال سنوات الحرب والجفاف ليصل إلى مستويات متدنية قُدّرت بنحو 1.2 مليون طن في عام 2019، ورغم ذلك، ما تزال سوريا تُعد من أهم البيئات الزراعية الملائمة لزراعة القمح، نظراً لخصوبة أراضيها وتنوعها المناخي، فضلاً عن السمعة الجيدة التي اكتسبها القمح السوري عالمياً، وخاصة أصناف البذار المحلية المعروفة بجودتها العالية وإنتاجيتها المرتفعة.

وبحسب التقديرات الحالية، يبلغ الاحتياج السنوي لسوريا من القمح نحو 2.55 مليون طن، في حين تصل الحاجة اليومية للسوق المحلية إلى ما يقارب 4.39 ملايين ربطة خبز يومياً، ما يوضح حجم الأهمية الاستراتيجية لهذا المحصول في حياة السوريين واقتصاد البلاد.

وعلى المستوى العالمي، تتصدر الصين قائمة أكبر الدول المنتجة للقمح بإنتاج يقارب 140 مليون طن سنوياً، تليها الهند بنحو 120 مليون طن، ثم روسيا بإنتاج يصل إلى 80 مليون طن، فيما تحتل الولايات المتحدة المرتبة الرابعة بحوالي 53 مليون طن، وأستراليا خامساً بإنتاج يناهز 36 مليون طن سنوياً.

آخر الأخبار