الإسمنت.. الاستثمار ودعم الإنتاج المحلي في مواجهة فجوة الطلب

زمن القراءة: 12 دقائق

شكّل إعلان الشركة العامة لصناعة الإسمنت ومواد البناء “عمران”، أواخر العام الماضي، طرح منتجها الجديد الإسمنت البوزلاني 42.5 “CEM II”، خطوة وُصفت بأنها إنجاز نوعي يعزز حضور الصناعة الوطنية في السوق المحلية، ويسهم في تقليل الاعتماد على البدائل المستوردة الأقل جودة، كما يعكس جهود الكوادر الفنية والهندسية السورية التي تمكّنت من تطوير منتج يدعم مشاريع إعادة الإعمار.

وجاء طرح المنتج الجديد ضمن مسار تسعى الشركة من خلاله إلى وضع خريطة جديدة لصناعة الإسمنت وتطويرها في سوريا، بالاعتماد على خبرات محلية واستثمارات دولية، بما في ذلك توقيع اتفاقيات تعاون فني وتدريب كوادر مع عدد من الدول، إلى جانب تطوير المعامل القائمة وتزويدها بالتقنيات اللازمة لمواكبة التطورات الكبيرة التي شهدها قطاع الإسمنت عالمياً.

وأكد المدير العام للشركة، المهندس محمود فضيلة، أن المنتج الجديد يمثل تحولاً عملياً في استعادة قدرات القطاع الصناعي، ويُشكل لبنة صناعية أولى في مرحلة ما بعد التحرير، ورسالة واضحة بأن سوريا تمضي نحو الابتكار واستعادة دورها الإنتاجي، مشيراً إلى العمل على بناء صناعة إسمنت حديثة تضاهي المعايير العالمية، بحيث تكون الشركات قادرة على إنتاج 12 صنفاً بمواصفات عالية، من بينها الإسمنت الأخضر الصديق للبيئة خلال خمس سنوات.

وفي خطوة وُصفت بأنها جوهرية، ألغت وزارة الاقتصاد والصناعة، العام الماضي، ما يُعرف بـ “الضميمة” (بمثابة ضريبة تُفرض دون مرسوم قانوني يشرّعها)، التي كان قد فرضها النظام المخلوع على مادة الإسمنت المنتجة في القطاعين العام والخاص، وتبلغ 1500 ليرة قديمة للطن، وذلك في محاولة لتخفيف الأعباء المالية عن القطاع الإنتاجي، لا سيما في ظلّ ضعف التنافسية مع المستوردات، ضمن إطار إصلاح السياسات الاقتصادية التي كانت تُفرض سابقاً تحت مسميات قانونية شكلية، لكنها مثّلت أعباء فعلية على المنتجين المحليين.

طلب متزايد

تُعدّ صناعة الإسمنت من الصناعات الاستراتيجية الداعمة للاقتصاد الوطني، وتؤدي دوراً رئيساً في إعادة الإعمار، سواء في البناء أو البنى التحتية، كما تشكل العمود الفقري للمنشآت البيتونية، ووجهة للمستثمرين، وصناعة رابحة على مستوى العالم.

وحتى قبل البدء بمرحلة إعادة الإعمار، تواجه سوريا طلباً متزايداً على الإسمنت، لا سيما في ظلّ الدمار الكبير الذي أصاب البنية التحتية وقطاع البناء. ومن هنا، يُعدّ الاهتمام بصناعة الإسمنت ضرورة في مرحلة إعادة الإعمار، التي قد تحتاج خلالها سوريا إلى ما بين 8 و9 ملايين طن سنوياً.

وتنتج البلاد حالياً نحو نصف احتياجاتها، ما يضعها أمام خيارات متعددة، في مقدمتها الاستثمار لتحقيق الاكتفاء الذاتي. ويبلغ الإنتاج الحالي من الإسمنت في سوريا نحو 10 آلاف طن يومياً، ما يضطر الدولة إلى استيراد كميات مماثلة لتغطية الفجوة بين الإنتاج والطلب، بحسب فضيلة.

وحالياً يراوح الطلب المحلي ما بين 20 و25 ألف طن يومياً، وتعاني البلاد من فجوة تقارب 4 ملايين طن سنوياً.

وتشهد المرحلة الأولى من استيراد الإسمنت العراقي إلى سوريا دخول شحنات بشكل تدريجي، بهدف اختبار آلية العمل ميدانياً وضمان انسيابية الإجراءات على المعابر الحدودية.

وقال مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش، إن من المتوقع رفع وتيرة الشحنات تباعاً وفق نتائج التقييم في المرحلة التشغيلية الأولى.

وأضاف: تطبق آلية التنسيق عبر قنوات اتصال مباشرة بين الجهات المعنية في كل من البلدين، حيث يجري تبادل القوائم المسبقة للشحنات، وتحديد مواعيد العبور بدقة، والعمل على توحيد الإجراءات الجمركية والفنية، بما يسهم في تسريع إنجاز المعاملات وتعزيز مستوى الرقابة.

وأشار علوش إلى أن الشحنات تدخل بشكل رئيسي عبر منفذ التنف – الوليد الحدودي، إلى جانب بدء استقبال الإسمنت العراقي عبر منفذ اليعربية – ربيعة ضمن خطة مدروسة لتوزيع الحركة التجارية على أكثر من منفذ بما يضمن المرونة التشغيلية ويخفف الضغط عن المعابر.

وتوقع علوش أن يسهم استيراد الإسمنت في تعزيز توفر المادة في الأسواق المحلية، والحد من تقلبات الأسعار وتنشيط قطاع البناء، بما ينعكس إيجاباً على مختلف القطاعات المرتبطة به.

كما أشار إلى أنه في إطار التعاون المستقبلي هناك توجه لتوسيع نطاق التبادل التجاري مع الجانب العراقي ليشمل مواد إنشائية وسلعاً أخرى، بما يعزز التكامل الاقتصادي بين البلدين ويفتح المجال أمام فرص تجارية أوسع خلال المرحلة المقبلة.

خارطة استثمارية

في كانون الأول من العام الماضي، أعلن فضيلة استكمال وضع الخارطة الاستثمارية لقطاع الإسمنت في سوريا، والتي تعتمد على شراكات مع مستثمرين محليين وإقليميين.

وأوضح فضيلة أن شركة “عمران” عملت خلال الفترة الماضية على طرح كل المصانع التابعة لها للاستثمار والتشغيل، ودرست عروض عشرات الشركات المتقدمة لها من داخل وخارج سوريا ليستقر الأمر على العطاءات الأكثر جدوى فنياً ومالياً مع الحفاظ على الأصول التي ستعود إلى الدولة بعد انتهاء فترات الاستثمار المحددة، ما يسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني ورفع القدرة التنافسية للمنتج السوري.

وأشار إلى استثمار مصنع طرطوس من قبل شركة إماراتية، ومصنع الرستن من قبل شركة محلية، إضافة إلى استثمار مصنع حماة من قبل شركة عراقية التي ستقوم بتأهيل خط الإنتاج الثالث ليصل إنتاجه إلى 10 آلاف طن يومياً خلال خمس سنوات، في حين ما زال مصنعا المسلمية بحلب المدمّر وعدرا بريف دمشق مطروحين للاستثمار، مضيفاً: قطاع الإسمنت يواجه حالياً تحديات تتعلق بتأمين مادة الفيول اللازمة لتشغيل الأفران، ما دفع المستثمرين إلى إنشاء مجموعات تشغيل تعتمد على الفحم خلال مدة انتقالية تقدر بعام واحد، يتم خلالها استيراد مادة الكلنكر (مادة أساسية في صناعة الإسمنت)، من دول عدة لضمان توفير الإسمنت في السوق المحلية وفق المواصفة القياسية السورية.

ولفت إلى أن طرح مصانع الإسمنت للاستثمار يأتي ضمن خطة شاملة لتعزيز البنية التحتية الصناعية، ورفع كفاءة الإنتاج وتأهيل الكوادر، مشدداً على أهمية تحقيق توازن بين الجدوى الاقتصادية ومتطلبات حماية البيئة، ولا سيما في المناطق التي شهدت سابقاً ارتفاعاً في نسب التلوث.

ويواجه قطاع الإسمنت في سوريا تحديات عدة، على رأسها تأمين مادة الفيول التي تشكل نحو 65 بالمئة من كلفة الإنتاج، إضافة إلى ارتفاع سعر الطاقة الكهربائية، وعدم توفر قطع غيار تساعد في عمليات إعادة تأهيل المعامل. وهو ما يجعل سعر طن الإسمنت يتراوح حالياً ما بين 100 إلى 123 دولاراً، حسب النوع والمنطقة.

ووفق تقديرات متخصصة، فإن سوريا تحتاج خلال السنوات العشر المقبلة إلى نحو 60 إلى 80 مليون طن من الإسمنت، أي ما يعادل 6 إلى 8 ملايين طن سنوياً، لتلبية متطلبات إعادة إعمار نحو مليوني وحدة سكنية مدمّرة، فضلاً عن مشاريع البنى التحتية والمرافق العامة.

نقاط القوة والضعف

يستعرض خبراء نقاط القوة والضعف لصناعة الإسمنت في سوريا. وتتمثل أبرز نقاط القوة في توفر الخبرات المحلية، مع وجود مهندسين وفنيين سوريين ذوي خبرة واسعة في هذا المجال، إضافة إلى الطلب المرتفع في ظل الحاجة الملحّة لإعادة الإعمار، ما يوفر سوقاً واسعة للإسمنت، فضلاً عن إمكانية عقد شراكات من خلال مذكرات تفاهم مع شركات عربية ودولية يمكن أن تسهم في تطوير هذه الصناعة.

لكن صناعة الإسمنت تواجه أيضاً جملة من نقاط الضعف، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة عدم القدرة على إنتاج الكلنكر محلياً، إلى جانب تأثر المعامل والمرافق الصناعية، ولا سيما ضعف البنية التحتية، ما ينعكس على القدرة الإنتاجية.

وتتنوع أنواع الإسمنت المحلية لتشمل إسمنت البوتلاندي العادي، الإسمنت المقاوم للكبريتات، الإسمنت الأبيض، الإسمنت سريع الشك، الإسمنت البوزلاني.

وتتوفر في الأسواق المحلية أصناف مختلفة من الأنواع المستوردة من الإسمنت، ما يؤثر على حظوظ الإسمنت المحلية، إذ تحول التحديات التي يواجهها المنتج المحلي رغم جودته العالية وأصنافه المتنوعة من تصدر السوق، في ظل توفر الأصناف التركيّة والمصرية والأردنية والعراقية في السوق المحلية إلى جانب الصنف الوطني.

وتبلغ أسعار الإسمنت في السوق المحلية للطنّ الواحد على النحو الآتي: الوطني 123 دولاراً، المصري 125 دولاراً، التركي بين 124 و127 دولاراً، والأردني 124 دولاراً.

التوزع الجغرافي

تتوزع معامل الإسمنت الحكومية في سوريا، وفق التالي:

  • المنطقة الجنوبية: يعمل معمل “عدرا” بخط واحد من أصل ثلاثة خطوط إنتاج، وتتراوح طاقته بين 600 و700 طنّ يومياً، فيما يُعدّ معمل “دمّر” مدمّراً ومنسّقاً.
  • المنطقة الوسطى: يعمل معمل حماة بخط واحد من أصل ثلاثة خطوط إنتاج، ويصل إنتاجه إلى 3 آلاف طنّ يومياً، في حين يُعدّ معمل حمص منسّقاً.
  • المنطقة الساحلية: يُعدّ معمل طرطوس قديماً ومتهالكاً ومتوقفاً عن الإنتاج.
  • المنطقة الشمالية: يُعدّ معمل “المسلمية” في حلب مدمّراً، وكذلك معمل “الشهباء”، فيما يتراوح إنتاج معمل “العربية” بين 600 و800 طنّ يومياً، وهو مشروع مشترك بين القطاعين العام والخاص، بينما يُعدّ معمل الإسكان متوقفاً عن الإنتاج.

أما القطاع الخاص، فيضم معامل “الشهباء” و”الرصافة” و”العربية” و”لافارج الفرنسية”، وجميعها متوقفة عن الإنتاج. كما أوقفت شركة “إسمنت البادية” في منطقة أبو الشامات بريف دمشق إنتاجها منذ عام 2023، نتيجة تعطل توريد الفحم المستخدم في التشغيل، وكانت طاقتها الإنتاجية تناهز 1.6 مليون طن سنوياً، وتعود ملكيتها إلى مجموعة سعودية، وسط محاولات جادة لإعادة تشغيلها قريباً.

ووفقاً لبيانات مؤسسة “عمران”، تتوفر في سوريا خامات الإسمنت الرئيسية (الحجر الكلسي، البازلت، اللاتيريت) في مواقع متجاورة ضمن مناطق متعددة، كما أن احتياطيات هذه الخامات في المواقع المدروسة تكفي لإنتاج 5 ملايين طن سنوياً لمدة 75 عاماً.

الاستثمارات الخارجية

تركز سوريا بشكل كبير على الاستثمار في صناعة الإسمنت باعتبارها حجر الأساس لأي مشروع لإعمار البلاد، إذ تشهد الصناعة الإسمنتية حراكاً استثمارياً مع دخول شركات عربية وخليجية على خط تأهيل وتطوير معامل الإسمنت الحكومية والخاصة، إضافة إلى تأهيل الكوادر، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى هذه المادة الأساسية في مرحلة إعادة الإعمار وترميم البنى التحتية والمنازل.

في منتدى الاستثمار السعودي – السوري، أُعلن عن مشاريع استراتيجية في قطاع الإسمنت، من بينها معمل الفيحاء الذي يوشك على بدء الإنتاج بطاقة 150 ألف طن سنوياً وبكلفة 20 مليون دولار، والمخصص لإنتاج الإسمنت الأبيض، إلى جانب الإعلان عن إنشاء مصنعين لإنتاج الإسمنت الأسود بكلفة 500 مليون دولار.

كما وقّعت شركة “إسمنت الجوف” السعودية عقداً لتصدير الإسمنت إلى سوريا بقيمة 38 مليون ريال لمدة عام.

وتشهد الاستثمارات الأردنية في قطاع الإسمنت السوري نشاطاً متزايداً مدفوعاً بفرص إعادة الإعمار، حيث بحثت وفود اقتصادية أردنية عديدة فرص الاستثمار وتطوير الصناعة، مع التركيز على تحديث خطوط الإنتاج وتلبية احتياجات السوق السورية، وتعزيز التعاون والتبادل التجاري بين البلدين.

وفي السياق ذاته، تشهد الاستثمارات التركية نشاطاً ملحوظاً، إذ تبحث شركات تركية إنشاء مصانع حديثة، وتبادل الخبرات، وتطوير الإنتاج المحلي لتقليل الاستيراد. وتشير المعلومات إلى أن سوريا شكّلت سوقاً مهمة لمصنعي الإسمنت الأتراك خلال السنوات الماضية، فيما باتت الفرص أكثر وضوحاً اليوم، مع تقديرات تشير إلى حاجة البلاد لنحو 60 مليون طن من الإسمنت خلال العقد المقبل، أي ما يعادل 6 ملايين طن سنوياً، ومن المتوقع أن تلعب تركيا دوراً مهماً في تلبية هذا الطلب.

وعلى صعيد الاستثمارات الآسيوية، وقّعت مجموعة الحسن القابضة ومجموعة “جاينغسو بينغ فيه” الصينية مؤخراً اتفاقية استراتيجية لإنشاء مصنع متكامل لإنتاج الكلنكر والإسمنت في محافظة الرقة.

ومن المتوقع أن يُنجز المشروع خلال عامين، بطاقة إنتاجية تبلغ 7000 طن من الإسمنت و5000 طن من الكلنكر يومياً، ما يعزز السوق المحلية ويدعم مشاريع الإعمار والبنية التحتية، إضافة إلى توفير مئات فرص العمل، والمساهمة في نقل الخبرات وتوطين الصناعات الثقيلة في سوريا.

هبا أحمد

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار