بعد الفشل في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، لجأ “ترامب” إلى استراتيجيته المعروفة التهديد من أجل تفاوض أفضل، وتحديد “مهل زمنية” كأداة للضغطـ، وذلك بالتهديد بحصار هرمز الذي يعد أحد أخطر السيناريوهات المحتملة في سياق التصعيد السياسي والعسكري المتصل بالملف الإيراني.
إحباط متراكم
جاء التهديد بحصار هرمز تعبيراً صريحاً عن إحباط إدارة “ترامب” من تعثر المفاوضات وعجزها عن انتزاع اتفاق يُلبّي مطالبها، فقد لجأ الرئيس مجدداً إلى أسلوبه المعروف: التهديد وتحديد المهل الزمنية كأداة ضغط، وهي استراتيجية تنجح أحياناً على طاولة المفاوضات التجارية، لكنها تنطوي على مخاطر بالغة حين تُطبَّق على ممر مائي تمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية قبل بدء الحرب.
هرمز ليس فنزويلا
يعكس ذلك التهديد أيضًا آمال “ترامب” في إعادة تطبيق نموذج تدخله في فنزويلا ، حين أسقط “مادورو” بمزيجٍ من الحصار البحري والضغط العسكري، لكن المحللين يُحذّرون من هذه المقارنة تحديداً، إذ أمضت إيران عقوداً كاملة في بناء قدراتها للحرب غير المتكافئة، ما يجعل تكرار نموذج كاراكاس في طهران مغامرةً بحسابات مختلفة تمامًا.
تصعيد ثم تراجع.. سيناريو مألوف
في غضون ساعات، تحوّل التهديد الأمريكي من حصار شامل لكل السفن في هرمز إلى حصار يقتصر على الموانئ الإيرانية وحدها، وحدد موعداً لبدء الحصار، في مشهدٍ بات مألوفًا لمتابعي أسلوب “ترامب” التفاوضي، تصعيدٌ حاد يُشل الخصم، ثم تخفيفٌ يمنح هامشاً للتفاوض.
ماذا يعني الحصار؟
لم تتضح بعد أي تفاصيل حول كيفية تنفيذ الحصار أو عدد السفن الحربية التي ستشارك فيه، لكن وفق الدليل الأمريكي لقانون العمليات البحرية، فإن الحصار عملية عدائية رسمية تمنع سفن جميع الدول من الدخول أو الخروج من موانئ الدولة المستهدفة، وهو تعريف يحمل في طيّاته أبعادًا قانونية ودبلوماسية بالغة التعقيد.
آلية التنفيذ المحتملة
أما عن آلية تنفيذه، فيرى خبراء أنه من غير المرجح أن يطلق الجيش الأمريكي صواريخ أو أسلحة على ناقلات النفط نظراً لمخاطر حدوث كارثة بيئية، والخيار الأرجح هو محاولة إجبار السفن على تغيير مسارها عبر تهديدات، وفي حال عدم نجاح ذلك، فقد ترسل فرقاً مسلحة للصعود إلى السفن والسيطرة عليها فعليًا.
تهديد شريان النفط الإيراني
منذ بدء الحرب، واصلت نحو مائة ناقلة تحمل النفط الإيراني عبورها من هرمز، معظمها باتجاه الصين والهند، في تجاهلٍ ضمني أمريكي حرص على تفادي اضطرابات أسواق الطاقة، لكن الحصار يعني قطع هذا الشريان، وتجفيف أحد أهم مصادر تمويل طهران، غير أنه يعني في الوقت ذاته إرباكاً لأسواق الطاقة العالمية بشكل قد يرتد على واشنطن نفسها في صورة أسعار بنزين أعلى.
ورقة ضغط
أعدت بكين لنفسها درعاً نفطية من احتياطيات استراتيجية ضخمة، تحميها نسبياً من صدمات الإمداد قصيرة المدى، لكن إيران كانت تمثل 16% من وارداتها النفطية، ومعظمها يعبر هرمز، وهنا تكمن الخطة الأمريكية الأكثر دهاءً: أن يدفع الحصار بكين إلى ممارسة ضغط مباشر على طهران للجلوس إلى طاولة التفاوض.
سحب ورقة الضغط الأهم
الهدف المُعلن من كل هذا التصعيد واضح: إجبار إيران على إعادة فتح هرمز أمام الملاحة الدولية، وبذلك يسحب “ترامب” من يد طهران ورقةَ الضغط الأثمن التي تملكها في أي مفاوضات مستقبلية، لكن في المقابل، وصفت طهران الحصار بأنه عملٌ غير قانوني وقرصنة بحرية، وهدّدت بالرد.

مرحلة جديدة من عدم اليقين
وعلى الرغم من ادعاء “ترامب” بأن إعادة فتح المضيق ليست مسؤوليته فإنه يواجه ضغوطاً لحل الأمر، قبل أن يؤدي استمرار توقف حركة الملاحة عبر الممر المائي إلى أزمة أكبر للاقتصاد العالمي، لكن التهديد بالحصار يعني أن الأسواق العالمية ستشهد حالة من عدم اليقين والفوضى.
ليست الحل السريع
يرى خبراء أن “ترامب” يريد حلاً سريعاً، لكن الحصار البحري عملية عسكرية واسعة النطاق وبلا أفق زمني واضح، وبينما ترسم واشنطن خرائط الحصار ومسارات السفن، تحبس الأسواق أنفاسها، فالاقتصاد العالمي، الذي يترنح أصلاً تحت وطأة التضخم، لا يرى في هذا الحصار مجرد عملية عسكرية، بل يراه “صدمة عرض” محتملة قد تقفز بأسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة.
في النهاية، فإن مصير حركة الملاحة في هرمز يحدد: إما أن تتدفق ناقلات النفط، أو يرتفع ثمن كل شيء، ويصبح التساؤل الحالي:هل ستجبر استراتيجية “ترامب” إيران على تلبية المطالب الأمريكية؟ أم أن العالم أمام مرحلة جديدة من حالة عدم اليقين المستمرة؟
المصادر: أرقام- بي بي سي – الغارديان – رويترز – فاينانشال تايمز
