الشراكة السورية – الأردنية.. إعادة رسم خارطة اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة

زمن القراءة: 14 دقائق

اختتمت في العاصمة الأردنية عمان، الأحد الفائت، أعمال الدورة الثانية للاجتماع الوزاري لمجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني، بتوقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، في خطوة وصفت بأنها الأكبر في تاريخ العلاقات بين البلدين، وتهدف إلى الارتقاء بالعلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والمؤسسية.

وترسم مخرجات الاجتماع خارطة اقتصادية جديدة يتجاوز طيفها حدود البلدين ليصل إلى المنطقة والعالم، في ضوء التحولات العاصفة التي لا تزال تضرب المنطقة جراء الحرب الأميركية “الإسرائيلية” – الإيرانية، التي أغرقت تداعياتها العالم في أزمة خانقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز وتوقف سلاسل الإمداد والطاقة.

وشهدت الاجتماعات، التي شارك فيها نحو 30 وزيرا من الجانبين، توقيع نحو 10 اتفاقيات شملت قطاعات الصناعة والتجارة، والصحة، والتعليم، والشؤون الاجتماعية، والعدل، والإعلام، والسياحة، والأوقاف، إضافة إلى البريد والدفع الإلكتروني، إلى جانب بحث التعاون في أكثر من 21 قطاعا.

مدخل لبناء ممرات اقتصادية بديلة

وضمن هذا السياق، أكدت الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية، في حديثها لـ”الثورة السورية”، أن الشراكة الاقتصادية بين سوريا والأردن تعد من أبرز التحولات التي يشهدها الإقليم في المرحلة الراهنة، إذ تطرح هذه الشراكة إمكانية إعادة رسم خارطة اقتصادية جديدة تقوم على إعادة تفعيل الدور الجغرافي للبلدين محور ربط بين الخليج العربي وشرق المتوسط، في ظل التحولات العالمية في سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة النقل، كما تبرز هذه العلاقة الثنائية بوصفها مدخلا لبناء ممرات اقتصادية بديلة أكثر كفاءة واستقرارا.

وأوضحت الدكتورة الشياح أن هذه الاتفاقيات لم تأت بمعزل عن سياقها السياسي والاقتصادي، بل تعد امتدادا لنهج “التوأمة الاقتصادية” بين البلدين، الذي جرى التوافق عليه في مراحل سابقة بهدف تعميق التكامل الثنائي وتنسيق السياسات في قطاعات حيوية، حيث شكلت هذه التوأمة إطارا مرجعيا لإعادة تفعيل العلاقات الاقتصادية والانطلاق نحو شراكة أكثر شمولا، تقوم على تبادل المنافع واستثمار المزايا النسبية لكل طرف.

وبحسب الشياح، فإن معبر نصيب – جابر الحدودي، الذي يعد موقعا محوريا في هذه الشراكة، يعد أحد أهم الممرات البرية في المنطقة، كونه يربط مباشرة بين شبكات النقل في بلاد الشام والأسواق الخليجية، وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا المعبر في كونه جزءا من ممر بري دولي يمتد من أوروبا عبر تركيا وسوريا وصولا إلى الأردن ثم إلى دول الخليج، ما يجعله حلقة أساسية في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الإقليمية. وقد أدى تعطل هذا المعبر في فترات سابقة إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل وتباطؤ حركة التجارة، في حين أن إعادة تفعيله تعني استعادة أحد الشرايين الاقتصادية الحيوية في المنطقة.

نشاط اقتصادي مواز

ووفقا للباحثة الاقتصادية، فإن الانعكاسات الاقتصادية لهذا المعبر تتجلى في عدة مستويات، فمن جهة، يسهم في خفض تكاليف النقل وزمن الشحن، وهو ما يعزز القدرة التنافسية للسلع المتبادلة بين الدول ويزيد من حجم التجارة البينية، ومن جهة ثانية، يخلق نشاطا اقتصاديا موازيا يرتبط بالخدمات اللوجستية، مثل التخزين والنقل والتخليص الجمركي، ما يفتح المجال أمام فرص استثمارية جديدة ويولد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يسهم في تنشيط الإيرادات الحكومية من خلال الرسوم الجمركية وبدلات العبور، وهو ما يدعم المالية العامة في البلدين.

وفي هذا الإطار، تشير الدكتورة الشياح إلى أن الاتفاقيات الموقعة بين البلدين تأتي ترجمة عملية لهذا التوجه، حيث تركز أولا على قطاع النقل والتجارة من خلال إعادة تفعيل المعابر الحدودية، ولا سيما معبر نصيب – جابر، وتسهيل حركة الشاحنات وتبسيط الإجراءات الجمركية. وتسهم هذه الخطوات في تنشيط التبادل التجاري، كما تعزز إمكانية استخدام الأراضي السورية والأردنية ممرا للترانزيت للبضائع المتجهة بين دول الخليج وأوروبا، الأمر الذي يعيد إحياء الدور اللوجستي للمنطقة.

أما في قطاع الطاقة، فتتجلى أهمية الاتفاقيات في إعادة تشغيل مشاريع الربط الكهربائي وخطوط نقل الطاقة، بما يسمح بمرور الكهرباء والغاز عبر سوريا إلى دول الجوار. ويسهم هذا التعاون في تعزيز أمن الطاقة الإقليمي، كما يتيح تحقيق عوائد اقتصادية من خدمات العبور، فضلا عن تقليل الحاجة إلى استثمارات جديدة في مسارات بديلة، وهو ما يعكس توجها نحو الاستفادة من البنية التحتية القائمة.

وفيما يتعلق بالأمن الغذائي، تضيف الشياح، فإن الاتفاقيات تشمل جوانب التعاون الزراعي وتبادل المنتجات الغذائية، حيث تمتلك سوريا إمكانات إنتاجية زراعية مهمة، في حين يتمتع الأردن بقدرات لوجستية وتنظيمية تسهم في تسويق هذه المنتجات ونقلها إلى الأسواق الإقليمية. ويؤدي هذا التكامل إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، وتعزيز استقرار الأسواق المحلية في مواجهة الأزمات العالمية.

تهيئة البيئة المناسبة لجذب رؤوس الأموال

كما تمتد الاتفاقيات لتشمل مجالات الاستثمار والتعاون الاقتصادي، من خلال تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص وتهيئة البيئة المناسبة لجذب رؤوس الأموال، خاصة في قطاعات البنية التحتية والخدمات. ويعد هذا الجانب محوريا في دعم جهود إعادة الإعمار وتحفيز النمو الاقتصادي، بما ينعكس على خلق فرص عمل وتحسين النشاط الاقتصادي في البلدين.

وعلى المستوى الفني، تتضمن هذه الشراكة تعاونا في مجالات التنسيق الجمركي وتطوير البنية التحتية وتبسيط الإجراءات الإدارية، وهو ما يسهم في تقليل التكاليف وتسريع حركة التجارة، ويعزز كفاءة سلاسل الإمداد الإقليمية.

وبينت الشياح أنه، رغم الإمكانات الواعدة لهذه الشراكة، فإنها تواجه جملة من التحديات، في مقدمتها البيئة السياسية المعقدة وتأثير العقوبات الاقتصادية، إضافة إلى الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية داخل سوريا، وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ المشاريع المشتركة. كما أن تحقيق تكامل اقتصادي فعلي يتطلب إطارا قانونيا وتنظيميا واضحا، وإرادة سياسية مستدامة تدعم هذا المسار.

واختتمت الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية، حديثها لـ”الثورة السورية” بالقول: “إن الشراكة السورية الأردنية، المدعومة بإطار التوأمة الاقتصادية والأهمية الاستراتيجية لمعبر نصيب – جابر، تمثل محاولة جدية لإعادة تموضع اقتصادي إقليمي، من خلال بناء ممرات بديلة لسلاسل الإمداد، وتعزيز التكامل في مجالات الطاقة والغذاء والاستثمار، وإذا ما تم تنفيذ الاتفاقيات الموقعة بفعالية، فإنها قد تسهم في ترسيخ نموذج اقتصادي جديد للمنطقة، يقوم على التنويع والتكامل وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية، بما يفتح آفاقا أوسع للنمو والاستقرار الاقتصادي”.

وفي بيان مشترك أوردته وزارة الخارجية عبر معرفاتها الرسمية، أكد الجانبان التوجه نحو توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، من خلال تفعيل آليات المبادلات التجارية وفق مبدأ المعاملة بالمثل، وخفض الرسوم الجمركية، وتسهيل حركة الترانزيت، بما يسهم في تنشيط التبادل التجاري بين البلدين.

كما شدد البيان على تطوير معبر “نصيب – جابر” وتحويله إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة، وتعزيز الاستفادة من الموانئ البحرية، بما يدعم تدفق السلع ويعزز دور البلدين في سلاسل الإمداد الإقليمية.

وفي قطاع الطاقة، رحب الجانبان باتفاق تزويد سوريا بالغاز الطبيعي، والعمل على استئناف الإمدادات خلال فترة قريبة، إلى جانب بحث مشاريع الربط الكهربائي، بما يعزز استقرار قطاع الطاقة. كما اتفق الطرفان على تشكيل فرق عمل مشتركة لتنفيذ مشاريع استراتيجية في مجالات المياه والتكامل الصناعي، إضافة إلى التعاون في مجالات الاتصالات والاقتصاد الرقمي وإدارة الموارد المائية المشتركة، ولا سيما في حوض اليرموك.

اتفاقات وتفاهمات متعددة

كما اتفق الجانبان على تعزيز التعاون في قطاع النقل بمختلف أنواعه، بما يشمل النقل البري والبحري والجوي، وتطوير الإجراءات المرتبطة بحركة الأفراد والبضائع، بما يسهم في تسهيل التبادل التجاري وربط البلدين بممرات النقل الإقليمية.

وعلى الصعيد السياسي، أكد الجانبان ضرورة وقف الاعتداءات “الإسرائيلية” على الأراضي السورية، واعتبرا أنها انتهاك للقانون الدولي وتهديد لاستقرار المنطقة، مع التشديد على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي ورفض أي محاولات لفرض وقائع جديدة.

وعلى مستوى الاتفاقيات التفصيلية، وقعت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، مذكرتي تفاهم مع الجانب الأردني، شملتا التعاون في مجالات العمل والتشغيل، وتبادل الخبرات في الصحة والسلامة المهنية، إضافة إلى تطوير برامج الحماية والرعاية الاجتماعية وإعداد خطط تنفيذية مشتركة.

وفي القطاع الإعلامي، وقع وزير الإعلام حمزة المصطفى اتفاقية تعاون مع وزير الاتصال الحكومي الأردني محمد المومني، تضمنت تبادل الأخبار بين وكالتي الأنباء، والتعاون في إنتاج البرامج الإذاعية والتلفزيونية، إلى جانب التنسيق في التشريعات الإعلامية والتدريب المهني.

كما وقعت وزارتا التعليم العالي في البلدين اتفاقية تعاون أكاديمي تشمل 16 مجالا، إضافة إلى منح دراسية وتسهيلات للطلبة والباحثين.

وفي المجال الاقتصادي والتقني، وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية مذكرة تفاهم لمدة ثلاث سنوات مع نظيرتها الأردنية، تركز على تطوير الأنظمة الرقمية والإدارية، ولا سيما في مجال مراقبة الشركات، وتبادل الخبرات الفنية.

وفي القطاع القضائي، وقع وزير العدل مظهر الويس مذكرة تفاهم مع نظيره الأردني، تتضمن تعزيز التعاون وتبادل الخبرات، والتنسيق في المجالات القضائية والقانونية بين البلدين.

وفي قطاع النقل الجوي، كشف رئيس هيئة الطيران المدني عمر الحصري عن التوصل إلى صيغة نهائية لاتفاقية النقل الجوي بين البلدين، مشيرا إلى أنها باتت جاهزة للتوقيع قريبا.

وأوضح أن التعاون يشمل أيضا تدريب الطيارين والمراقبين الجويين، والعمل على إعادة تنظيم الأجواء السورية بما يسهم في تحقيق عوائد اقتصادية أكبر، في إطار تطوير قطاع الطيران المدني وتعزيز حركة النقل بين البلدين.

وخلال المؤتمر الصحفي المشترك، أكد وزير الخارجية أسعد الشيباني أن ما يجمع البلدين “يتجاوز الجوار الجغرافي”، مشيرا إلى أن التقارب الحالي يمثل عودة بالعلاقات إلى مسارها الطبيعي، في ظل إدراك مشترك لأهمية بناء شراكة استراتيجية.

وأضاف أن الجانبين يعملان على نقل العلاقة من التفاهمات السياسية المؤقتة إلى إطار مؤسسي متين، عبر تفعيل مجلس التنسيق الأعلى أداة لتنفيذ المشاريع المشتركة.

وأكد أن نقاشات اليوم شملت قطاعات الاقتصاد والتجارة البينية والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة والمياه والزراعة والاتصالات والإعلام، وصولا إلى التعاون في الداخلية والأمن والصحة والتعليم العالي والبحث العلمي، ما يجعل الشراكة شاملة لكل مقومات الدولة.

وبدوره، وصف وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي الاجتماع بأنه الأكبر في تاريخ العلاقات الثنائية، مؤكدا أن الاتفاقيات الموقعة تمهد لمرحلة أوسع من التعاون القائم على مشاريع ذات جدوى اقتصادية.

وعلى هامش الاجتماعات، استقبل الملك الأردني عبد الله الثاني الوفد الوزاري السوري، مؤكدا أهمية تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتعزيز التعاون الأمني، وضرورة تنفيذ الاتفاقيات الموقعة بما يخدم المصالح المشتركة، إلى جانب دعم استقرار سوريا وسيادتها.

وكانت الاجتماعات التحضيرية قد انطلقت منذ السبت على مستوى اللجان الفنية المشتركة، حيث جرى بحث الملفات الثنائية ووضع التصورات التي عرضت لاحقا على المستوى الوزاري، تمهيدا لإقرارها ضمن إطار التعاون المشترك.

وتطورت العلاقات بين البلدين بعد سقوط النظام المخلوع، ودخلت مرحلة من الشراكة الاستراتيجية، في ظل وجود قواسم مشتركة، ولا سيما أن سنوات الحرب انعكست سلبا على الأردن، خاصة على الصعيد الاقتصادي بسبب توقف الحركة التجارية والعبور، وعلى الصعيد الأمني نتيجة تحويل النظام المخلوع البلاد إلى منطلق لتهريب المخدرات، ناهيك عن انتشار الميليشيات الإيرانية التي كانت تهدد أمن الإقليم.

وقال وزير الخارجية أسعد الشيباني إن دمشق ترى في الأردن “شريكا استراتيجيا لسوريا”، معتبرا أن “استقرار سوريا مناعة للأردن وازدهار الأردن سند لسوريا”. وأضاف، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره أيمن الصفدي عقد على هامش أعمال الدورة الثانية للمجلس، أن ما يربط البلدين أكثر من المنطقة الجغرافية، مشيرا إلى أن الأمر يعتمد على التنسيق بين البلدين وعودة العلاقات إلى مسارها الصحيح، لافتا إلى أن الأردن “أول من شرع أبوابه لسوريا الجديدة”.

وأكد الشيباني أن طموح سوريا “يتجاوز ملفات محددة”، وأنها تسعى إلى “تحويل العلاقة الأردنية السورية إلى نموذج يحتذى به”، مضيفا أن التقارب الأردني السوري امتداد للعلاقة التاريخية بين البلدين والشعبين الشقيقين. وهذا ما أشار إليه الوزير الأردني أيمن الصفدي، بقوله إن اجتماعات أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى عكست الإرادة السياسية للعاهل الأردني عبد الله الثاني والرئيس أحمد الشرع، في “البناء على ما يجمع بلدينا من علاقات متجذرة، للمضي نحو بناء علاقات استراتيجية متكاملة”.

واعتبر جلالة الملك عبد الله الثاني، خلال استقباله الوفد الوزاري السوري، أن انعقاد الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى المشترك خطوة مهمة لدفع العلاقات إلى الأمام، مؤكدا ضرورة استمرار العمل على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية وتعزيز التعاون الأمني بين البلدين بما يحقق المصالح المشتركة.

ويمثل المجلس أكثر من 20 قطاعا حيويا، ويهدف إلى النهوض بالعلاقات الأردنية السورية نحو الشراكة الاستراتيجية الشاملة في مختلف المجالات، حيث تم توقيع أكثر من 10 اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وبحث التعاون في أكثر من 21 قطاعا حيويا في اجتماع أمس الأحد، الذي يعد الأكبر أردنيا سوريا عبر التاريخ، إذ ضم أكثر من 30 وزيرا، ويمثل خطوة عملية لترجمة العلاقات السياسية بشكل ممنهج، بحسب ما ذكر الوزير الأردني أيمن الصفدي.

فؤاد الوادي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار