تدخل الليرة السورية مجدداً مرحلة من التراجع أمام العملات الأجنبية، بعد فترة من الاستقرار النسبي، في ظلّ تداخل عوامل داخلية وخارجية تضغط على سعر الصرف.
وبين تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، يعود الجدل حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التراجع، وما إذا كان ظرفياً أم يعكس تحديات أعمق في بنية الاقتصاد السوري.
وسجل الدولار خلال الأيام الماضية قفزة في السوق الموازية، ليصل إلى نحو 129 ليرة جديدة (12,900 ليرة قديمة)، قبل أن يتحسن لاحقاً إلى 127 ليرة (12,700 ليرة قديمة) عقب اتفاق الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.
عوامل ضغط
رغم تحسن سعر الصرف بأكثر من 30 بالمئة مقارنة بما قبل التحرير، فإن الليرة تواصل منذ أشهر التأرجح بين 110 و120 ليرة جديدة (11,000-12,000 ليرة قديمة) للدولار، قبل أن تتراجع خلال الأيام الأخيرة إلى مستويات أدنى من هذا النطاق.
وأرجع الباحث الاقتصادي محمد حمو، تراجع الليرة إلى مجموعة من عوامل الضغط، أبرزها زيادة الطلب على العملات الأجنبية، لا سيما الدولار، نتيجة استمرار الحرب الأميركية -الإسرائيلية ضد إيران، إلى جانب عدم الاستقرار في بعض المناطق السورية، والهشاشة الاقتصادية، ونقص السيولة.
كما يشير إلى استمرار المضاربات في السوق المحلية منذ سقوط النظام المخلوع، ما أسهم في تعميق التحديات الاقتصادية.
وقال حمو لصحيفة “الثورة السورية”: إن الأسباب الحقيقية لتراجع الليرة تعود إلى تداخل مجموعة من العوامل الجوهرية، أبرزها عجز الميزان التجاري نتيجة الاعتماد الكبير على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية مقابل تراجع الصادرات، ما يزيد الطلب على العملات الأجنبية، إلى جانب استنزاف احتياطات المصرف المركزي من النقد الأجنبي، وتوقف التدفقات النقدية الخارجية الرسمية منذ فترة طويلة.
وأضاف أن ضخ كميات كبيرة من العملة المحلية في السوق، في ظلّ محدودية الإنتاج المحلي الداعم لقيمة العملة الوطنية، ولجوء التجار إلى “دولرة” السوق كملاذ آمن لحفظ قيمة مدخراتهم، كلها عوامل تخلق ضغطاً مستمراً على سعر الصرف.
من جانبه، رأى الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر، أن تراجع الليرة يعود إلى الفجوة الاقتصادية الحقيقية الناتجة عن تراجع الإنتاج المحلي.
وأوضح اسمندر لصحيفة “الثورة السورية” أن حجم النقد الأجنبي منخفض نتيجة تراجع الصادرات مقابل ارتفاع كبير في الاستيراد، وضعف السياحة، ونقص الثروات الباطنية، إضافة إلى انخفاض احتياطات النقد الأجنبي لدى مصرف سوريا المركزي، التي “تُقدّر بنحو 700 مليون دولار”.
وأشار إلى أن استمرار عمليات البيع والشراء والتسعير بالدولار يزيد من الضغوط على العملة الوطنية، التي تعاني أساساً من تركة ثقيلة من الأزمات والمشكلات في مختلف القطاعات الحيوية.
“دولرة” الاقتصاد
في ظلّ التقلبات المستمرة لسعر صرف الليرة، يثار تساؤل واسع حول الأسباب الحقيقية وراء تراجع قيمتها أمام العملات الأجنبية، وما إذا كانت مرتبطة بعوامل مؤقتة مثل تداول العملة الجديدة، أم تعكس تحديات أعمق في البنية الاقتصادية.
وقال حمو: إن محدودية تداول العملة الجديدة لا تُعد سبباً مباشراً في تراجع قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية، إلا أن طول فترة التعايش بين العملتين قد يؤدي إلى زيادة المضاربة على الدولار، ما يخلق تذبذباً “مؤقتاً” في سعر الصرف.
من جهته، رأى اسمندر أن مشكلة تراجع الليرة لا ترتبط بمحدودية تداول العملة، لكنّه حذر من أن غياب الحلول الاقتصادية الحقيقية، وغياب الحوكمة والإصلاحات الفعّالة، قد يدفع السوق نحو موجة أوسع من “دولرة” الاقتصاد، ما سيؤدي إلى تراجعات إضافية وكبيرة في قيمة العملة المحلية.
حمزة العبد الله
المصدر: الثورة السورية
