الاقتصاد المجتمعي في سوريا.. قراءة في أثر السياسات على حياة الناس

زمن القراءة: 11 دقائق

يُناقش الاقتصاد في الوعي العام السوري غالباً بوصفه مساحةً من الأرقام والمؤشرات والأسواق مثل سعر الصرف، والتضخم، ونمو الناتج المحلي، والكتلة النقدية المتداولة، والصادرات والواردات، لكن هذا التبسيط يُنتج مغالطة مزدوجة؛ لأنّ الاقتصاد ليس لوحة بيانات تقنية منفصلة عن الناس، وليس أيضاً معيشة يومية بلا بنية إنتاجية ومالية ونقدية، في جوهره، الاقتصاد هو الطريقة التي يعيش بها المجتمع، أي كيف يكسب الناس دخلهم، وكيف يُنفقونه، وكيف يحمون أسرهم من صدمات السوق والقرارات، وكيف يخططون لمستقبلهم في التعليم والصحة والعمل والاستقرار.

في السياق السوري، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً وحدّة، فكل ضغط اقتصادي لا يبقى محصوراً في السوق، بل ينتقل سريعاً إلى البيت والمدرسة والحيّ وسلوك الأسرة، وعندما يتراجع الدخل الحقيقي، لا يتغير مستوى الاستهلاك فقط؛ بل تتبدل أولويات الناس، وتتقلص قدرتهم على الادخار، ويكبر الاقتصاد غير الرسمي، وتتحول القرارات المعيشية إلى قرارات دفاعية قصيرة الأجل، لذلك من المهم فهم العلاقة العميقة بين الاقتصاد والمجتمع، فالاقتصاد يحدد شروط الحياة، والمجتمع يعيد تشكيل الاقتصاد بسلوكياته وتكيفه وردود فعله.

الاقتصاد ليس أرقاماً مجردة.. فلماذا يبدأ من حياة الناس؟

اقتصادياً، يمكن قياس النشاط عبر مؤشرات كثيرة مثل المستوى العام للأسعار، وحجم الاستثمارات، ومدى توفر السيولة، ومعدل التشغيل والبطالة، وحجم التجارة وغيرها، لكن هذه المؤشرات لا تكتسب معناها إلا حين تُقرأ من خلال أثرها على المجتمع، فالدخل ليس رقماً في كشف راتب فقط؛ إنّه قدرة الأسرة على شراء الغذاء، وقدرتها على دفع بدل النقل، وتحمل كلفة العلاج، والاستمرار في تعليم الأبناء، والاحتفاظ بحد أدنى من الاستقرار النفسي والمعيشي، وكلما اتسعت الفجوة بين الأجور وكلفة الحياة، تراجع المعنى الفعلي لأي رقم اقتصادي يبدو مقبولاً على الورق أمام المسؤولين.

هنا يظهر الفرق بين اقتصاد المؤشرات والاقتصاد المجتمعي؛ فالأول يركّز على ما تقوله الجداول، والثاني يسأل: ماذا فعلت هذه الجداول بالناس؟ قد ينخفض عجز مالي على الورق، لكن إذا تحقق ذلك عبر تحميل الأسر كلفة أعلى في النقل أو الطاقة أو الخدمات، فإن التحسن يصبح جزئياً ومضللاً إذا لم نقرأ أثره الاجتماعي، وقد يتحسن رقم في التجارة أو الإيرادات، لكن إذا ترافق مع تآكل القدرة الشرائية واتساع الهشاشة الأسرية، فإن المجتمع يدفع ثمناً لا يظهر مباشرة في المؤشر.

كيف ينتقل الضغط الاقتصادي فوراً إلى المجتمع؟

في البيئات الاقتصادية الهشّة كحالة سوريا، لا تحتاج الصدمة الاقتصادية وقتاً طويلاً كي تظهر اجتماعياً، حيث إن أي ارتفاع في الأسعار، أو تراجع في الدخل الحقيقي، أو اضطراب في فرص العمل، ينتقل سريعاً إلى سلوك الناس، والسبب أن الهوامش التي تحمي الأسر من الصدمات تصبح أضيق؛ فلا مدخرات كافية لدى الأسر، ولا أدوات حماية مجتمعية تقدمها الدولة، ولا قدرة واسعة على امتصاص الارتفاعات المتكررة في تكاليف المعيشة، عندها يعود الاقتصاد شأناً مباشراً في تشكيل الحياة اليومية.

أول أشكال هذا الانتقال هو تراجع القدرة الشرائية، فحين لا ينمو الدخل بمعدل قريب من نمو الأسعار، لا تشتري الأسرة أقل فقط؛ بل تعيد ترتيب استهلاكها بالكامل، حيث تنخفض جودة الغذاء قبل كميته، وتتراجع الأولويات الصحية الوقائية، ويتأجل الإنفاق على التعليم الخاص أو الدعم التعليمي، وتتقلص النفقات التي كانت تمنح الأسرة شعوراً بالاستقرار لا مجرد البقاء، ومع تكرار هذه الضغوط، تنتقل الأسرة من منطق الاختيار إلى منطق الاستبعاد، أي: ما الذي يمكن الاستغناء عنه الآن كي نستمر؟

ثاني الأشكال هو تغير البنية الاجتماعية للقرار، فعندما تصبح المعيشة أكثر كلفة وعدم يقين، تتغير نظرة الأسرة إلى العمل والتعليم والزواج والسكن والتنقل، فقد أصبحت الوظيفة لا تُقاس فقط بجدواها المهنية، بل بقدرتها على تأمين دخل فوري، والتعليم لا يُقيَّم فقط بصفته استثماراً طويل الأجل، بل بقدرته على توليد أجور مرتفعة فحسب، وحتى القرارات العائلية الكبرى تصبح أكثر ارتباطاً بالخطر الاقتصادي من ارتباطها بالتفضيلات الطبيعية.

من أبرز النتائج الاجتماعية للضغط الاقتصادي في سوريا اتساع الاقتصاد غير الرسمي، وهذا لا يعني فقط انتشار أعمال غير مسجلة أو خارج التنظيم، بل يعني أن جزءاً متزايداً من المجتمع يبدأ في إعادة ترتيب دخله وأنشطته خارج القنوات الرسمية، لأن الاقتصاد الرسمي يصبح أقل قدرة على تأمين العائد الكافي أو المرونة المطلوبة، وهنا لا يكون التحول دائماً خياراً واعياً أو مخالفة مقصودة؛ بل قد يكون آلية تكيّف مع بيئة يصعب فيها على كثيرين تحمّل كلفة الالتزام الكامل بالنظام الرسمي.

فحين لا يكفي الدخل الأساسي، تلجأ الأسر إلى مصادر دخل موازية، مثل أعمال موسمية، وتقديم خدمات صغيرة، وعمل تجارة جزئية، وتحويل المهارات المنزلية إلى مورد نقدي، أو قبول أشكال عمل غير مستقرة لكنها أسرع دخلاً، ومع الوقت، يتحول الاقتصاد غير الرسمي إلى جزء أساسي من طريقة المجتمع في النجاة، وهذا التحول يحمل آثاراً مزدوجة؛ فهو من جهة يخلق قدرة مؤقتة على التكيّف، لكنه من جهة أخرى يضعف الحماية الاجتماعية، ويخفض جودة العمل، ويزيد هشاشة العاملين، ويقلل القاعدة الضريبية والتنظيمية التي تحتاجها الدولة لبناء استقرار طويل الأجل.

هذا التحول قد لا يبدو مؤثراً، لكن حين يلجأ الشخص إلى العمل في الأعمال المحظورة والتهرب الضريبي، عندها يؤثر ذلك في زيادة حجم الاقتصاد غير الرسمي، وهنا تتضح مفارقة مهمّة، وهي أن ما يبدو تكيفاً اجتماعياً على المدى القصير قد يتحول إلى اختلال اقتصادي مؤسسي على المدى المتوسط، لأن المجتمع يبتكر حلولاً للبقاء، لكن هذه الحلول نفسها قد تعمّق هشاشة الاقتصاد إذا أصبحت هي القاعدة لا الاستثناء.

كيف يغيّر الضغط الاقتصادي أولويات الأسر؟

في الظروف المستقرة، تميل الأسر إلى توزيع مواردها بين الحاضر والمستقبل، مثل الاستهلاك، والتعليم، والصحة، والادخار، وتحسين السكن، وربما مشروع صغير، لكن تحت الضغط الاقتصادي المزمن، ينكسر هذا التوازن، فتتراجع الاستثمارات البعيدة الأجل لمصلحة الإنفاق الضروري الفوري، ويتحول القرار الأسري من: كيف نتقدم؟ إلى: كيف نصمد؟

هنا يتغير معنى كثير من السلوكيات الاجتماعية، فالادخار يتراجع لأنه لم يعد ممكناً أو لأنه فقد معناه تحت التضخم، والإنفاق الصحي الوقائي يُؤجَّل إلى أن يتحول إلى علاج إسعافي أعلى كلفة، والتعليم قد يستمر شكلياً، لكن مع انخفاض الإنفاق عليه تتراجع جودته الفعلية في حياة الأسرة، وحتى التغذية تصبح انعكاساً مباشراً للضغط الاقتصادي على الصحة والطاقة والإنتاجية، وبذلك لا تبقى الأزمة الاقتصادية في خانة الأموال فحسب، إنما تصبح أزمة في إدارة الحياة نفسها.

في هذا المستوى، لا يعود قياس الأثر الاقتصادي ممكناً عبر الأرقام المالية وحدها، لأن جزءاً كبيراً من الكلفة يتحول إلى كلفة صامتة، وهي إنهاك نفسي، وهشاشة أسرية قد تولّد مشكلات وتفككاً أسرياً، وتراجع جودة رأس المال البشري، واتساع فجوة بين ما يحتاجه المجتمع ليبقى متماسكاً وما يستطيع فعلاً تحمّله.

من جهة أخرى، عندما تُصاغ السياسة الاقتصادية باعتبارها مجموعة أهداف مالية أو إدارية فقط، تظهر مخاطر كبيرة في بيئة مثل سوريا، لأن السياسة قد تحقق انضباطاً أو زيادة في الإيرادات أو خفضاً في العجز ضمن حسابات ضيقة، لكنها في المقابل قد تنقل جزءاً كبيراً من التكلفة إلى المجتمع في صورة تضخم أو انكماش استهلاكي أو تآكل خدمات أو ارتفاع كلفة الوصول إلى الأساسيات، وهنا تظهر الحاجة إلى قراءة مزدوجة، وهي: الجدوى الاقتصادية والأثر الاجتماعي.

فأي سياسة تمس الأسعار، أو الأجور، أو الدعم، أو الرسوم، أو الطاقة، أو التمويل، يجب أن تُقرأ من زاويتين متلازمتين: ما الذي تحققه مالياً؟ وما الذي تفعله اجتماعياً؟ لأنّ الأثر الاجتماعي ليس ملحقاً أخلاقياً بالسياسة، بل جزء من فعاليتها الاقتصادية نفسها، فإذا أدت السياسة إلى إضعاف الطلب الحقيقي، أو توسيع الاقتصاد غير الرسمي، أو زيادة الهجرة، أو تقليص الإنفاق على التعليم والصحة، فهي قد تنتج اختلالات تعود لاحقاً لتقوّض نتائجها المالية التي بدت إيجابية في البداية.

السوق لا يعيش منفصلاً عن المجتمع، والمجتمع ليس متلقياً سلبياً للسياسات، فالناس يكيّفون سلوكهم مع الضغط، فيغيّرون أنماط الاستهلاك، وينسحبون من بعض الأنشطة، ويتحولون إلى اقتصاد موازٍ، أو يبحثون عن حلول خارجية، وهذه الردود المجتمعية قد تعيد تشكيل نتائج السياسة نفسها، لذلك فإن تجاهل الأثر الاجتماعي لا يجعل السياسة أكثر اقتصادية، لكن قد يجعلها أقل دقة وأقل استدامة.

ما الذي يعنيه تبنّي مقاربة اقتصاد مجتمعي في سوريا؟

المقصود ليس استبدال الاقتصاد بالعمل الاجتماعي، ولا تحويل السياسات إلى شعارات معيشية عامة، إنما بناء فهم يرى أن استقرار المجتمع جزء من استقرار الاقتصاد، وأن قوة المؤشر تُقاس بقدرته على تحسين شروط الحياة لا بمجرد تحسنه الحسابي، هذا يعني أن أي إصلاح اقتصادي فعّال يجب أن يسأل منذ البداية: كيف سينعكس على دخل الأسر أو التجار أو الصناعيين أو أي فاعل اقتصادي؟ وعلى فرص العمل؟ وعلى القدرة الشرائية؟ وعلى التعليم والصحة؟ وعلى تماسك الفئات الأكثر هشاشة؟

في المقاربة المجتمعية، لا تُقاس السياسة الاقتصادية بما تحققه في الحسابات فقط، إنما بما تُحدثه في بنية الحياة اليومية، فالسؤال الحقيقي ليس إن كانت السياسة قد حسّنت رقماً ما في الجداول فقط، بل إن كانت قد ولّدت دخلاً حقيقياً يوسّع قدرة الناس على العيش، أم أنّها اكتفت بإعادة توزيع الضيق بينهم، وليس المهم فقط إن كانت قد خففت العبء المالي المباشر، بل أيضاً إن كانت قد قلّصت هشاشة الأسرة ومنحتها قدرة أكبر على الاحتمال، أم دفعتها إلى مزيد من التكيّف القاسي والمؤلم، كذلك يُقاس أثرها بمدى دعمها للاقتصاد الرسمي المنتج وتعزيزها لمسارات العمل المستقر، أو على العكس، بمدى دفعها الناس إلى الاحتماء ببدائل غير منظمة تفرضها الضرورة أكثر مما يختارها الأفراد، وفي المحصلة، تبقى القيمة الأعمق لأي سياسة فيما إذا كانت تمنح المجتمع أفقاً معقولاً للاستقرار والبقاء، أم تدفعه تدريجياً إلى الانكفاء، أو إلى التفكير بالخروج والانسحاب بوصفهما استجابةً لفقدان الأفق.

بهذا المعنى، يُعدّ الاقتصاد المجتمعي قراءة أكثر واقعية لطبيعة الاقتصاد نفسه، خصوصاً في مجتمع استُنزف طويلاً، فالمؤشرات التي لا تُترجم إلى تحسن ملموس في حياة الناس تبقى مؤشرات ناقصة، والسياسات التي لا تُقاس بكلفتها الاجتماعية قد تنجح محاسبياً وتفشل مجتمعياً، ثم تعود فتفشل اقتصادياً أيضاً.

الخلاصة أن السياسات الاقتصادية في سوريا لا يمكن إصدارها بشكل منفصل عن آثارها المجتمعية؛ لأنها تمر مباشرة عبر دخل الناس ومعيشتهم واستقرارهم وفرصهم وصحتهم وتعليمهم، وكل ضغط اقتصادي ينعكس فوراً في تراجع القدرة الشرائية، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وتزايد الهجرة، وتبدل أولويات الأسر من البناء إلى الصمود.

عبد العظيم المغربل

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار