لم تعد ساحات القتال في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تقتصر على الموانئ والمصافي والقواعد، بل وصلت خلال الأسابيع الأخيرة إلى قلب البنية الرقمية في الشرق الأوسط.
جاء ذلك في لحظة كانت فيها دول الخليج تتحول بسرعة إلى ساحة استثمارات ضخمة في البنية السحابية، بعدما ضخت شركات التقنية مليارات الدولارات في إنشاء وتوسيع مراكز البيانات، لتصبح هذه المنشآت جزءًا من المشهد الاقتصادي والسياسي، لا مجرد بنية تقنية خلفية.
أبرز الوقائع المباشرة
وقع التحول النوعي في الأول من آذار، عندما أطلقت إيران وابلًا من الطائرات المسيّرة والصواريخ على دول الخليج العربي.
وأعلنت “أمازون ويب سيرفيسز” (AWS) أن منشأتين تابعتين لها في الإمارات تعرضتا لضربات مباشرة، وأن ضربة مسيّرة قرب منشأة ثالثة في البحرين أحدثت “تأثيراً مادياً”.
وقالت الشركة إن الهجمات تسببت في أضرار هيكلية، وانقطاع للكهرباء، وأضرار مائية إضافية ناجمة عن عمليات الإطفاء، ما جعل الاستعادة طويلة، في أول واقعة معروفة تؤدي فيها عملية عسكرية إلى تعطيل مركز بيانات تابع لشركة تكنولوجيا أميركية كبرى.

وفي 23 آذار، قالت أمازون إن “منطقة البحرين” تعطلت بسبب نشاط لطائرات مسيّرة، وأكدت أنها تساعد العملاء على نقل أعمالهم إلى مناطق أخرى.
ولم توضح الشركة ما إذا كانت المنشأة قد ضُربت مباشرة، لكنها شددت على أن البيئة التشغيلية في المنطقة باتت غير متوقعة، في ثاني اضطراب خلال شهر واحد.
ثم في الأول من نيسان ذكرت وزارة الداخلية البحرينية أن فرق الدفاع المدني أخمدت حريقاً في منشأة تابعة لشركة بعد “هجوم إيراني”، قبل أن تنقل رويترز في اليوم التالي عن الحرس الثوري إعلانه استهداف مركز أمازون في البحرين.
ولم يقتصر الاستهداف على الخليج، فقد ذكرت بلومبرغ أن “إسرائيل” والولايات المتحدة ضربتا في الأسابيع الأولى للحرب مركزين للبيانات في طهران، أحدهما مرتبط بالحرس الثوري.
ولفت “المعهد الملكي للخدمات المتحدة” (RUSI) إلى أن هذه الضربات تكشف منطقاً جديداً في الاستهداف، لأن مراكز البيانات تستضيف تطبيقات مدنية وعسكرية معاً، ومنها نظم القيادة والسيطرة ومشروعات مثل “مافن” الأمريكي، ما يجعلها أهدافاً ثنائية الاستخدام.
وأضاف أن الحرس الثوري نشر قائمة أهداف “مشروعة” ضمت أمازون ومايكروسوفت وغوغل وآي بي إم وأوراكل وإنفيديا، بما يعكس انتقال هذه المنشآت من بنية تجارية إلى بنية ذات قيمة عسكرية مباشرة.
البنية السحابية في الشرق الأوسط
تتمركز البنية السحابية الحساسة اليوم بصورة أساسية في الخليج، ولا سيما في الإمارات والسعودية والبحرين وقطر.
ووفقًا لبنك الإمارات دبي الوطني، تستضيف الإمارات 35 مركز بيانات، تليها السعودية بـ20 مركزاً، ثم قطر بخمسة مراكز، بما يعكس ثقلاً واضحاً لأبوظبي ودبي والرياض وجدة، إلى جانب حضور أصغر في المنامة والدوحة.
وأصبحت دول الخليج مركزاً إقليمياً للحوسبة السحابية بفضل وفرة الطاقة ورؤوس الأموال، لكن أصبحت هذه المنشآت أكثر ظهوراً وحساسية في زمن الحرب.
ضمن هذه الخريطة، تمتلك AWS مناطق سحابية في البحرين والإمارات و”إسرائيل”، إذ توضح “أسوشيتد برس” أن كل منطقة تضم عدة مراكز بيانات منفصلة لضمان التكرار والاستمرارية، لكنها ليست محصنة ضد الضربات الصاروخية أو المسيّرات.
ويضاف إلى ذلك أن أمازون أطلقت منطقتها السحابية في “إسرائيل” عام 2023، فيما كانت غوغل قد فعلت أول منطقة سحابية محلية هناك عام 2022 لتقديم خدمات للحكومة والجيش.
وهو ما يوضح أن البنية السحابية الإقليمية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، وأنها ترتبط أيضاً بعقود حكومية وأمنية وليست فقط بخدمات السوق التجارية.

ويرتكز هذا التوسع على استثمارات ضخمة، فالمخطط الاستثماري لمايكروسوفت يقضي بضخ 15.2 مليار دولار في الإمارات بين 2023 و2029، وقد أنفقت الشركة 7.3 مليارات حتى نهاية 2025، فيما أعلنت مع “جي 42” توسيع قدرة مراكز البيانات في الإمارات بمقدار 200 ميغاواط على أن يبدأ دخولها الخدمة قبل نهاية 2026.
أما أمازون فترصد أكثر من 5.3 مليارات دولار لبناء منطقة سحابية جديدة في السعودية، في حين تعمل غوغل وصندوق الاستثمارات العامة السعودي على مشروع بقيمة 10 مليارات دولار لبناء “محور عالمي للذكاء الاصطناعي” في المملكة.
كما تواصل أوراكل توسيع وجودها في جدة وفتح منطقة جديدة في الرياض، بينما يجري التحضير لمشروع “ستارغيت” في أبوظبي بوصفه نواة لحرم ضخم لمراكز البيانات متعددة الجيجاواط.
وتقوم هذه المراكز بدور يتجاوز التخزين التقليدي للبيانات؛ فهي توفر القدرة الحوسبية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، وتستضيف الأنظمة الحكومية والبنية المالية، وتغذي خدمات الشركات الناشئة والمؤسسات العامة.
لكن هذا الدور نفسه يزيد هشاشتها، فهي تعتمد على الكهرباء والاتصالات والمياه، وتبقى مراكز ضخمة يسهل رصدها.
وتوضح “أسوشيتد برس” أن AWS تعتمد على تكرار في الماء والطاقة والاتصالات والإنترنت لضمان الاستمرار، لكن وسائل الحماية المادية فيها مصممة أساسًا ضد التسلل لا ضد الضربات العسكرية، ما يجعلها أقرب إلى منشآت صناعية حساسة منها إلى “مستودعات بيانات” صامتة.
الدلالات الاقتصادية والتشغيلية
أظهرت الضربات أن مراكز البيانات لم تعد مجرد مكونات تقنية، بل جزاء من البنية التحتية الحساسة فعلاً، فخدمات AWS وغيرها تشغل خلفية رقمية لقطاعات حكومية ومالية وتعليمية وتجارية، ولهذا دعت أمازون العملاء إلى نقل الأعمال والبيانات إلى مناطق أخرى.
وبينما حذرت “أسوشيتد برس” من أن فقدان مركز واحد قد يكون قابلًا للاحتواء، فإن فقدان عدة مراكز داخل المنطقة نفسها يمكن أن يخلق عجزًا حقيقيًا في الطاقة الاستيعابية ويؤدي إلى انقطاعات أوسع.
ومن الناحية التشغيلية، كشفت الأزمة أن اختيار موقع السحابة لم يعد قراراً تقنياً أو مالياً فقط، بل قراراً استراتيجياً مرتبطاً بالاستقرار السياسي والجغرافي، فقد نصحت AWS العملاء بالنسخ الاحتياطي وتحويل العمليات إلى مناطق غير متأثرة.
فيما قال “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” إن الخصوم الذين اعتادوا سابقاً استهداف خطوط النفط والمصافي يمكنهم في “عصر الحوسبة” الانتقال إلى مراكز البيانات والبنية الكهربائية التي تدعمها واختناقات الألياف الضوئية.
ويفسر هذا التحول لماذا باتت هذه المنشآت تُعامل كأهداف ذات قيمة اقتصادية وتشغيلية تعادل الموانئ ومحطات الطاقة.
واقتصادياً، لا تبدو الضربات حادثاً عابراً، بل إنذارًا بأن الاستثمارات الضخمة في البنية السحابية صارت مكشوفة على المخاطر الجيوسياسية نفسها التي تهدد الممرات البحرية ومنشآت الطاقة.
إذ تعطيل مركز بيانات واحد، يمكن أن يشل البنوك” والمكاتب الحكومية ويكلف المؤسسات ملايين الدولارات في وقت قصير، كما ترى بلومبرغ.
لذلك لم تعد مراكز البيانات في الشرق الأوسط بنية مساعدة على هامش الاقتصاد، بل جزءاً من معادلته الصلبة، تمامًا كما هي الموانئ والمصافي ومحطات الكهرباء.
ومن هنا تكشف الحرب في معناها الأوسع، أن الاقتصاد الرقمي لا يعمل في فراغ، فهو قائم على الطاقة والمياه والألياف الضوئية والاستقرار الأمني، وحين تُضرب هذه الحلقات أو يتهدد أحدها، تتضرر معها التطبيقات والخدمات والمعاملات التي تبدو في الظاهر “افتراضية”.
ويوضح ما جرى منذ مطلع آذار أن الحرب الحديثة لم تعد تستهدف فقط ما يتحرك على الأرض أو يمر عبر البحر، بل أيضاً ما يدير البيانات والاتصالات والخدمات فوقها.
المصدر: نون بوست
